تحدّثنا في المرة الماضية عن مرض الملاريا وكيف أن مادة الكوينين المستخلصة من شجرة الكينا تساعد على الحماية منه. ومما لا شك فيه أن مرض الملاريا غيّر حياة الملايين من البشر إلى الأبد منذ نشأة الإنسان وبالأخص حين اعتمد على الزراعة كنمط للعيش ولتأمين غذاء مستدام طيلة أيام السنة. ولكن ما لا يدركه الكثيرون هو أن مرض الملاريا كان السبب الأبرز في توطن مرض وراثي خطير في العديد من أنحاء العالم وهو مرض الثلاسيميا. فما هو سرّ العلاقة إذن بين الملاريا والزراعة والثلاسيميا؟
منذ البدايات الأولى لتاريخ البشرية اعتمد الإنسان على الزراعة لتأمين ما يلزم من غذاء طيلة أيام السنة ليستعيض بذلك عن المصادر الطبيعية والتي تتغير وفرتها مع تغير ظروف المناخ. وتشير كتب الأديان إلى أن أول من امتهن الزراعة هو سيدنا آدم أبو البشر. ويعتقد العلماء أن الزراعة ساعدت البشر على التكاثر العددي والتوطن في مناطق من الأرض لم يكن العيش فيها ممكناً بالاعتماد على السيرورات الطبيعية المحدودة لتأمين غذاء وفير طيلة أيام السنة.
وهكذا اصبح معيار قوة الأمم في بدايات التاريخ البشري يقاس بمدى امتهان الشعوب لمهنة الزراعة. وارتبطت الزراعة أيضاً بازدهار القوة التجارية للعديد من المجتمعات البشرية الأولى وبالأخص في المنطقة الممتدة بين نهري النيل والفرات.
واعتمدت التطبيقات الزراعية حينها على طرق بدائية جداً تقوم على استغلال الفيضانات الطبيعية أو الموجّهة لطمر مساحات شاسعة من الأراضي كنوع من أنواع الري. وهكذا تشكّلت بؤر كبيرة على الأرض كانت المياه الراكدة تغطيها لفترات طويلة على مدار الأعوام. وشكّلت تلك البؤر البيئة المثالية لآفة الملاريا للانتقال إلى البشر عبر تكاثر البعوض الحامل لها
ومن ثم دخولها إلى مجرى الدم بلسعة من ذلك البعوض لتحملها كريات الدم الحمراء إلى مختلف أنحاء الجسم. ومنذ ذلك التاريخ وحتى منتصف القرن الماضي حصد داء الملاريا أرواح الملايين من البشر وأباد ممالك ومجتمعات بشرية كاملة في طريقه باستثناء حاملي صفة مرض الثلاسميا الوراثي.
الصفة الوراثية
بالعودة إلى المبادئ الأساسية لعلم الوراثة المرتبط بمرض الثلاسيميا، يصنّف الإنسان في إحدى ثلاث فئات:
الإنسان السليم تماماً لا يحمل أية مورثة للثلاسيميا.
مريض الثلاسيميا الذي يحمل نسختين معطوبتين من مورثة الغلوبين المسؤولة عن تكوين خضاب الدم أو الهيموغلوبين وهو المكوّن الأساسي لكريات الدم الحمراء.
حامل صفة الثلاسيميا هو إنسان سويّ لا تظهر عليه أي من علامات المرض ولكن في تكوينه الجيني توجد إلى جانب المورثة السليمة مورثة معطوبة قد ينقلها إلى أولاده في حالة زواجه من شريك حامل لصفة مرض الثلاسيميا أو مصاب به.
ومما أثار دهشة العلماء هو أن حاملي صفة الثلاسيميا تتكوّن لديهم مناعة طبيعية ضد آفة الملاريا. وحاول العديد من الباحثين تفسير هذه الظاهرة بطرق عدّة وواحدة من تلك التفسيرات ترتبط بمقدار ليونة كريات الدم الحمراء. ففي الإنسان السليم، تتمتع كريات الدم الحمراء بليونة فائقة تمنحها حرية الحركة في أي من مجاري الدم في الجسم بما فيها الأوعية الدموية الدقيقة التي تغذي الأطراف.
أمّا في حالة حامل صفة الثلاسيميا، تفقد كريات الدم الحمراء جزءاً من خاصية الليونة تلك فتتصلب وتعلق في الأوعية الدموية الدقيقة، وفي حال كان طفيلي الملاريا موجوداً بداخلها يعلق معها في الأوعية الدموية فيموت خنقاً بسبب نقص كمية الأكسجين في تلك المنطقة.
وهكذا فإنه في كلّ موسم يضرب فيه داء الملاريا مجتمعاً بشرياً، تقتل فيه الآلاف ويبقى مع أغلب الناجين أعداد كبيرة من حاملي صفة الثلاسيميا. ومع تكرار هذه العملية عبر التاريخ البشري يمكننا إذن تصوّر الأرقام الكبيرة لحاملي صفة المرض التي وصلت حتى يومنا هذا إلى 90-80 مليون شخص حسب إحصاءات منظمة الصحة العالمية منهم 15 -10
مليون حامل للصفة في العالم العربي. وفي دولة الإمارات العربية المتّحدة تقدّر الإحصاءات وجود ما لا يقل عن 400 الف حامل لمرض الثلاسيميا مقارنة مع مليون و200 الف حامل للمرض في لبنان، ذي الحجم السكاني المشابه لدولة الإمارات - أي ما يقارب 4 ملايين نسمة. ويعود ذلك الاختلاف إلى سببين رئيسيين أوّلهما انتشار عادة الزواج من الأقارب بنسبة %50 في دولة الإمارات بينما لا تتجاوز هذه النسبة في لبنان حدّ الـ .%
ثانياً، إن جغرافية لبنان، والتي تحتل المرتفعات الجبلية جزءاً كبيراً منه، تعيق نمو طفيلي الملاريا والذي يشتد بأسه في المناطق الساحلية الرطبة، بينما يتمركز معظم سكان دولة الإمارات على السواحل لارتباط تاريخهم بالبحر والزراعة مما ساعد على انتشار الملاريا ومن ثم حاملي صفة الثلاسيميا.
أنماط متعددة
وتجدر الإشارة هنا إلى أن مرض الثلاسيميا متعدد الأنماط والعوارض ،منها ما هو شديد التأثير ويتطلب تدخلاً طبياً مستمراً بينما هناك أنواع صامتة قد يعيش الإنسان معها دون أن يدرك أنه مصاب بها. ومع تطور الأبحاث الوراثية تم اكتشاف أكثر من 200 نوع من أنماط مرض الثلاسيميا. ولا تنتشر جميع تلك الأنماط في كلّ الشعوب بل تتميز بعض المناطق في العالم بوجود أنماط معينة، وفي مناطق أخرى نجد أنماطاً مختلفة.
ويصنف علماء وراثة الشعوب تلك الأنماط تبعاً لانتشارها الجغرافي. فهناك أنماط الثلاسيميا لشرق المتوسط، وأنماط خاصة بغرب المتوسط، وأخرى هندية، وما إلى ذلك. وفي الدول العربية تم رصد حوالي 60 نمطاً وراثياً من أنماط الثلاسيميا.
وعكفت شخصياً في خلال العقد الماضي على دراسة الأنماط المنتشرة في حوض البحر المتوسط وبالأخص منها النمط المعروف باسم 011-I-SVI والذي يحمله حوالي مليوني حامل لصفة الثلاسيميا في العالم العربي بالإضافة إلى عشرات الآلاف في جزيرة قبرص، وتركيا، واليونان، وبلغاريا، وألبانيا، وفي دول مجاورة أخرى.
وبدراسة المتغيرات الوراثية المرتبطة بنمط الثلاسيميا 011-I-SVI تمكنت من ترجيح نشأة أقدم نمط لمرض الثلاسيميا في شرق البحر المتوسط في مركز منطقة الأناضول في تركيا منذ حوالي 10 آلاف سنة. وترتبط تلك الفترة بانتشار الزراعة على نطاق واسع في منطقة الأناضول وبطرق متقدمة سبقت بها الشعوب الأوروبية التي كانت في تلك الفترة تلجأ إلى الجبال والكهوف للسكنى وتعتمد على امدادات الطبيعة للحصول على غذائها. وبسبب المدّ الطبيعي للبشر خارج منطقة الأناضول
وبالتحديد جنوباً باتجاه الساحل الشرقي للبحر المتوسط انتقل نمط الثلاسيميا IVS-I-011 إلى الفينيقيين الذين حملوه قبل 3 آلاف سنة إلى مسافات بعيدة جداً عبر أسفارهم البحرية والتي أنشأت مجتمعات بشرية عديدة في جزر البحر المتوسط وسواحل إفريقية الشمالية، وبالأخص في تونس حيث أنشأوا مملكة قرطاج. وعاد الأتراك ليعزّزوا نمط الثلاسيميا هذا في التاريخ الوسيط عبر ممالك عدّة كالسلاجقة والمماليك والعثمانيين والذين استوطنوا المناطق الساحلية الكثيفة السكان والمعتمدة اقتصادياً على الزراعة بمختلف أشكالها.
وكما هو متوقع تنحسر نسبة انتشار النمط الشرق متوسطي IVS-I-011 للثلاسيميا في دولة الإمارات العربية المتّحدة مفسحة المجال للنمط الهندي المعروف باسم 5-I-SVI ويحمله حوالي 200 الف شخص في الدولة. ويسهل على علماء الوراثة الربط بين أنماط الثلاسيميا المنتشرة في دولة الإمارات العربية المتّحدة وتاريخ شعبها.
فأغلب أنماط الثلاسيميا في دولة الإمارات يعود مصدرها إلى إيران والهند وإفريقيا والبحر المتوسط. وبالعودة إلى نمط الثلاسيميا 5-I-SVI، تشير الدراسات الوراثية إلى تواجده بكثرة في بلوشستان والمناطق المجاورة لجنوب إيران وأفغانستان وباكستان. ويتمركز هذا النمط في شبه الجزيرة العربية وبالأخص في دولة الإمارات وسلطنة عمان واللتين لعبتا دوراً مهماً في التاريخ كبوابة للتجارة بين شبه القارة الهندية ومنطقة الخليج العربي