كلص يلبس ثياب البراءة، يدخل التلفاز بيوتنا دون استئذان، يخترق الأبواب والجدران، ويغتال ما بقي لنا من خصوصية وأسرار، ونحن الغافلين عما يجري، نفتح عن طيب خاطر نوافذنا لتدخلها القنوات المختلفة خلسة أحياناً وجهاراً في معظم الأحيان، وحينها نغدو مغفلين وليس غافلين فقط.
لاشيء شيئاً بالمطلق أو نافعاً بالمطلق، فكما يمكن للكهرباء ان تنير ليلاً دامساً يمكنها ان تغدو أداة تعذيب في يد سجان لا يرحم.
وكذلك الحال بالنسبة للتلفاز وشبكة الانترنت وغيرها من الاكتشافات الإنسانية، وفي هذه العجالة سنتطرق إلى بعض الجوانب السلبية الخاص بمشاهدة التلفاز والجلوس إلى شبكة الانترنت، وتبسيطاً للمسألة، يمكن ان نقسم تلك الآثار السلبية إلى أقسام:
* الأثر النفسي والاجتماعي
ـ حينما يجلس الإنسان لساعات طوال أمام التلفاز أو الانترنت يومياً. فإنه يعتاد الوحدة، وتقل قدرته على التواصل الاجتماعي، فيبتعد عن الناس، وفي كثير من الأحيان، قد ينفصل عن المحيط، وحتى عن أسرته الصغيرة، ولا يخفي ما لهذا من أثر بالغ السوء على العلاقات الأسرية الحميمة بين الزوجين، وبينهما وبين الأطفال أيضاً، حيث تضيق مساحة الحوار ليحل مكانها الصمت والإحساس بالإغتراب.
غالباً ما تحمل قنوات التلفاز الى أذهاننا مواصفات الرجل العصري، والمرأة العصرية، وليست تلك المواصفات إلا ما تريده ثقافة عصر الاستهلاك التي تجرد المرء من انسانية جاعلة منه شيئاً كباقي الأشياء، وكائناً يلهث خلف سلع ثقافية وترفيهية واستهلاكية تافهة وهو يعتقد أنها ضرورات الحياة الحديثة.
أمام التلفاز والانترنت يكون المشاهد منفعلاً وليس فاعلاً، حيث يتلقى المعلومة والخبر والصورة ولا يملك إمكانية مناقشتها أو التساؤل عن صدقها، وكثيراً ما تلبس تلك المعلومة رداء الصدق واليقين بحنكة شديدة، لكنها في الواقع أبعد ما تكون عن الصدق واليقين.
حينما يكون المرء متلقياً ومنفعلاً فقط، يغدو عاجزاً عن الحوار الذي تفصح به الأفكار عن جوهرها، وعبره نتعلم كيف نميز بين قول وآخر.
وأخطر ما في بعض برامج التلفاز أن من يقدمونها يغلفون ما يطرحون من أفكار و«قيم» (مدفوعة الأجر مسبقاً) بغلاف العقلانية والموضوعية والرصانة العلمية، فتغدو متسارعة الطعم، سهلة الدخول إلى عقول الناس.
العديد من محطات التلفزة ومواقع الانترنت تبث برامج وأفكاراً تتنافى وأبسط القيم الإنسانية والأخلاقية، مما يؤدي إلى انهيار المثل العليا، والقيم، وانحدار الذوق وموت الفن الراقي.
* الأثر الاقتصادي
لست خبيراً في الشؤون الاقتصادية، ولكن هناك بعض النقاط التي لا أظن أن أحداً يجهلها، ومنها:
- إن الجلوس لساعات طويلة أمام التلفاز لمشاهدة برامج لا تسمن ولا تغني من جوع، أو الغوص لساعات مديدة في بحر الانترنت والبحث عن مواقع رديئة يعتبر هدراً لوقت ثمين يمكن ان يكون منتجا ومفيدا للفرد والمجتمع إذا استغل بشكل آخر.
الدعوات الاستهلاكية المتكررة والتي تلبس رداء العصرنة والتمدن تملك قدرة لا يستهان بها لغسيل دماغ الإنسان، فيندفع جامحا نحو استهلاك أشياء لا يحتاجها معتقداً أنها الضرورات، وهكذا تهدر ثروة الأفراد والأوطان بدل ان تستخدم من أجل الإفادة والبناء.
في كل صباح يطلع علينا صانعو التلفاز والحاسوب وما شابه. بأشكال وأجيال جديدة، وحتى لا يفوتنا ركب العولمة الزاحف،و ما علينا إلا ان نلقي جانبا بما نملك من أجهز قديمة، وندفع ما أدخرنا، إذا قد أدخرنا أصلا أو نستدين لنحصل على أجيالهم الجديدة والتي لن يتأخر بها الوقت حتى تصبح قديمة تحتاج إلى استبدال من جديد وهكذا.
* الأثر الصحي
إن مشاهدة التلفاز أو الجلوس إلى طاولة الانترنت لمدة طويلة تحمل العديد من المخاطر الطبية: فحالة السكون وعدم الحركة لاسيما إذا ترافقت مع تناول الوجبات السريعة والمشروبات المتعددة، كل ذلك يؤدي إلى زيادة في الوزن، بل وحتى السمنة، والتي بدأت تظهر للعيان ليس لدى البالغين فقط، بل وحتى لدى الأطفال أيضا، ولا يخفى ما للسمنة من مخاطر صحية كبيرة، فهي تزيد احتمالات حدوث الداء السكري، وتزيد من مستوى كولسترول العام والشحوم الثلاثية
وهذه عوامل تزيد مخاطر واحتمالات حدوث تصلب الشرايين، ونقص الروية القلبية وما تبعها من ارتفاع الضغط، وخناق الصدر، واحتشاء العضلة القلبية، والجلطات والنزوف الدماغية. غالبا ما يجلس الإنسان أمام التلفاز أو إلى الطاولة بشكل غير سليم صحيا إضافة إلى قلة الحركة، كل ذلك يؤدي إلى تغيرات تنكسية في المفاصل المختلفة، وحدوث آلام الرقبة وأسفل الظهر.
الجلوس دون حركة لمدة طويلة قد يؤهب لحدوث دوالي الساقين والتهاب الوريد الخزي في الطرفين السفليين، وقد تتحرك إحدى الخزات إلى الرئة أو الدماغ محدثة إصابة فيهما.
الرؤية الطويلة لشاشة التلفاز أو الحاسوب تزيد احتمالات حدوث الصداع. كما أنها تثير نوبات الشقيقة، وتزيد احتمالات حدوث نوبات الصرع إذا كان المرض كامناً، أما التأثيرات على العين فهي عديدة كالتهاب الملتحمة التحسسي، وزيادة حدة سوء الإنكسار.
مشاهدة الأطفال للبرامج العنيفة يمكن ان تحدث تغييراً في سلوكهم. فيجنحون نحو ممارسة العنف ضد الآخرين، واحيانا ضد ذواتهم أيضا. كما وجد أن قدرة الأطفال على القراءة والكتابة تقل إذا شاهدوا التلفاز يوميا، ولساعات طويلة.
أخيراً لا آخراً، ان تلك الاكتشافات التي بذل الإنسان في سبيلها عرفاً، وجهداً ومالا، ليس شراً أو خيراً. بل إنها سلاح ذو حدين، وعلينا أن ندرك كيفية استخدام ذلك السلاح بشكل عقلاني حتى يغدو أداة إنماء وإعمار وتقدم.
