في الثامن من شهر مايو من كل عام تنطلق فعاليات يوم الثلاسيميا العالمي الذي أقرّته الأمم المتحدة في جدولها السنوي مما يدلّ على أهمية وخطورة ذلك المرض الذي رافق البشرية منذ أكثر من خمسين ألف سنة وفتك خلالها بمئات الآلاف من الأرواح.
إن مرض الثلاسيميا من أكثر الأمراض الوراثية انتشاراً في العالم إذ يبلغ عدد حاملي سمة المرض (أناس سليمون ولكن إن تزوجوا من نفس الفئة أتوا بأطفال مرضى بالثلاسيميا) ما لا يقلّ عن 150 مليون فرد وأن أكثر من 100 ألف طفل مُصاب بالمرض يولدون كلّ عام. تتميز أعراض الثلاسيميا بوجود أنيميا حادة، تختلف عن أنيميات نقص التغذية، وتضخم للكبد والطحال وتشوه وتمدد لعظام الوجه. وتتطور تلك العوارض، إن لم يتم معالجتها في الوقت المناسب، إلى أن يبدأ القلب بالضعف فيتوقف عن عمله قبل بلوغ الطفل العاشرة من عمره. ساعد الطب على التخفيف من تلك العوارض عن طريق الأدوية ونقل الدم بشكل دوري.
على الرغم من ذلك يلاقي أغلب مرضى الثلاسيميا حتفهم قبل بلوغهم سن العشرين أو الثلاثين بالإجمال. وبذلك يكون قد قضي على المريض بعد أن يكلّف علاجه ما يُقارب السبعة آلاف دولار سنويا (25 ألف درهم). وفي الدول التي تتكفل بتأمين طلبات تلك الحالات تُخصّص مبالغ هائلة من المال لتغطية نفقات المرضى.
ففي قبرص مثلاً تم حساب هذا الأمر منذ أكثر من خمس عشرة سنة، ووجدت وزارة الصحة أنها لو تركت ازدياد أعداد مرضى الثلاسيميا في الجزيرة كما كان عليه الأمر في السابق لاستهلكت من أجلهم في العام 2000 المبلغ المعادل لمخصصات وزارة الدفاع كاملة! إن الحسابات التي قامت بها قبرص في حينه نبهت العديد من دول العالم إلى الخطر الذي يحدق بهم إن تركوا الأحوال على ما هي عليه الآن. إذ يجب أن لا ننسى أن قبرص مجرد جزيرة صغيرة في المتوسط ولا يزيد عدد سكانها على المليونين.
فما بالكم لو قمنا بحساب تكاليف الأربعة آلاف مريض بالثلاسيميا في دولة الإمارات العربية المتّحدة ذات الأربعة ملايين نسمة ومجمل الدول العربية التي يبلغ تعداد سكانها الإجمالي حوالي 350 مليون نسمة.
التوعية أولاً
حتى أواخر الثمانينات، كانت معظم الدول تقوم بواجبها بتأمين الطبابة اللازمة لمرضى الثلاسيميا فيها. ومع حلول أوائل التسعينات واكتشاف العديد من التطبيقات الوراثية لمنع تكاثر المرض، آثر العديد من تلك الدول التحوّل إلى هذا المنحى للتخلص من الضغط الصحي والاجتماعي والاقتصادي الذي فرضه واقع الثلاسيميا عليها وللتخفيف من معاناة العائلات المصابة. ونجحت كل من قبرص واليونان وإيطاليا، بالأخص جزيرة سردينيا، في القضاء على ازدياد عدد مرضاها بالثلاسيميا بنسبة جاوزت ال%95. ويعتبر ما حدث في تلك الدول، وبالأخص جزيرة سردينيا، إنجازا كبيراً يستحق أن نأخذ منه عبراً كثيرة.
يبلغ عدد سكان جزيرة سردينيا مليون ونصف المليون (أربعة ملايين في دولة الإمارات) منهم 190 ألفاً يحملون سمة المرض (400 ألف في الإمارات) ويحتمل أن يأتوا ب110 أطفال مريضين بالثلاسيميا كل عام (250 في الإمارات). إن تراكم ذلك العدد دون توقف كاد أن يقضي على النظام الصحي في سردينيا فسارعت بإطلاق مشروع الحدّ من انتشار مرض الثلاسيميا في العام 1977.
بدأ المخطط بحملة توعية شاملة غطّت مدن وقرى ومصانع سردينيا كافة. وقد أُعدّت حملات عديدة لتوعية العامة عن طريق وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية. وقد عُيّن فريق خاص لإعداد لقاءات توعية
عامة ضمّت العديد من الجمعيات الخيرية، والمؤسسات الأهلية، والأطباء، والزعماء السياسيين والشعبيين، والقابلات القانونيات، والعمال، والممرضات. كذلك طُبِعت منشورات وكتيبات حول المخطط وأهدافه ومخاطر الثلاسيميا وسبل الوقاية منه ووُزّعت في مراكز الزواج، ومكاتب المخاتير، والعيادات الطبية، والمؤسسات المهتمة بتحديد النسل.
كذلك أُدخلت في المقررات التعليمية الخاصة بالفصول الابتدائية والمتوسطة ساعات توعية خاصة بمرض الثلاسيميا تستعمل فيها كل وسائل عرض المعلومات إن مكتوبة أو عن طريق الأفلام الوثائقية. ونُشِرت بعد ذلك عيادات خاصة في أنحاء الجزيرة لتتكفل بإعطاء النصح الوراثي للعائلات المحتاجة. وقد روعي في تلك الجلسات عدم تحيُّز الطبيب المحاوِر نحو المشروع الحكومي ومحاورة الأهل محافظاً على مشاعرهم وكل اعتقاداتهم حول الأمر ولم تُفرَض أية قيود إجبارية تُلزِم العامة بإجراء الفحوص الوراثية.
ولكن وبالرغم من ذلك، بلغ عدد المتقدمين لإجراء الفحوص الوراثية 212899 شابا وشابة تم تشخيص 36389 منهم كحاملين لسمة المرض. وضمّت تلك الأرقام 2700 عائلة شخصت منها 2310 عائلة على أنها معرضة للحصول على أطفال مرضى ولذلك تمت مراقبتها بشكل دوري.
الفحص التطوعي
عندما أُجري إحصاء حول كيفية وصول المعلومات عن مرض الثلاسيميا إلى المتطوعين، أظهرت النتائج وصول المعلومات إلى %44 منهم عن طريق وسائل الإعلام وتوزعت باقي الأرقام على موظفي عيادات النصح الوراثي، والأطباء، والقابلات القانونيات. وهذا أمر يدل على أهمية الدور الذي لعبه الإعلام في دفع برنامج القضاء على مرض الثلاسيميا في جزيرة سردينيا.
وقد لوحظ أيضاً حدوث تقدم في مجالات عدة أهمّها أن أكثر المتقدمين إلى الفحص التطوعي كنّ من النساء الحوامل الخاشيات من إنجاب طفل مريض. أما في نهايات الحملة، فإن أكثر المتطوعين كانوا من الشبان غير المتزوجين أو المتزوجين الذين لم ينجبوا بعد. كذلك لوحظ أن %95 من هؤلاء الشبان وافقوا على إجراء فحوص جنينية إن قرروا الإنجاب.
وبالفعل فقد وافق %99,9 من العائلات على إجراء عملية الإجهاض بسبب حمل الأم لطفل مريض. ويُفسِّر ذلك تطور التكنولوجيات الوراثية إلى حد أنّ يتم تشخيص الجنين في مرحلة مبكرة جداً من الحمل (حينها في الأسبوع السابع أو الثامن من الحمل وحالياً في اليوم الأول أو قبل ذلك أيضاً) الأمر الذي لاقى بلا شك استحسان الكثير من الناس. أما الإنجاز الأهم فكان خفض نسبة ولادة مرضى الثلاسيميا من 110 أطفال في كل عام إلى أربع أو خمس أطفال. وهذا ما يُعادل نسبة نجاح قدرها %94.
إن الإنجاز الذي تحقق في سردينيا بكل تفاصيله من حيث التخطيط أو النتائج لهو بمثابة درس مفيد يجب أن تضعه كل دول العالم الواقعة تحت وطأة مرض الثلاسيميا نصب أعينها. ففي دولتنا، تهتم مراكز الثلاسيميا بأمر حوالي 3700 مريض بالثلاسيميا بتأمين الدواء والطبابة اللازمة لهم. وبحساب بسيط لتكلفة علاج هؤلاء المرضى سنجد أن المبلغ اللازم لهم لن يقل عن 100 مليون درهم (30 مليون دولار) سنوياً، وقد يزيد هذا المبلغ بازدياد عدد المرضى.
وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى الجهد المبارك لشباب الإمارات من برنامج إعداد القادة تحت الرعاية الحكيمة لصاحب السمو الشيخ محمّد بن راشد آل مكتوم والذين أطلقوا في العام 2004 حملتهم تحت عنوان «إماراتنا خالية من الثلاسيميا 2012». ومنذ ذلك الحين وعدد المتطوعين في هذا البرنامج في ازدياد مستمر بلغ في وقتنا الحالي 17 ألف متطوع معظمهم من الشباب الجامعي. ولاقى المشروع دعم العديد من الشيوخ وأصحاب القرار في الدولة، والذين وضعوا العديد من الإمكانات تحت تصرّف القيّمين على هذه الحملة.
وهذا كلّه ليس إلاّ الخطوة الأولى نحو التأسيس لمراكز متعددة في معظم الإمارات لتوجيه الاستشارات الوراثية للعائلات المهددة بالثلاسيميا ومراكز أخرى تقدّم أحدث الاختبارات الوراثية للكشف المبكّر عن المرض ضمن الضوابط الأخلاقية السائدة في الدولة للاتّجاه نحو إمارات خالية من ولادات مرضى الثلاسيميا في العام 2012، الأمر الذي قد يمهد للحدّ من انتشار ال225 مرض وراثي الآخرى الموجودة في الدولة

