تشير التقارير الصادرة عن منظمة الصحة العالمية إلى أن عدد الذين يعانون من اضطرابات نفسية أو عصبية أو سلوكية يزيد على 450 مليون شخص في مختلف أنحاء العالم.
ومثل هؤلاء الأشخاص هم، في العديد من البلدان، من الفئات الأسرع تأثراً والأقل حماية من الناحية القانونية بسبب افتقار ربع بلدان العالم تقريباً إلى تشريعات في مجال الصحة النفسية، في حين تمتلك بلدان كثيرة أخرى تشريعات لا تحمي حقوق ذوي الاضطرابات النفسية حق الحماية، أو لا تعكس الممارسات المقبولة حالياً في مجال الصحة النفسية.
ففي بعض المجتمعات، على سبيل المثال، يُزجّ ببعض المرضى في السجون دون أن توجه إليهم أي تهمة. كما يتم، في الكثير من مؤسسات ومستشفيات الطب النفسي، انتهاك حقوق المرضى بصورة جسيمة.
وبالإضافة إلى ذلك، يعاني ذوو الاضطرابات النفسية، في كثير من الأحيان، عزلة اجتماعية، رغم حاجتهم لمن يقدم لهم الدعم المعنوي قبل المادي.
والصحة النفسية بالتعريف تعني القدرة على تحقيق الأهداف والتغلب على المشكلات أو حلها بطريقة ايجابية وإيجاد البدائل، وحسن استغلال الطاقات والحصول على أفضل مردود مقابل الجهد المبذول، وتوظيف الطاقات بالشكل الأمثل، والاعتدال دون إفراط.
وامتلاك القدرة على تغيير ما يقبل التغيير، والذي ينبغي تغييره، وتقبل ما لا يجب تغييره، والتكيف مع ما لا يمكن تغييره، واختيار العلاقات الحسنة، والشعور بالاطمئنان والأمان والاستقرار في كل من البيت والعمل.
وحتى يتحقق التوازن النفسي المطلوب، تجنباً للإصابة بالاضطرابات النفسية البسيطة منها والخطيرة، ينبغي على كل واحد منا أن يعمل على امتلاك القدرة على تقبل ذاته والتوافق معها والتصالح مع الآخرين، والتكيف مع الضغوط، ومواجهة الأزمات وتحمل الإحباط الناجم عن صعوبات الحياة والعمل.
واستيعاب الانتكاسات، والتحرر من الشعور بالذنب، والبحث عن الحلول الايجابية أو حتى القريبة من الوسط التي تكسر الطوق، من أجل إدارة دفة الحياة نحو الضفة الأخرى من النهر، حيث تشرق الشمس من جديد.
لهذا لا بد من امتلاك المرونة التي تعد من مؤشرات الصحة النفسية وهي تكتسب أهمية كبرى، لكونها تخترق الحاجز وتساعد على الإبداع، وتفجر الطاقات الخلاقة، وتوفر الأساس للانفتاح الايجابي الفاعل على الحياة، وتساعد على التعايش مع الواقع ضمن ما هو ممكن ومتاح.
وإن لم يتحقق ذلك فان الشخص يصبح فريسة سهلة لأنياب الاضطرابات النفسية، ويعاني من انعدام القدرة على مجابهة الذات والتصالح مع النفس، ولهذا نراه يعيش في أوهام الماضي، أو أحلام المستقبل، من دون أن يستطيع النظر بجرأة أمام مرآة ذاته، فيصبح مقيدا بأفكاره وتصرفاته، غريبا عمن حوله، ولا يستطيع التوافق مع نفسه وتفهم من حوله.
إنها دعوة لاحترام حقوق المصابين بالاضطرابات النفسية بهدف تحسين حياتهم وعافيتهم، ولتحقيق الوفاق الداخلي الذي يعد ركيزة الصحة النفسية، والذي يوفر الأساس المتين للانفتاح الايجابي على الحياة ومواجهة الأزمات والإحساس بطعم السعادة رغم مرارة الموقف.