نجحت عملية جراحية فريدة من نوعها تكاد تكون الثانية في الدولة تم فيها استئصال ورم سرطاني خبيث في الفص الأمامي الأيمن من الدماغ، أجرى العملية الدكتور الجراح عبد الكريم المسدي رئيس قسم جراحة الأعصاب والعمود الفقري والمدير الطبي في مستشفى الجراحة العصبية والعمود الفقري في دبي وانتهت العملية من دون حدوث أية مضاعفات للمريضة حيث كانت تتحدث وتعي ما تقول بدقة.

تم التحكم بالزوائد السرطانية والسيطرة عليها عن طريق زرع أنابيب تصل بدقة كبيرة إلى مواقع الإصابة حيث تمكن الطبيب المتخصص من التعامل معها داخليا عن طريق توجيه جرعات شعاعية بقياسات دقيقة جدا حتى لا يتم إتلاف أجزاء بالغة الأهمية بالنسبة للمريضة.

قام بالعلاج الدكتور فلاح الخطيب استشاري ورئيس قسم العلاج بالأشعة العميقة في مستشفى توام بالعين. وكانت المريضة خضعت لعمليات عدة بعد أن كشف فحص في المستشفى الإيراني في العام 2004 إصابتها بورم سرطاني في الفص الأمامي الأيمن من دماغها وطلب الطبيب من زوجها استئصال الورم فورا قبل أن يمتد وينتشر.

وفي تسلسل للأحداث غادرت المريضة إلى القاهرة وأجرى لها الدكتور الجراح عمرو منسي في مستشفى دار الفؤاد العملية الأولى التي جرى خلالها استئصال جزء كبير من الورم ونصح الطبيب الزوج باصطحاب زوجته إلى باريس لاستكمال العلاج بالأشعة.

وإزالة بقايا خلايا سرطانية على يد الاستشاري الفرنسي كلود ميلان في مستشفى سان لوي وحث الدكتور ميلان الزوج بأن يستمر في العلاج على يد الدكتور فلاح الخطيب في مستشفى توام في العين عند عودته إلى الإمارات، وأشاد الدكتور ميلان ببراعته وتفوقه على الكثير من الأطباء المتخصصين في علاج الحالات السرطانية على المستوى العالمي.

«الصحة أولا» حاورت الدكتور فلاح الخطيب حول تفاصيل العملية الدقيقة التي قام بها للقضاء على الخلايا السرطانية المتبقية من عملية الاستئصال بالأشعة:

* ما هي الأسباب التي تؤدي إلى الإصابة بالسرطان وما أنواعه وعلاقة الإصابة بالعامل الوراثي؟

ـ يمكن للسرطان أن يصيب أي جهاز في الجسم، وغالبا ما يظهر في الأعمار المتقدمة وهناك بعض الأنواع التي تصيب الأطفال، وأعتقد أن بعض أنواع السرطان في الوقت الراهن لها صلة بالعامل الوراثي ولكن لا ندري مدى تأثير هذا العامل في التسبب في انتشار الأمراض السرطانية.

أعتقد أنه بعد مرور عشر سنوات وتطور عملية اكتشاف المزيد من الجينات المسببة للسرطان أن نتعرف على أي إصابة سرطانية تمهيدا لمكافحتها. وتجدر الإشارة إلى أن عدد الجينات السرطانية التي تم اكتشافها حتى الآن بلغت 20 ألف جينة. إلا أن المستقبل سيحمل دون شك لنا المزيد من الاكتشافات الجينية التي لها صلة بأمراض السرطان.

بالنسبة لوضع المريضة التي أصيبت بالورم ذي الصلة بالإدراك وبالمقارنة بأنواع السرطان الأخرى فإن سرطان المخ يحتل نسبة ضئيلة بالنسبة لعموم الإصابات السرطانية الأخرى لا تتجاوز الخمسة في المئة مقارنة بالإصابات الأخرى.

وخلال رحلة علاجها عانت منى من ورم سرطاني خبيث من النوع الشرس جدا في المخ. وبالمقارنة مع توفر العلاجات العصرية لمثل هذا المرض فإن الإصابة في الماضي كانت قاتلة بنسبة عالية حيث لم يكن يتوفر لها العلاج الناجع. لكن مع تطور التقنية والعلم وتطور الأجهزة الطبية أصبحت أمكانية العلاج والشفاء عالية جدا.

من الأمراض السرطانية ما هو خبيث جدا لدرجة الشراسة في حين أن سرطانات أخرى خبيثة يمكن علاجها وشفاؤها.ولكن بعض أنواع السرطان تعود ولكنها في هذه المرة تعود بكل قوة وشراسة وفعالية أكبر من السابق.

ولكن يمكن أيضا علاجها بسبب تطور التقنيات والعقاقير الطبية. والسيدة منى كانت تعاني ورما سرطانيا خبيثا وكان محصورا في الفص الأمامي الأيمن وتم استئصال غالبيته.

ولم يكن بالإمكان الاستئصال كاملا لوجود بقية الورم قرب أمكنة حساسة في المخ ونعلم أن مناطق المخ تتصل بكل فعاليات الجسم مثل الإدراك والذاكرة والحركة والإحساس وتنظيم فعاليات الجسم المختلفة. وتم بعد ذلك علاجها بالأشعة مع دواء كيماوي جديد تم اكتشافه في السنوات الأخيرة وبدأت تظهر نجاعة العلاج في حالات مماثلة مثل حالة منى.

ولكن مع الأسف لم يكلل استخدامه بالنجاح في حالة منى حيث بدأ الورم يتفاقم مرة ثانية ولذلك استبدلنا العلاج بنوع ثان مختلف، وأيضا وبعد فترة وجيزة بدأ المرض يتفاقم وكان الحل الوحيد هو استئصال أكبر ما يمكن استئصاله من الورم الذي عاد من جديد.

ولكننا كنا نعلم منذ البداية أنه من الصعب القيام باستئصال الورم كاملا، ولذلك لجأنا بعدها إلى إعطاء الأشعة من الداخل، وكانت منى قبل ثمانية أشهر تلقت علاجا بالأشعة في فرنسا.

ولكن العلاج بالأشعة خطير أيضا وبالغ الدقة حيث لا يمكن ارتكاب أي خطأ ولو بسيط في تحديد جرعات العلاج. ولإيصال جرعات الأشعة إلى أماكن النمو كان لا بد من زرع أنابيب وبعد ذلك وضع المواد المشعة في أماكن الورم من الداخل. وهذا ما قمنا به فعلا.

وكانت منى قبل عشرين يوما خضعت لعملية جراحية تم خلالها استئصال ما بين 80 - 58 في المئة من الورم للمرة الثانية،ولم يكن بإمكاننا استئصال مساحة أكبر لأننا لو استأصلنا نسبة أكبر من الورم فإن تبعات ذلك ستكون خطيرة على المريضة حيث من الممكن أن تفقد قدرتها على النطق وحتى التأثير على مراكز الحركة.

ولكن حتى لا تنمو الخلايا السرطانية من جديد قمنا بوضع الأنابيب في مكان نعتقد أن فيه بقايا من الورم وبعد أن استعادت وعيها تم نقلها إلى مستشفى توام بعد أن زرعت الأنابيب الخاصة بتمرير المواد المشعة، .

وهي عبارة عن سلك يحتوي في نهايته على مادة مشعة ونقوم بتحريكه عن بعد، وتم إعطاؤها تلك الجرعات في المخ. وكنا أجرينا حسابات دقيقة للجرعات عن طريق الكمبيوتر وحددنا كمية الجرعة التي يمكن أن تأخذها.

وفي مثل هذه الحالات نقوم بتقدير الجرعات في ضوء درجة احتمال أنسجة المخ للأشعة التي إن تم تجاوزها يمكن أن تصاب المريضة بالشلل الشديد ولكننا لو أعطيناها أيضا جرعة قليلة فإن الورم لن يتأثر، وعلى ذلك فإنه من الضروري أن تتوفر دقة كبيرة في حساب الجرعات.

وفي هذه الحالة نستعين بالكمبيوتر لمساعدتنا على تقدير الكميات الدقيقة إضافة إلى ما نعرفه من دراسات علمية ودراسات بحثية متوفرة تمنحنا فكرة واضحة عن كل نسيج وجهاز في الجسم ودرجة تحمله للأشعة ولدينا حول كل ذلك دراسات عالمية ودراسات طويلة منذ أيام إلقاء قنابل ذرية على هيروشيما وناغازاكي.

كما لدينا دراسات خاصة بالإصابات السرطانية على مدى العقود الماضية. وقررنا أن الجرعات التي تستطيع احتمالها هي ما بين 6-5 جرعات وهو ما فعلناه وكانت مدة العلاج لا تستغرق أكثر من دقيقتين.

وكانت كمية الأشعة عالية ومحصورة في مكان محدد. وتم العلاج بصورة سهلة جدا ولم تكن هناك أية مضاعفات جانبية من قبل المريضة، وكما ترى أن حالة المريضة مستقرة وممتازة وتتحدث كلاما منطقيا ولا يوجد لديها أي خلل. وأرجوا الله أن نتمكن من السيطرة على الورم بطريقة جيدة.

ولكن لا يمكننا في هذه المرحلة التأكد من أننا قضينا على الورم بصورة نهائية أو ما إذا كنا قادرين على إبطاء نموه ريثما تتوفر لدينا أنواع جديدة ومبتكرة من الأدوية تساعدنا في القضاء عليه قضاء مبرما أو حتى السيطرة عليه ومنعه من الانتشار والنمو.. وهناك احتمال إذا عاد الورم وظهر من جديد أن نقوم بإعطائها مادة كيماوية أيضا للمرة الثانية وسنرى ما إذا كان ذلك سيفيد.

وأقول هنا أن المادة الكيماوية عبارة عن أدوية، أما الأشعة فهي مثل أشعة الشمس أو الأشعة السينية التي نستخدمها في التصوير وهي عبارة عن موجات كهرومغناطيسية تتراوح ما بين الطيف الشمسي والإشعاعات التي تحتوي على مستويات مشعة مختلفة.

وأريد التأكيد هنا أن حالة السيدة منى هي الثانية من نوعها التي نقوم بها في الدولة والأولى من نوعها في الشرق الأوسط.

* هل يسبب السرطان فيروس خاص؟

ـ نعتقد أن قسما من الأمراض السرطانية سببها فيروسي مثل الفيروس الذي يتسبب في سرطان عنق الرحم ومثل مرض هودجنز . وفي تلك الحالات نحاول معرفة الفيروس المسبب حتى نتمكن من إصلاح الخلل الذي يقوم به الفيروس، عندها نكون قد قضينا على الحالة المرضية، وكنا قمنا بعلاج حالات من هذا النوع حققت نتائج جيدة ولكن هذا لا يزال في مرحلة البداية.

ونتوقع خلال السنوات المقبلة أن يتطور العلاج إما عن طريق تعديل الجينات المختلفة في داخل الجسم، وهي السبب الرئيسي للسرطان، أو إصلاح الخلل الذي يصيب الكروموزومات والجينات التي تسبب السرطان.

إن المشكلة الحقيقية وراء السرطان هي أنه خلايا طبيعية مثل الخلايا الأخرى، والمشكلة الوحيدة هي أن الخلايا السرطانية تتكاثر من دون توقف حتى وإن طلب منها لأنها لا تتسلم الإشارات أو لأنها تعجز عن التعرف على الشيفرة الخاصة بها لأنها تغيرت بحيث أن التنبيه حول التكاثر أو التوقف تعطل.

وينطبق ذلك على الجلد فعندما يصاب الجلد بالسرطان تنمو الخلايا دون توقف. ففي الوضع الطبيعي، عندما يصاب جزء من ا لجلد بجرح تنمو الخلايا لكي يلتئم ويندمل. لكن في حال وجود خلايا سرطانية في الجلد فإن الخلايا لا تتوقف عن النمو وعند حد معين.

محمد نبيل سبرطلي