حين ينتفي هذا النظام لسبب ما تعم الفوضى وتطلق الخلايا عنان توالدها فتنتج كتلة نسيجية تعرف بالورم. السرطان هو ورم خبيث هجومي السلوك وذو منحى استيطاني تتسلل خلاياه خارج المنشأ من خلال شرايين الدم واللمف وتنتقل لكي تستقر وتنمو في أماكن مختلفة من الجسم. هذه هي أيضاً خصائص سرطان الرئة حيث ينشأ في أكثريته الساحقة اثر تحول خبيث يصيب خلايا الغشاء الداخلي للقصبات الهوائية ويعمل من ثم على النمو والتوسع، والانتشار في مرحلة مبكرة جداً من مراحل سيرة حدوثه وتطوره.
يسبب سرطان الرئة النسبة الأكبر من الوفيات عند كلا الجنسين الرجال والنساء. وقد سجلت هذه النسبة ازدياداً مطرداً خلال العقود المنصرمة يتطابق مع ازدياد استهلاك التبغ في التدخين. انه السرطان الأكثر حدوثاً عند الرجل وخامس أكثر سرطان حدوثاً عند المرأة. عناصر متعددة تشجع انطلاقته، أهمها:
ـ التدخين: انه المتهم الأول كما هو معلوم اليوم خصوصاً السيجارة منه. وهو ينفرد بحصة تبلغ حد %90 من نسبة حدوث سرطان الرئة. ان القصة الكاملة لتلازم هذين المسارين سوف نعرضها لاحقاً في تحقيق خاص.
ـ التدخين القسري: هو تنشق الدخان الناتج عن تدخين الآخرين القابعين في أماكن العيش أو العمل نفسها. هؤلاء الأبرياء هم عرضة لزيادة في نسبة حدوث سرطان الرئة تقدر بـ %24.
ـ عناصر فيزيائية وكيميائية: الاسبيستوس وهو مادة عازلة للحرارة والصوت كثر استعمالها في الماضي. غاز الرادون: غاز طبيعي ثابت لا رائحة له ولا لون يولد من تحطم مادة اليورانيوم، يتسلل إلى المنازل عبر التربة من خلال تشققات أساساتها أو من خلال الأنابيب وسبل الصرف الصحي، ولا يمكن اقتفاء أثره إلا بواسطة آلات خاصة. يعرف هذا الغاز في البلدان الغنية والمنتجة، بمسؤوليته عن %12 من الوفيات بمرض سرطان الرئة.
ـ عنصر التعرض العائلي: ترجح الدراسات أفضلية حدوث سرطان الرئة عند المدخنين وغير المدخنين من أقرباء الذين أصيبوا بهذا المرض وترتكز في هذا الطرح على اكتشاف حديث لمنطقة معينة من الكروموسوم البشري الرقم (6) يحتمل أن تحتوي على مورث محدد يعطي المدخن حساسية أكبر للإصابة بسرطان الرئة.
ـ أمراض الرئة: نذكر منها على وجه الخصوص مرض انسداد الرئة المزمن. هذه الأمراض بإمكانها رفع نسبة الخطر من أربع إلى ست مرات أكثر، عند غير المدخن.
ـ التلوث: على أنواعه، يجعلنا نتنفس هواء ضاراً تقدر مشاركته بواحد بالمئة في نسبة الوفيات الناتجة عن سرطان الرئة. كما يعتقد الاختصاصيون ان التعرض الطويل الأمد لبيئة عالية التلوث بإمكانه ان يولد خطراً يعادل الخطر المتأتي عن حالات التدخين القسري.
يقسم سرطان الرئة بالمفهوم الطبي المتخصص إلى مجموعتين أساسيتين: سرطان الرئة ذي الخلايا الصغيرة ونصنفه على حسب ما يظهره فحص النسيج الورمي تحت المجهر من خصائص تتعلق بشكل الخلايا التي يتألف منها. ان هاتين المجموعتين تتمايزان تماماً عن بعضهما البعض بطريقة النمو والانتشار والسلوك العام، بحيث ان النظر إليهما على هذا النحو يشكل الأساس الضروري الصحيح لبناء الاستراتيجية الصالحة للتصدي لأي منهما.
لسرطان الرئة مؤشرات سريرية ومفاعيل عضوية عددية ومتنوعة، من المفيد التعرف إليها في سياق فعل توعية يتوجب علينا نحن الاختصاصيين القيام به تجاه مجتمعنا. ان النمط العام لهذه المعطيات يتعلق بالدرجة التي بلغها تطور المرض في جسم ما. انها بالإجمال كالتالي:
ـ مرض صامت: يشكل % من الحالات، حيث يتم اكتشاف المرض صدفة على اثر فحص أشعة روتيني للرئتين أو ترسيم طبقي محوري فرضه سبب مختلف فيفاجأ الطبيب بوجود كتلة صغيرة وحيدة تشبه قطعة النقود المعدنية وتسمى عادة بهذا الاسم.
ـ سعال، ضيق نفس، صفير أثناء الشهيق والزفير، ألم في الصدر أو في إحدى الكتفين، بصاق دموي، بحة، صعوبة في البلع، نزلة صدرية أو بؤرة تقيح رئوية، كلها تعبر عن صرخة عذاب واستغاثة يطلقها الجسم المصاب بالمرض، تختلف حدتها واصطفاف مؤشراتها باختلاف درجة العبث والتخريب الذي أحدثها السرطان في مرحلة ما من مسيرته المحلية والإقليمية.
ـ أما إذا استطاع المرض أن يخرق الحواجز وينطلق إلى بعد، فالعوارض تكون رهناً بالعضو الذي اختير اجتياحه. ان إصابة في الهيكل العظمي يمكن أن تحدث ألماً أو استحالة بالقيام بحركة معينة أو كسراً بنتيجة حركة معينة. أما إصابة الدماغ فتكون نتيجتها أعطال عصبية مختلفة كزغل في النظر، صداع مرير، فقدان الإحساس أو ضعف في قدرة الحركة في أقسام محددة من الجسم.
أخيراً لا آخراً إصابة الكبد وعرقلة أنشطته أو تعطيلها والنتائج المتأتية عن ذلك.
ـ مؤشرات غير ذات خصوصية: تعب، وهن، فقدان وزن، تغيرات في المزاج مع ميل إلى الكآبة وحتى الإحباط.
بعد هذا العرض المظلم والمثير، هناك سؤال يطرح نفسه بإلحاح: متى يجب استشارة الطبيب؟ عظيم! فاللجوء إلى الطبيب يجب أن يحصل فور الشعور أو التنبه إلى ظهور مؤشر مستجد يغيب ثم يعود فينبري هذا في بداية الأمر ثم يستمر دون غياب ثم يبدأ بالتفاقم فيستثير حينذاك الشك. على سبيل المثال:
ـ سعال مستحدث أصبح ملازماً، أو تفاقم لسعال مزمن.
ـ بصاق دموي.
ـ التهاب في القصبات لا يبرح أو التهابات رئوية جرثومية معاودة.
ـ ألم دائم في الصدر يضعف ويقوى أو يستجد بشكل نوبات مترددة.
ـ صعوبة في التنفس تظهر على اثر مجهود لم يكن ليحدث ذلك من قبل، ثم تبدأ هذه الصعوبة بالتصاعد كلما تم القيام بالمجهود نفسه.
تدفع هذه الاستشارة بالطبيب، بعد جمعه للمعطيات المستقاة من اطلاعه على الوضع الصحي الشامل لمريضه، إلى تقييم أولي للحالة، تمكنه من وضع البرنامج الملائم للفحوصات اللازمة للوصول إلى تشخيص نهائي ومسح دقيق لبؤر المرض حيثما وجدت تمهيداً لبناء خطة علاجية متكاملة تتناسب مع درجة المرض وقدرة المريض على تحملها.
لكن يقال ان درهم وقاية أفضل من قنطار علاج فكيف لنا إذن أن نتدارك، قدر المستطاع، التعرض للإصابة بمرض سرطان الرئة وان نقلل من خطر حدوثه؟ ربما بالتزامنا في تحقيق الثوابت التالية:
أولاً: الإقلاع عن التدخين نهائياً.
ثانياً: تلافي خطر التدخين القسري.
ثالثاً: اتباع نظام فحوصات دورية للتقصي المبكر للمرض يعتمد على إجراء صورة شعاعية للرئتين وعلى ترسيم طبقي محوري بواسطة التقنية المروحية المتدنية الطاقة، مرة كل سنة.
رابعاً: استشارة الطبيب الاختصاصي دون إبطاء أو مماطلة عند ظهور أول مؤشر ملفت للانتباه واتباع نصائحه وقراراته وتنفيذها بجدية وثقة وصولاً إلى تبيان الحقيقة مهما كانت طبيعتها والقيام بالعمل التصحيحي المناسب في الوقت المناسب.
أعتقد أننا لم ندخر جهداً طوال هذا التوصيف لسرطان الرئة، بالتركيز على أهمية التقصي المبكر لهذا المرض من خلال الإعلام الواضح والتوعية الدقيقة. ان السبيل الوحيد لتحقيق شفاء تام منه ينحصر باستئصاله كاملاً ومعالجته منذ بداياته الأولى، إذ ان التقديرات الإحصائية للحياة بعد استفحال المرض ورغم العلاج الصحيح، لا تتعدى الـ %15 لخمس سنوات فقط
