تُستعمل صورة الأشعة السينية (ماموغرام) للثدي في تقصي وتقييم آفات هذا العضو. بعض هذه الآفات ينشأ وينمو بصمت والبعض الآخر تواكبه مؤشرات خاصة كوجود كتل،أو ألم أو تسرُّب من الحلمة.

الأشعة السينية في التداول لتصوير الثدي منذ 90 عاماً، بيد أن آلة التصوير الحديثة التي تستعمل هذا النوع من الإشعاع بدأ استخدامها فقط في سنة 1969. منذ ذلك الحين لم تتوقف جهود تطويرها تقنياً، تفعيلاً لإمكانياتها التشخيصية وتدعيماً لشروط الحماية والأمان بحيث إن طاقة الأشعة المعتمدة في أيامنا هذه هي أضعف ومدى اختراقها للأنسجة أقل، مثلاً إذا ما قارناها بصورة الرئتين، ناهيك عن اعتماد التقنية الرقمية وشراكة الحاسوب في الجيل المستحدث منها.

تُنجز عملية التصوير بعد ضغط الثدي بين مسطّحين من مادة البلاستيك موصولين بالآلة نفسها وذلك لتأمين التمدُّد اللازم للأجزاء الطرية في الثدي وحزمه في الوقت نفسه لمنعه من الحركة وصولاً إلى الحصول على صورة دقيقة وواضحة بأقل مدة تعرّض ممكنة للأشعة. إذ إن هذه العملية لا تستغرق أكثر من ثوانٍ قليلة لكل صورة.

أما التحضيرات الكاملة فيلزمها نحو عشرين دقيقة. نحصل بنتيجة الأمر على تظهير للثدي بالأسود والأبيض يستعمله الطبيب الاختصاصي لإصدار تقريره، وهذه مسؤولية لا تخلو من التحديات وتفترض تحليه بقدر عالٍ من الحذاقة العلمية والتمرُّس المهني.

يُطلب من كل امرأة ابتداءً من سن الأربعين، أن تتبع نظام تقص مبكر لسرطان الثدي يرتكز خصوصاً على القيام بصورة أشعة سينية للثديين مرة كل سنة في سياق برنامج المسح الصحي المعتمد لسرطان الثدي. وينبغي إبلاغها مسبقاً بأن هذا الفحص، مع انه يخفق في بعض الأحيان القليلة بكشف الآفة، بيد أن إيجابيات الحرص على القيام به أكبر بكثير إذ أنه يشكل السبيل الوحيد الفعال للتقليل من المعاناة وتخفيض عدد الوفيات الناتجة عن حدوث هذا السرطان.

أما إذا تم تصنيف الحالة أنها تدخل ضمن مجموعة الخطر، لتوفر عناصر خاصة كوجود إصابات بسرطان الثدي أو المبيض في العائلة أو حدوث تغيرات غير طبيعية في نسيج الثدي، فمن المستحسن أن تباشر بعملية الكشف الطبي للمرض في سن مبكرة أكثر بمساعدة طبيب اختصاصي لإرشادها في اختيار الفحوصات المفضّلة وهي إما صورة الموجات فوق الصوتية أو الترسيم بوساطة التردد الصوتي المغناطيسي، واللجوء فقط إلى صورة الأشعة السينية عند الاقتضاء.

يبحث الطبيب عند قراءته للصور عن علامات لعناصر غير مألوفة متنوعة الهوية:

1- نثرات كلسية في النسيج الثديي وهي تبدو في الصور بشكل نقاط بيضاء صغيرة أو كبيرة، تُعتبر الكبيرة من النوع البريء وتنتج عن حالة بلوغ لبعض الشرايين المحلية أو إصابات قديمة أو التهابات ، فهي ليست إذن مرتبطة بتحول سرطاني ولا تقود إلى اعتماد خطوات تشخيصية إضافية، وهي موجودة عند نصف عدد النساء فوق عمر الخمسين وعند امرأة واحدة من بين عشر تحت الخمسين.

يثير تقصي النثرات لكلسية الصغيرة الاهتمام بإمكان إعلانها عن حدوث تحول سرطاني، يتلمس الطبيب الاختصاصي جدية ماهيته استناداً إلى شكلها وتوزيع انتشارها، وفي حال الارتياب يبحث بجدوى القيام بفحوصات مكملة كأخذ خزعة بهدف الحصول على عيّنة من الأنسجة والخلايا لكي يُصار إلى فحصها تحت المجهر.

2- كتل متنوّعة: كيس مليء بالسوائل، ورم ليفي غدّي، أو كتلة سرطانية يلجأ الطبيب هنا لحسم قراره إلى خيارات مختلفة: صورة الموجات فوق الصوتية، البزل بالإبرة الدقيقة، أخذ خزعة أو الانتظار والمراقبة بوساطة صورة دورية بالأشعة السينية إلى حين جمع أدلة كافية تدحض أو تؤكد وجهة تشخيصية معيّنة فيُصار إلى التعامل معها علاجياً بالأسلوب المناسب.

لا شك أن كل ما سبق من بحث في جدوى اللجوء إلى الفحوصات الآنفة الذكر، منها على وجه التحديد صورة الأشعة السينية وموقعها ضمن سياسة التقصي المبكر لآفات الثدي وأهمية الأخذ بدلالاتها التشخيصية لبناء استراتيجية علاجية صائبة هي اعتبارات قيمة وضرورية لكن من حقنا أن نسأل ما هي القيمة الحقيقية الإحصائية لهذا المعطي الطبي.

تبين الدراسات أن دقة التقاط التفاصيل المفيدة في الماموغرام تتراوح بين 75 و90 إلى 95 بالمئة، وخصوصية التعبير (specificity) يبن 90 ـ 95 بالمئة عند النساء تحت عمر الخمسين 60 ـ 80 بالمئة عند النساء ما بين سن الخمسين والتسعة والستين. من البديهي إذا والحالة هذه ان تظهر الدراسات انخفاضاً يقدر بثلاثين بالمئة للوفايات الناتجة عن سرطان الثدي عند هذه الشريحة من النساء شرط أن تخضع دوريا كل سنة أو كل ستة أشهر إلى صورة الأشعة السينية.

اما بما يخص النساء حتى عمر الخمسين فالمحصلات التقديرية تبدو أقل وضوحا لوجود ثغرات عديدة في رسم الدراسات اللازمة لذلك وافتقادها لمصداقية القواعد الإحصائية المستعملة مما يجعل عملية الاستنتاج ضبابية وقرارات النصح ضمن برامج طبية جماعية وقائية يشوبها الشك. هذه الاعتبارات نفسها تصحّ أيضاً على النساء فوق سن 69 .

على كل حال فالعلم له بال ولا يستكين مادامت تعترضه الصعوبات ويجول في أفقه الواسع علامات استفهام