يعد الفصام من الأمراض النفسية التي قد تدمر حياة ومستقبل من يصاب به وهذا المرض الذي وجد منذ سنين طويلة كثرت حوله النظريات والدراسات الطبية التي كانت لسنين قليلة مضت مجرد نظريات ولكن من الصعب تطبيقها، ولعل أعراض المرض الظاهرة تدفع المقربين من المريض للشك بأنه قد مسه الجنون أو أن روحا شريرة سكنته والقليل منهم من يفكر بعقلانية ويبحث عن علاج له عند ذوي الشأن.
خبايا وتفاصيل هذا المرض التقت (الصحة أولا) د. محفوظ الجومرد اختصاصي الأمراض النفسية في مجمع سماء الطبي في دبي والذي حدثنا عن مرض الفصام قائلا:
يعتبر الفصام مرضاً يخل بالتوازن الطبيعي للدماغ،ويعيق قدرة الشخص على التفكير السليم والعمل المنتج .و الفصام مرض عقلي خطير يضعف صحة المريض النفسية والعقلية، فإذا ترك من دون علاج ستقل بشكل جوهري جودة الحياة والتعامل معها بالنسبة له،ويمكن تقسيم مرض الفصام لأعراض موجبة وسالبة.
فالأعراض الموجبة هي صفات موجودة في مرضى الفصام ولا تحدث للأشخاص الآخرين، ويجدر الذكر هنا أن مرض الفصام هو تحول نوعي في الشعور والأحاسيس والعواطف والتصرفات لدى الإنسان الطبيعي،فهو ليس كالأمراض النفسية أو العصبية مثل الكآبة والوسواس القهري، فهذه التغيرات كمية في أحاسيس وتصرفات الإنسان.
أما الفصام فتغيراته نوعية ولا توجد في شخص آخر.ومن الأعراض الإيجابية له الاختلافات في الاستقبالات الحسية والتي تسبب هلوسة وسماع أصوات ومشاهدة أشياء غير موجودة أو إدراك أمور هي في الحقيقة ليست موجودة. هذا من ناحية الهلوسات والتي كثيرا ما تكون سمعية.
أما الضوئية فهي نادرة جدا، والأشياء الأخرى تأتي في تفكير الإنسان ومعتقداته، فهناك ضلالات عند الشخص أي معتقدات خاطئة يؤمن بأشياء لا يؤمن بها الإنسان الطبيعي، وذلك تبعا للخلفية الثقافية والبيئية للشخص.
ومن هذه الضلالات يحس المريض بأن أفكاره تذاع للناس الآخرين ويحسون بها، أو أن أفكار الناس الآخرين تؤثر به أو أن أفكاره لها أصداء تنعكس على الجدران وترتد إليه،وهذه الحالة تسبب له معتقدات خاطئة بأن الآخرين قادرون على قراءة أفكاره وهم قادرون على التأثير به بأشياء معينة وقد تكون هذه الأشياء عبارة عن رسائل خارقة تأتيه من إله يكلمه ويوجهه ويحثه على عمل شيء .
وقد يعتقد أنه ممكن أن يكون نبياً ويكلفه الرب أو شخص قوي بعمل أشياء، الآخرون غير قادرين على عملها،وتكون غير منطقية ولا معروفة في المجتمع.
ومن الأعراض الإيجابية الأخرى هناك العدوانية وذلك لأن شخصا في مثل حالته سيعارضه الناس ويخبرونه إن ما يقوله غير ممكن وخارج عن المألوف وهو بدوره يقوم بردة فعل تجاه الآخرين ويدافع عن نفسه ويتمسك بمعتقداته بشكل قوي وراسخ لا يمكن التراجع عنها، بينما الذهانات الأخرى غير الفصامية ممكن أن يتراجع عنها عن طريق الحوار.
فإذا تراجع عنها فهو غير فصامي الأعراض، وربما يكون ذلك ناتجا عن اضطرابات نفسية وعصبية وذلك لأن قسما من الأصوات التي يسمعها تحوي كلمات بذيئة تستمر ليلا ونهارا، مما يدفعه للتهيج، وقد يخرج المريض عن طوره ويمزق ملابسه ويتصرف تصرفات غريبة.
ومن سلوكيات مريض الفصام أنه يأخذ أوضاعا حركية غريبة بالأيدي والرأس وإيماءات غريبة،ونتيجة هذه الحركات يمكن أن يكتشفه الآخرون بأنه غير طبيعي مما يدفعهم لأخذه للطبيب النفسي.
وهناك سلوكيات أخرى إيجابية تصيب عواطف مريض الفصام حيث يكون المريض غير متكافئ بعواطفه مع الوضعية الاجتماعية التي يحياها. فمثلا يكون في موقف محزن فإذا به يضحك والعكس،وهذا يسمى بعدم تكافؤ الحالة العاطفية والوضعية الاجتماعية.
أما الأعراض السلبية الموجودة في مرضى الفصام وهي غير موجودة في الأصحاء فهي تغير ملامح الوجه أي يكون وجهه غير معبر. فعندما يتحدث الإنسان بطريقة هادئة لطيفة تصاحبها عادة ابتسامة خفيفة.
أما الشخص المصاب بالفصام فلا تصاحبه تعابير دالة على حالته النفسية وهذا يسمى (عمى العواطف)، والشيء الآخر هو تسطح العواطف أي عندما ينفعل مع شيء ما لا ينفعل بالدرجة الكافية فلو تعرض لموقف مضحك فإن انفعاله لا يكون كالأشخاص الطبيعيين بالنسبة للضحك.
ونظرا لهذه الحالات والحالات الأخرى يدخل مريض الفصام مرحلة الانسحاب العاطفي والاجتماعي فينعزل عن عائلته أولا والمجتمع ثانيا .
ولا يرغب بالاختلاط مع الآخرين ويتقوقع على نفسه وهذه تعتبر علامات سلبية،والعلامات السلبية علاجها عادة أصعب من الإيجابية فهي تحدث في مراحل متقدمة من المرض.
الأسباب
وعن أسبابه قال د. الجومرد: إن الآليات التي تؤدي إلى الإصابة بالفصام هي آليات مركبة ونتيجة عوامل عديدة ليست مفهومة تماما، وليس هناك حولها حقائق ثابتة ولكن مجرد نظريات ودليل على صحة هذه النظريات استخدامنا لبعض الأدوية الحديثة خلال السنوات العشر الماضية.
وبعض أعراض الفصام قد تحدث بسبب اختلال توازن المواد الكيميائية في المخ، والمواد المستخدمة في علاج الفصام تؤثر على وظائف المخ وتهدف إلى تغيير توازن المواد الكيميائية، حيث أن مرضى الفصام يعانون من زيادة في توصيل هذه المواد الكيميائية للمستقبلات في المخ مما يؤدي إلى زيادة في التحفيز.
الأعمار المعرضة للمرض
وحول الأعمار الأكثر عرضة للإصابة بالفصام قال د.الجومرد: إن الفصام يصيب الإناث والذكور بالتساوي وعادة يظهر في الإناث بعد الذكور، ففي الذكور يظهر بفترات المراهقة وبداية العشرينات،أما الإناث فيظهر بنهاية المراهقة وفي العشرينات من العمر،وبشكل عام جميع الأعمار معرضة للإصابة به حتى الأطفال.
ومن الممكن أن يظهر في السبعينات من العمر و1%من البشر يصاب بشكل مؤكد بالفصام بوقت معين من حياته، وللعمر تأثير كبير في العلاج، فالعمر مهم لتقدير مستقبل المريض، فكلما كان المريض مصابا بالفصام بعمر متأخر كانت نتائج العلاج أفضل.
وذلك لأن عوامل الشخصية تتكون بعد سن العشرين أي بعد المراهقة لذلك فإن من يصاب بعد العشرين نخبر عائلته أن نتيجة علاجه ستكون جيدة،أما إذا كان المصاب صغيرا بالسن أي مراهقا فما دون، فستكون نتيجة علاجه غير جيدة وصعبة، وذلك لأن المرض يضرب الشخصية فإذا كانت الشخصية متكاملة وتم العلاج بسرعة تبقى هيكلية الشخصية ثابتة ولا تتغير.
مورثات الفصام
وبخصوص مورثات الفصام قال د.الجومرد: الفصام متعدد المورثات، فكثير من الكروموسومات هي حاملة للمرض وكل إنسان حامل لمثل هذا المرض ويسمى حمل وراثي للفصام ولكن بدرجة قليلة بحيث تحتاج لضغوطات كثيرة محيطية حياتية حتى تدفعه إلى الظهور.
ولكن من يعاني من الفصام بالوراثة يكون الموروث يشكل 80% فأي ضغط نفسي بسيط يؤدي لظهور المرض عليه وقسم آخر يظهر عليهم الفصام من دون أي ضغوطات حيث يكون الحمل الوراثي للمرض عالياً جدا .
الأسرة والمريض وعن الأسرة ودورها الفعال في إصابة المريض بالفصام قال د. الجومرد: إن علاج الفصام ليس دوائيا، فقط فهنالك العلاج الاجتماعي والعلاج النفسي.
والأسرة مهمة جدا في تكوين الفصام وخاصة الأم ويليها أهمية الأب،فالعائلة التي تضم مصابا بالفصام نستطيع تشخيصها دون رؤية المريض فبمجرد كلام الطبيب النفسي مع العائلة نحدد ما إذا كان فيها حالة فصام أم لا، وذلك لأن العلاقات منذ الطفولة بين الابن والوالدين أو أحدهما علاقات حساسة .
وقد يحدث بها اختلافات خصوصا عند الأم المهتمة بشكل زائد بالطفل حتى بعد نضوجه وبلوغه، وتتدخل بكل كبيرة وصغيرة في حياته، وهذه تسمى بالأم الفصامية، فالعائلة قد تورث الفصام بكثير من الحالات للأبناء.
المريض والزواج
وحول زواج المصاب بالفصام وإمكانيته قال د.الجومرد: إن مريض الفصام عادة سواء كان ذكراً أو أنثى لا يميل للزواج وذلك لأنهم أصلا انعزاليون، فنسبة الزواج عندهم قليلة جدا،حتى الفصام البسيط والسهل أفراده لا يميلون للزواج بطبيعتهم، ولكن لو تزوجوا ينجبون أطفالا اعتياديين ولكن حالتهم النفسية عموما لا تؤهلهم للزواج.
نصائح وإرشادات
وللوقاية من الإصابة بالفصام قدم د.الجومرد بعض النصائح قائلا: هذه نصائح للأهل للحؤول دون وصول الأبناء لمرحلة الإصابة بالفصام فعليهم أولا ألا يتدخلوا في أعمال الأطفال بصورة أكثر من اللازم وخاصة الأم يجب أن تعطيه حرية قدر الإمكان،وفي مرحلة المراهقة .
وهي مهمة جدا وذلك لأن أكثر المرضى يصابون خلالها بالفصام خاصة الذكور، فبهذه الفترة يجب الحرص على عدم التدخل في خصوصيات المراهق واتباع المراقبة من بعيد بحيث لا يشعر ولا يتأثر بذلك، مع إعطائه الحرية ومراقبته. ففترة المراهقة صعبة جدا بكل تفاصيلها وأقل ضغط زائد قد تدفع المراهق للانهيار والانحراف.
وفي حال ظهور أي أعراض غير اعتيادية خارجة عن المألوف في طور المراهقة يجب الانتباه لها ومراجعة الطبيب فوراً لأخذ رأيه ومعرفة كيفية التصرف مع المريض.
كرم أحمد
