تبدو الرؤيا العلمية على مفترق طرق بما يخص مفاعل الحقول الكهرومغناطيسية، بعض الباحثين مقتنعون بأن هذه الأخيرة، كالتدخين، تشكل مشكلة صحية حقيقية. أما البعض الآخر فمتفق على ان الربط بينهما وبين الخلل الصحي هو نتيجة بدعة إحصائية لامعنى لها.
د. عادل الحاج اختصاصي ورئيس قسم الأورام- مستشفى جبل علي الدولي الحقيقة :أن ما يلف بيئتنا المباشرة هي حقول ترددات الإرسال الصوتي أحد مكونات المروحة الكهرومغناطيسية الصادرة إما عن الطبيعة: الشمس أو عن تقنيات صنعها الإنسان نفسه ليستعملها في المنزل أو في مركز العمل: موجات البث بطريقة صناعية الترددات «اف إم»، الهاتف الجوال، البث التلفزيوني، أفران المايكروويف، الرادار، الربط بالأقمار الصناعية، خطوط التوتر العالي..
وهي ليست أشعة تستطيع قطع الأواصر التي تربط الوحدات الحيوية داخل الخلية، وبالتالي من ان تنتج اصطفافات متبدلة في حقل المورثات، بالمقابل فإنها قادرة على إحداث تأثيرات متنوعة على الأنظمة البيولوجية من خلال مفعولها الحراري، وكذلك من تداخلها في حالات معينة في عدد من التفاعلات الكيميائية في الأنسجة، فتعكر توازنات العناصر الملحية أو وجهة الشحنات الكهربائية، عبر الجدران القابلة للخلايا، لكن ما يثير الحيرة هو ان تداعيات التعرض للحقول الآنفة الذكر،
إما انها لم تثبت بعد من خلال دراسات علمية ومخبرية أو ان وطأتها على الصحة العامة والأعراض الناتجة عنها مازالت حقيقة يموهها الإرباك والعجز في الامكانيات الصحيحة المتاحة لاختبارات عملية ودقيقة. للتوضيح نسرد خلاصة دراسة تمت في جامعة الملك سعود بين سنة 2002 و 2003، وأجريت بمشاركة 734 متطوعاً من النساء والرجال، يستعملون الهاتف الجوال بطريقة مستديمة.
أظهرت هذه الدراسة صلة واضحة بين استعمال الجوال ومؤشرات سريرية معينة بنسب متفاوتة: صداع %21. 6، خلل في نظام النوم %4، توتر %3. 9، احساس بالتعب %3، دوار %4.
وقد أدت هذه النتائج الى الاقتناع بأن الهاتف الجوال يشكل عنصر خطر على الصحة خصوصاً عندما يستعمل بنمط مفرط.
دفعت هذه النقاشات المهتمين بهذا الموضوع الى الذهاب أبعد في البحث والتدقيق، فانصبوا على دراسة حيثيات وطأة التعرض الى الأشعة الكهرومغناطيسية وارتداداتها على نسبة حدوث مرض السرطان، ان الاختبارات التي نفذت على الحيوان لم تعط براهين مقنعة على امكانية التأثير على هذه النسبة،
كما ان المسح الاحصائي عند الإنسان لم يوفر من جهته معطيات كافية لتسهيل عملية تقييم موضوعي لهذا الخطر. على كل حال فحماسة المواجهة العلمية في هذا المجال كبيرة والآراء والأرقام كثيرة ومتناقضة وأسماء الاختصاصيين متضاربي الرؤى مميزة. والخلاصة هي ان حقيقة الصلة السببية بين أشعة ترددات الإرسال الصوتي ومرض السرطان تبدو ضعيفة لا بل هزيلة وهذا الأمر يشتمل على التقنيات المتداولة في البيئة التي نعيش فيها من بينها طبعاً الهاتف الجوال وأسلاك التوتر العالي.
فالتفسير الأول هو أن هذه الأشعة لا تملك الطاقة اللازمة لاختراق الأنسجة وجل ما يمكنها فعله بها إذا ما علا مستوى التعرض إليها هو زيادة حماوتها. أما التفسير الثاني فيمكن في كونها عاجزة بيولوجياً عن اقتحام نواة الخلية والعبث بالكروموسومات والمورثات وهيكليتها الحيوية وبالتالي عاجزة عن وضع الحجر الأساس في بنية التحول السرطاني بالمطلق.
هل معنى ذلك أننا مدعوون إلى طي صفحة التطرق إلى هذا الموضوع والتسليم بالمعطيات البريئة لوجوده من حولنا وبين أعينا الشاخصة وعلى أذاننا الصاغية وفوق رأسنا المذعن؟ كلا فاستمرار التمحيص ضرورة علمية ما دامت علامات الاستفهام تلوح في الأفق وفي الأذهان ويبقى مسؤولية إنسانية وبيئية ووقائية. أقول ذلك لأنني فوجئت أثناء صياغة هذه الصفحات بمعطى فيزيائي جديد بإمكانه أن يقلب المفاهيم رأساً على عقب ومعها كل المعطيات المطمئنة ولو بحذر، حتى الآن.
يطرح روبرت بول ملاحظات مهمة يرسم الباحثون من خلال دراسة استطلاعية شملت 232 مريضاً باللوكيميا تحت سن العاشرة يعيشون جميعهم بجوار أسلاك كهربائية للتوتر العالي، وبالمقابل مجموعة أخرى للمقارنة الإحصائية تتطابق مع الأولى من حيث السن والجنس والعرق. تم احتساب كمية التعرض للحقول الكهرومغناطيسية عند هؤلاء جميعاً كل بمفرده، حسب طرق متنوعة. فجاءت النتائج على الشكل التالي:
1- لم يلاحظ وجود أية علاقة بين حدوث إصابة باللوكيميا وعملية التعرض، عندما تم الحساب بطريقة القياس الآني.
2- نسبة العلاقة كانت ذات قيمة لا تذكر عندما تم الحساب على أساس القياس المتواصل على مدى 24 ساعة.
3- قيمة العلاقة موضوع الدرس كانت ذات مضمون إحصائي واضح لجهة تفاقم خطر حدوث لوكيميا عندما اعتمدت طريقة القياس بالسلك المشفر (wiere coding).
لم يستطع المعنيون بعد، تفسير كيفية ربط التمايزات التي ظهرت في قيمة العلاقة موضع الدرس، بأسلوب القياس المستعمل. فمن الممكن أن يكون القياس بواسطة المشفر أكثر دقة وحساسية مقارنة بالوسائل الأخرى. كما أنه من الممكن أيضاً أن تؤدي بعض أشكال التعرض للأشعة الكهرومغناطيسية إلى زيادة ظاهرة في خطر الإصابة باللوكيميا.
من الممكن أخيراً أن يكون باستطاعة السلك قياس عناصر محددة تلعب دوراً مؤثراً في هذه العملية وغير معروفة بعد، تغفلها الطرق الأخرى. إذن والحالة هذه أضحى من الضروري القيام بأبحاث معمقة لفك رموز هذا الاحتمال في حال صح الأخذ به.
حتى ذلك الحين، وحتى تسليط الضوء على جميع المكونات والخصائص الفيزيائية والسبل الصالحة والامنة للاستفادة من ترويض هذه الأشعة نهائياً لخدمة الإنسان دون الإحساس بالريب أو الخوف، يبقى الحذر والتنبه والعقلانية أسياد الموقف في تبني واستعمال هذه التقنيات الشائعة والتي أصبحت تشكل جزءا لا يتجزأ من حياتنا وعاداتنا اليومية

