تبين الإحصاءات أن التدخين يقتل ما يزيد على المليون شخص كل سنة من خلال ما يسببه من أمراض مختلفة وخطيرة.

تجربة التدخين في سن مبكرة، عادة بين العاشرة والثامنة عشرة، بدوافع نفسية بحتة تواكب مرحلة اجتياز سن المراهقة. أهم هذه الدوافع:

* التمثل بالبالغين في المحيط الاجتماعي والعائلي.

* إعطاء هؤلاء صورة يعتقد اليافع البريء أن من خلالها سوف يزيد اعتبارهم لشخصيته.

* ثورة صامتة على واجب الطاعة والإذعان الذي يفرضها احترام من هم أكبر سنا.

تنمو التجربة وتصبح عادة مسلية ومحطة يترقبها المدخن خلال يومه لما تجلب له من شعور بالراحة والغبطة ولما تضخ فيه من نشاط متجدد، غافرا بتسامح ومحبة بعض التأثيرات السلبية التي يخلفها هذا الاستهلاك خصوصا في بداياته. وتتأصل العادة وتتحول إدمانا وتفلت من نطاق التحكم إذ إنها باتت حاجة جسدية ونفسية ملحة على حد سواء، في ازدياد مطرد.

سر هذه الحاجة يكمن في مادة النيكوتين التي تنفرد نبتة التبغ بحيازتها. وهي مادة سلطوية التأثير على المزاج تدخل في الدورة الدموية بعد كل رشفة تدخين بسرعة فائقة وكمية مكثفة وتضرب الدماغ خلال سبع ثوان فيكون لها تأثيرها المنتظر وتدفع بالمدخن إلى الاستمرار ولو أنه على يقين من أن فعلته هذه تعرض صحته كل مرة إلى مزيد من الأخطار المحتملة.

يجدر بنا التذكير بأن السجائر تشكل السلعة التجارية ربما الوحيدة التي تتسبب بمهالك صحية جسيمة ومعروفة، ولا يزال القانون يسمح بالترويج لها وتداولها مهما بلغت حدة التشهير بمضارها والحد الشكلي من حرية مستهلكيها.

وهي ليست الطريقة الوحيدة المستعملة للتدخين، لكنها تبقى الأكثر شيوعا والأغنى تنوعاً من ناحية التقنيات المتوفرة لتصنيعها حرصاً من المستثمرين على ديمومة تصريفها وبيعها وتجاوز حملات الاتهام ضدها، وابتكار أساليب متجددة في صياغتها لذرها كحجج ذات طابع علمي في وجه التشكيك ببراءتها الصحية. نذكر في هذا السياق:

* السجائر العشبية: إنها خالية من النيكوتين لكنها تحتوي على مواد كيميائية وقطرانية مضرة.

* السجائر المجهزة بالفلتر: يساعد الفلتر على تخفيض ضئيل في نسبة حدوث سرطان الرئة لكنه لا يؤثر في نسبة حدوث أمراض القلب والتنفس.

* السجائر المسماة خفيفة أو سلسة: تشكل هذه السجائر نسبة %59 من سوق الاستهلاك. يعتقد مدخنوها أنهم يتنشقون نيكوتين أقل وقطران أقل بيد أن اجتماعاً علمياً عقد في كندا في سنة 2001 ضم نخبة من الأخصائيين، خلص إلى التأكيد على أن هذا النوع من التدخين لم يوصل بعد إلى استخلاص براهين مقنعة تدعم إمكانية مساهمته في توفير شروط صحية مميزة.

كما انه تبين أن بعض هؤلاء المدخنين ينتهي بهم الأمر إلى زيادة في عدد السجائر المستهلكة وإلى رشف هذه السجائر أثناء عملية التدخين بطريقة أطول وأعمق. إنها بدعة كاذبة ومضللة من شأنها زيادة موجة وباء التدخين سوءا والتسهيل عند البعض في تأجيل قرار الامتناع عن ممارسة هذه العادة.

* السجائر ذات نكهة المنتول (كحول النعناع): تشكل %4 من نسبة الاستهلاك وقد أظهرت الاختبارات أن مادة المنتول لا تؤثر لا سلبا ولا إيجابا على درجة الضرر المعروفة والناتجة عن التدخين.

سأحرقك

يصعب تصور ما يمكن أن يصدر عن سيجارة تحترق. ما يرى هو دخان يتصاعد وما لا يرى هو آلاف السموم تنبعث وتتبعثر وتنتشر محمولة بواسطة حبيبات يتحكم حجمها بنمط سلوكها في البيئة، فأما أن تبقى عالقة في الهواء إلى ما لا نهاية إذا كانت صغيرة، أو تحط رحالها على الجدران والسقوف وفوق الأرضيات إذا كانت اكبر.

وتبقى في حالة تأهب دائم لكي تنطلق في الهواء من جديد في أي ظرف يناسبها اقتناصه. أما المدخن ومحيطه فلا حول ولا...، الأول أرضى زيف عبوديته غير عالم بما فعل والثاني مكره هو لا بطل.

فالمحيط في هذه الحالة يشارك بالتدخين قسرياً إما بسبب المساكنة أو بسبب التلاقي الظرفي مع مدخن حقيقي لا يعي سوء فعله تجاه نفسه وتجاه الآخرين. والتدخين القسري حقيقة واقعة أظهرت الدراسات تسببها الأكيد بحدوث عدد من الأمراض أهمها سرطان الرئة، بشهادة القائم بأعمال رئاسة مكتب أبحاث التبغ / وحدة الصحة في المنظمة العالمية للصحة في جنيف « نيل كوليشاو ».

مخاطر عديدة

تدخين فعلي و/أو تدخين قسري، تعددت الأسباب والخطر واحد واضح المعالم إحصائياً ونوعياً تجمع حوله آراء العارفين وتستفيض توصيفا لخصائصه ومكوناته وتظهيرا للأشكال المختلفة التي يطل علينا من خلالها وهي آفات صحية متنوعة، نعرض أهمها:

أولا - الأمراض السرطانية: سرطان الرئة، موضوع بحث مسهب قدمناه في العدد 6 - 5 - 2006 من مجلة الصحة أولاً، ندعوكم إلى مراجعة مضمونه والتمعن بمعطياته. سرطان البلعوم، الفم، الحنجرة، المريء، المعدة، المثانة، الكلية، عنق الرحم، والبنكرياس إذ يشكل التدخين عنصرا مساعدا في نشأتها هي أيضاً.

فضلا عن ذلك فإن دراسات حديثة أظهرت أن المواد الكيميائية الموجودة في التبغ والمعروفة بمسؤوليتها عن التحولات الخبيثة المذكورة آنفا، هي نفسها متهمة الآن بإحداث أورام في القولون والمستقيم.

والدراسات هذه تبرز أيضاً علاقة ما، بين خطر نشوء سرطان الثدي والتدخين بشكليه الفعلي والقدري لا سيما في مرحلة ما قبل اليأس وتجري مراجعة علمية لظاهرة العلاقة هذه من قبل الجمعية الأميركية للجراحين العامين، ينتظر أن تصدر تقريرا بهذا المعنى خلال هذا العام 2006.

ثانيا - أمراض من نوع آخر:

أ - في الرئة، النفاخ الحويصلي (أمفزيما)، مرض مزمن يتلف تدريجيا جدران الحويصلات الحاوية للهواء فتتحول إلى أكياس كبيرة الحجم قليلة العدد فتتقلص معها المساحة الداخلية للرئة وبالتالي القدرة على التنفس الطبيعي فيتعثر وتنخفض فعاليته حتى تصل مع الوقت وتفاقم الوضع إلى مستويات شبه خانقة. نعم، التدخين يشكل السبب الرئيسي لهذا المرض.

ب - القلب، يرفع التدخين حظوظ حصول وفاة ناتجة عن داء القلب الإكليلي بنسبة تقارب %70 علماً بأنه يشكل سببا مهما في عملية حدوث هذا المرض عند الذكور والإناث، على وجه الخصوص في الشريحة منهم التي لم تتعد الخامسة والستين من العمر إذ تقدر مشاركته هنا بنسبة %42.

ت - أخطار إضافية، كإمكانية تداخل وتضارب في التأثيرات الإيجابية المطلوبة من خلال استعمال أدوية معينة في حالات صحية معينة فيبدل التدخين مفعولها أو يبدده. باستطاعة التدخين أيضاً أن يؤثر على دقة نتائج بعض الفحوصات التشخيصية فيقلل من قيمتها التعبيرية ويفقدها مصداقيتها كوسيلة صالحة للاستعمال من قبل الطبيب المعالج.

ثالثا - التدخين وأمور صحية عند النساء:

أ - الحبة الواقية من الحمل، من المعروف أن استعمال هذه الحبة يضاعف خطر حدوث نوبة قلبية عند هؤلاء. أما إذا كن من المدخنات أيضا وسنهن يفوق الرابعة والثلاثين، فالخطر حتما أكبر.

ب - التدخين عند المرشحات للأمومة، يشجع التدخين على عرقلة وتأخير الإخصاب وعندما ينجح الحمل تكون الأنثى أكثر قابلية للتعرض إلى مشكلات صحية متنوعة. أما الولادة فتشهد أيضا تأثيرات معوقة وعملية الوضع يمكن أن تكون أصعب.

ت - التدخين بعد الإنجاب وخلال الإرضاع، يظن أن بنية الوليد معرضة للهشاشة ولأن تكون أرضاً خصبة لنشوء الأمراض.

ماذا بعد ؟ الواقع أصبح الآن بين أيديكم والقرار ملك لكم، ولقد أعذر من أنذر.