يلعب الوضع المادي دوراً مؤثراً وفاعلاً في حياة الأسرة إذا أحسنت استغلاله في أشياء تعود عليها بالفائدة، فهو يؤثر في نشأة الأطفال وسلوكياتهم والعلاقة بين الزوجين من نواح عدة، فإما أن يكون نعمة وإما يصبح نقمة، للتحدث عن هذا الأمر التقت (الصحة أولاً) عدداً من الأطباء، وكانت البداية مع الدكتور قدري بري طبيب أمراض باطنية في مستشفى داون تاون والذي قال:
هذا الجانب اقتصادي، وسياسي، واجتماعي أكثر منه طبياً، لأن الحرية هي نقيض الواقع، لذا فكلما اصطدمنا بالواقع قلت لدينا مساحة الحرية وهذا وضع العالم، لذلك كان الصوفيون يشعرون بكم كبير من الحرية لأنهم كانوا لا يهتمون في الملبس، والمأكل، والمشرب،
وكانوا يعيشون لشعرهم فقط، وعبر التاريخ لم تكن هناك ثورة جياع رغم زيادة الضغوط على الفقراء، أما الطبقتان الوسطى والغنية فتبحثان عن الطعام، والمأوى، والملبس الجيد وهما تبحثان عن الثقافة أيضا وتخصصان وقتاً جيداً لها، إما من خلال الكتب أو كثرة الأسفار والرحلات، والأسرة الفقيرة تفتقد أهم الأشياء وهي الحب والعاطفة، لأنها تصب اهتمامها على تأمين الحاجات الأساسية للحياة،
وخاصة أن طلبات الأبناء لا ترحم ولا تعي حقيقة الوضع المادي، وتفقد الأسرة أيضاً تواصلها لأن معيلها يرهق نفسه في تأمين احتياجاتها فهو يخرج صباحاً ولا يعود إلا بوقت متأخر، يكون فيه أطفاله وزوجته نائمين، أو أنه يشعر بالإعياء فلا يستطيع الجلوس والتحدث معهم،ومعرفة متطلباتهم ولذلك تصاب العلاقة بفتور
وربما إذا زادت الفترة تختفي العواطف ويصبح وجود الأب في المنزل كعدمه، والشيء المؤكد أن الفقير لا يستطيع تأمين منزل جيد التهوية، تدخله الشمس ومن المعروف أن المنزل الذي لا تدخله الشمس سيدخله الطبيب، وهو لا يستطيع دفع أجور الطبيب أيضا، لذا فإن الفقير يمرض ويموت بمرضه، والفقر ليس مرضاً يعطى مضادات حيوية ويقضى عليه.
وأضاف انه توجد مقولة شهيرة لسيدنا علي أبي طالب ( لو كان الفقر رجلاً لقتلته )، وقال أيضاً (استغرب من لم يجد قوت يومه كيف لا يخرج من بيته ويشهر سيفه للناس)، بل هو مشكلة كما ذكرنا في البداية سياسية، واقتصادية، واجتماعية لأن كثرة
الضغوط تتسبب في كثير من المشكلات، ومن بينها الطلاق وانحراف الأطفال والسرقة،
وربما القتل في بعض الأحيان لتوفير المادة، ومن الناحية الصحية سيؤدي إلى أمراض عديدة وخاصة في حال عدم توفر السكن الجيد وهذه الأمراض أول ما تصيب الأطفال لأن مقاومتهم ضعيفة جداً ومن هذه الأمراض الكساح، وعند الكبار الضغط، والسكري، والقلب.
أما الدكتور حسين رضا اختصاصي أمراض نفسية بمستشفى راشد فقال إن الجشع المادي طغى على مجتمعاتنا بشكل غير طبيعي وملفت للنظر، وما زاد الطين بلة أن بعض العائلات ليس لديها الثقافة الكافية لتربي وتعود أطفالها على الإنفاق، لذا فإن الجميع يحيا خارج نطاق ماديته والطلبات تزداد دوماً من قبل الأطفال من دون شعور، مع أنه يجب على كل شخص أن يتكيف مع وضعه المادي ولا يرهق نفسه تماشياً مع المثل القائل( مد قدميك على قد لحافك ).
وأضاف أن المادة أهم أسباب الخلاف بين الزوجين خصوصاً في حال وجود اختلاف في الآراء وعدم المصارحة بحقيقة الوضع المادي.
وقال إن كل عائلة لديها ميول معينة فبعضها تعتبر المادة شيئاً مهماً، والبعض الآخر الثقافة، والتعليم، أو الدين، فالأهل الواعون يعلمون أطفالهم أن المادة وسيلة وليست غاية، وتعويدهم على كسب المال من خلال المكافأة على عمل جيد أو نتائج دراسية جيدة، وتشجيعهم على التوفير، والطريق الشريف لكسب المال، وأن تأمين الحاجات والالتزامات الأساسية تأتي في الدرجة الأولى، أما إذا كان الوضع عكس ذلك فإن الأب يضطر للدين مما يؤدي إلى إرهاقه جراء العبء الملقى على كاهله، وينعكس طبعاً بطريقة غير مباشرة على الأبناء.
وقال إن هناك ضغوطاً على الأطفال في المدرسة وخاصة عند رؤية زملائهم الذين يرفلون بالرفاهية والنعمة، لكن عند وجود الثقافة المادية تتجه أولويات الطفل إلى أشياء ذات قيمة وفعل ولا تؤثر عليه هذه الضغوط، وعندما يشعر بنقص سرعان ما يختفي، أما في حال عدم وجود هذه الثقافة يصبح الطفل عدوانياً، ويكره أبويه، ويتمرد عليهما، ويصبح التعامل معه سلبياً.
وأضاف أن الفقر والغنى موجودان من قديم الأزل لكن الفقير كان يعيش بمعزل عن الغني ولا يرى كيف يعيش، أما الآن فهو يختلط معهم ويستطيع رؤية طبيعة العيش الذي يتمتعون به، وهذا يؤثر أكثر لأنه يرى شيئاً لا يستطيع الحصول عليه.
وأضاف أن عدم توفير المادة يوجد بيئة تساعد على الانحراف، فبالتأكيد سينحرف الأطفال ويلجأون للسرقة، والمخدرات، والجريمة، والقتل.
وقال الدكتور حسين إن الضيق المادي يسبب أمراضاً نفسية للأهل منها الاكتئاب، والقلق، والتوتر، وعدم التواصل العاطفي بين الزوجين وربما الطلاق. أما الأطفال فيغلب عليهم الحسد، والغيرة، والتمرد على العائلة.
سمانا النصيرات
