من المؤكد أن المهنة التي يمارسها الإنسان تؤثر في شخصيته وأساليبه وتفكيره، وأيضا في أمراضه واضطراباته.. الجسدية منها والنفسية. من المعروف أن هناك أمراضاً مهنية يتعرض لها الأشخاص الذين يمارسون مهنة معينة بنسب تفوق معدلات هذه الأعراض عند عموم الناس. حيث يتعرض مثلا العاملون في المواد الكيميائية وعمال المناجم لأمراض صدرية انسدادية وسرطانية واعتلالات في الكبد والكلية والدم وغيرها.
وذلك بسبب الغازات والغبار الذي يتعرضون له أثناء عملهم، كما يتعرض العاملون في تربية المواشي ونقلها وذبحها لعدد من الالتهابات الخاصة بسبب انتقال العدوى لهم من الحيوانات مثل مرضى الحمى المالطية Brucellosis وغيرها.
وتزداد الإصابات الجسدية والجروح والخلوع والكسور لدى فئات الرياضيين المحترفين، كما أن هناك إصابات دماغية عصبية خاصة تكثر عند الملاكمين.
ويتعرض أطباء الأسنان للإصابة بالتسمم الزئبقي بسبب الحشوات المعدنية المستعملة يوميا. إضافة إلى أمثلة أخرى كثيرة من الأمراض المهنية في مهن مثل الطب والمهن الطبية المساعدة والعسكرية والحرفيين والعمال وغيرهم. ويدرس الطب المهني أنواع الأمراض والاضطرابات المرتبطة بمهنة معينة محاولا فهم الآليات الإمراضية وأسبابها وطرق الوقاية منها أو التخفيف من نسب حدوثها بإجراء تعديلات تقنية أو كيميائية وقائية.
والحقيقة أن معدل إصابة الإنسان بمختلف الأمراض الجسمية والنفسية له ارتباطات بعدد من العوامل العامة: مثل العوامل العضوية والعمر والجنس والعرق والوراثة وأيضا البيئة الطبيعية التي يعيش فيها ريف -مدينة - جبال - ساحل- صحراء والبيئة الاجتماعية التي ينتمي إليها طبقة - مهنة - دين - عادات وتقاليد - ثقافة والتكوين النفسي والتربوي والشخصي الذي يتميز به.
وفي الممارسة الطبية اليومية نجد أنه من الضروري الإلمام بمعلومات عامة عن المريض تشمل النقاط السابقة إضافة للمعلومات الخاصة بالمرض، مما يساهم في تفهم الحالة المرضية بشكل ناجح ويساعد في وضع التشخيص الصحيح السريع.. ومثلا يمكن للطبيب أن يصل إلى التشخيص بسرعة أكبر في حالة فحصه لمريض يشتكي من أعراض التهابية شديدة إذا سأل عن مهنة المريض، حيث يتوجه الطبيب في تشخيصه إلى أمراض معينة تصيب الإنسان ناتجة عن عدوى من خلال عمل المريض في تربية المواشي.
عوامل عدة
وفي ميدان الأمراض والاضطرابات النفسية المتنوعة ومدى علاقتها بالمهنة نجد أن هناك عددا من الملاحظات العامة في الدراسات الغربية حول ذلك. ويمكننا القول إن هناك اختلافاً واضحاً في ميدان الطب النفسي عن ميادين الطب الأخرى في موضوع الأسباب المرضية وتحديدها.
ولا يزال الغموض يكتنف كثيرا من أسباب الاضطرابات النفسية، وإن كانت النظرة العامة المتوازنة تؤكد على وجود عوامل عضوية ونفسية واجتماعية تسبب ظهور الاضطرابات النفسية وتطورها. وفي بعض الاضطرابات تلعب العوامل العضوية الكيميائية والوراثية دورا حاسما، وفي بعضها الآخر تبرز أهمية الأسباب النفسية والاجتماعية في ظهور المرض أو شدته واستمراريته.
ومن المفيد معرفة أهمية العوامل الاجتماعية ومنها المهنية في تأثيرها على نسبة حدوث اضطراب نفسي معين أو شدته أو سيره، مما يفتح المجال لوضع خطط واضحة تساهم في الوقاية من الاضطراب.
ومما لاشك فيه أن مثل هذه الدراسات تواجهها صعوبات كبيرة بعضها يعود إلى صعوبات نظرية وعلمية وبعضها يعود إلى صراعات اقتصادية واجتماعية تتعلق بتركيبة المجتمع وفئاته ومصالحه المتناقضة.
وأيضا فإن الوصمة السلبية المرتبطة بالاضطرابات النفسية والتي لا تزال واسعة الانتشار في معظم المجتمعات تساهم في صعوبة إجراء الدراسات على أصحاب مهنة معينة ومعرفة مدى صحتهم النفسية واضطرابهم حيث يشترط في ممارسة معظم المهن بشكل صريح أو ضمني خلو المتقدم للمهنة من أي سجل لأي اضطراب نفسي مما لا يتناسب مع الحياة الواقعية وانتشار الاضطرابات النفسية بمختلف أنواعها ودرجاتها.
وبالطبع فإن العديد من المهن يتطلب توفر حد أدنى من الصحة الجسمية كما أن اللياقة الصحية والنفسية تلعب دورا حاسما في أداء بعض المهن. ولكن المشكلة تكمن في الحساسية السلبية لكل ما هو نفساني وفي التعميمات الخاطئة والمبالغات غير الواقعية وأيضا في تعريف مفهوم اللياقة الصحية ونسبيته.
الفصام
ودلت الدراسات على أن مرض الفصام ينتشر بنسبة أكثر في الطبقات الاجتماعية المتدنية وبالتالي في مهن خاصة وأعمال ذات مردود مالي أقل مقارنة بين المرضى وآبائهم. ولا يعني ذلك أن الفقر يسبب الفصام بل لأن المرض نفسه يؤدي إلى تدهور الشخصية وقدراتها وطموحها مما يجعل المرضى المصابين يتدهورون في السلم الاجتماعي والمهني.
ولكن من جهة أخرى، يمكن للأزمات الحياتية المتنوعة ومنها الفقر والبطالة والخسائر المادية أن تساهم في ظهور الفصام عند من يحمل استعدادات عضوية أو كيميائية أو وراثية، أو أن تساهم في انتكاسة المرض أو إزمانه.
وينتشر اضطراب الهوس الاكتئابي الدوري في الطبقات الاجتماعية العليا مثل التجار ورجال الأعمال وغيرهما وربما يكون ذلك بسبب ازدياد النشاط والتفاؤل والطموح وروح المغامرة والثقة بالنفس والسلوك الاجتماعي الواسع، والذي يميز بعض مراحل هذا الاضطراب ولاسيما الدرجات الخفيفة منه.
ويرتبط الانتحار بالطبقات الاجتماعية المتدنية بنسب مشابهة للطبقات الاجتماعية العليا، ويقل في الطبقات الاجتماعية المتوسطة، ويتبين ذلك من خلال المهن الموازية لهذه الطبقات.
مشكلات زوجية
ولقد وجد أنه في المهن الطبية يزداد عدم التوافق الزوجي والطلاق وأيضا الاكتئاب وتبلغ نسبة الانتحار أعلاها في الأطباء اختصاصيي التخدير ثم يليهم أطباء العيون ثم الأطباء النفسيون، وفقا لبعض الدراسات. وتتعدد تفسيرات ذلك ومنها أنه ربما يكون النصيب الأقل الذي يحظى به طبيب التخدير مقارنة مع الطبيب الجراح من حيث التقدير بمختلف أشكاله في العمليات الجراحية الناجحة إضافة لتحمله للعبء الأكبر في حالات العمليات الفاشلة، دورا في ذلك.
الاكتئاب
وتزداد في المهن الأدبية الإبداعية نسبة الاضطرابات الاكتئابية بشكل واضح مقارنة مع مجموع الناس وتشمل هذه المهن كتاب الرواية والقصة والمسرح وكتاب النثر والشعراء. بينما تتقارب نسبة النوبات الاكتئابية الشديدة لدى العلماء والسياسيين والمؤلفين الموسيقيين والرسامين من النسب العامة للاكتئاب في المجتمع.
وتتعدد تفسيرات ذلك ومنها طبيعة العمل الإبداعي الأدبي نفسه من حيث الحساسية الخاصة التي يمتلكها الكتاب لأشكال المعاناة المختلفة وتوحدهم مع شخصيات أعمالهم، وأيضا تعرضهم لأنواع الإحباط المختلفة، والاستعداد الشخصي، وغير ذلك.
الهوَس
كما يزداد الاضطراب الهوسي والهوس الخفيف واضطراب المزاجية الدوري لدى العاملين في المهن الصحفية والإعلامية كما تدل عليه الملاحظات.
وتدل الدراسات على أن التشرد والتسول يزداد فيهما عدد المصابين بالفصام والإدمان على الكحول وغيره. كما أن المهن اليدوية التي لا تتطلب مهارات خاصة مثل الرعاة والأعمال العضلية المساعدة والأعمال المنزلية وغيرها، يزداد فيها الأشخاص ذوو الذكاء المنخفض وأيضا الفصام والاكتئاب.
وفي عدد من الدراسات على ربات البيوت تبين أن الاكتئاب يزداد لديهن مقارنة مع النساء العاملات في مهن وأعمال أخرى.
الهيستريا
وتزداد الاضطرابات التحويلية الهيستريائية والاضطرابات التجسيمية الشكاوى الجسمية المتعددة نفسية المنشأ لدى الأشخاص ذوي الثقافة التعليمية المتدنية وبالتالي في المهن والأعمال الموازية لذلك.
ويندر الاضطراب الوسواسي القهري في المهن الأدبية الإبداعية، وربما يزداد في المهن الدينية، ويزداد الاضطراب الهذياني الشك- الزور لدى أسرى الحرب وفي السجون ولاسيما في حالات السجن الانفرادي، وغير ذلك.
الشذوذ الجنسي
وتزداد الجنسية المثلية الشذوذ الجنسي لدى الرجال الذين يمارسون المهن المرتبطة عادة بميادين عمل المرأة مثل الخياطة وإعداد الطعام وتزيين الشعر وغير ذلك. وأيضا في نزلاء السجون وطلبة المدارس الداخلية من الجنسين كما تدل عليه الملاحظات.
الكحول
ويزداد الإدمان على الكحول في المهن البحرية التي تتطلب أسفاراً طويلة وأيضا لدى موظفي الفنادق وأماكن اللهو والبارات حيث يتوفر الكحول باستمرار. وأيضا في عدد من المهن الخطرة والعسكرية وغيرها، كما يزداد سوء استعمال وإدمان المنشطات لدى فئات الطلبة والسائقين وغيرهما.
ادعاء المرض
ويزداد ادعاء المرض والتمارض في المهن العسكرية ولاسيما أثناء الحرب وأيضا في نزلاء السجون.
كما أن إصابات العمل في عدد من المهن العضلية والحرفية يمكن أن تؤدي إلى اضطراب نفسي يتميز بشكاوى جسمية ونفسية وآلام ترتبط بالإصابة العضوية الأصلية ولكن لا تتناسب معها في شدتها أو أزمانها، ويسمى ذلك عصاب التعويض وهو يرتبط بإمكانية الحصول على تعويض مالي بسبب الإصابة الأصلية.
القلق
وهناك ما يسمى باضطراب الشدة عقب الصدمة وهو يتميز بأعراض القلق والتوتر والأرق وتذكر الفجيعة وغير ذلك، وهو يلي حدوث أحداث فاجعة وأليمة مثل الحوادث والموت المفاجئ والاغتصاب والحروب والكوارث وغيرها. وهذا الاضطراب يمكن أن يصيب فئات من مهن مختلفة بعضها اعتيادية وبعضها من المهن الخطرة العسكرية وغيرها.
وإذا تحدثنا عن اضطرابات القلق المتنوعة والمخاوف المرضية المتنوعة نجد أنها اضطرابات واسعة الانتشار في مختلف الفئات والمهن. ومن المؤكد أن العصر الحديث وإيقاعه السريع وتغيراته وقيمه ومشكلاته وأيضا مهنة الشائعة بظروفها وشروطها ومتطلباتها الخاصة والاجتماعية، لها دور في ذلك الانتشار.
الإحباط
كما أن الاحباطات والحرمانات والصدمات العامة والمرتبطة بالمهن المتنوعة لها دور في نشوء القلق والمخاوف واستمراريتها. وهناك بالطبع مهن مهيئة للقلق أكثر من غيرها، وتبقى الأمور نسبية في ذلك وافتراضية تخمينية ولا يعني ذلك إهمال بحثها ودراستها ومحاولة تعديل ما يمكن تعديله وإصلاحه.
وفي مجموعة أخرى من الاضطرابات النفسية والتي تسمى اضطرابات التكيف والتي تأخذ أشكالا من القلق والاكتئاب والأعراض الجسمية والسلوكية والأشكال المختلطة بينها.. نجد أن هذه الاضطرابات هي بالتعريف ناتجة عن سوء في التكيف لظروف معينة تتميز بالتوتر والشدة ولكن في حدود متوسطة وليست استثنائية أو نادرة مثل الحروب والكوارث الطبيعية وغيرها.
ومن الناحية العيادية نجد أن مثل هذه الاضطرابات يطلق على الشكاوى التي يبديها الأشخاص في ظروف مهنية صعبة، أو عند البدء في عمل ما، أو الانتقال إلى ظروف جديدة في مجال المهنة أو غيره في العلاقات الزوجية أو الشخصية أو المهنية. ومن المفهوم والواضح أنه كلما زادت صعوبات المهنة وظروفها القاسية زادت هذه الاضطرابات النفسية انتشاراً.
أسئلة أساسية
لابد من العودة إلى جوهر العلاقة بين الاضطرابات النفسية وعلاقتها بالمهنة.. حيث تبرز الأسئلة التالية والتي تحتاج إلى المزيد من الدراسة والبحث:
- ما دور ضغوط المهنة ودرجة تأثيرها؟
- هل المهنة بذاتها ومن خلال طبيعتها تؤدي إلى تعديل وتغير في الشخص الذي يمارسها وبشكل يؤدي إلى تكوين أساليب وعادات مرضية في التفكير والانفعال والسلوك؟
- يهل الإنسان يحمل معه إلى مهنته ميولا واستعدادات خاصة وصفات في الشخصية تهيئه فيما بعد إلى ظهور الاضطراب النفسي؟
- هل تكمن الحقيقة في مزيج بين هذه المحاور الثلاثة وبدرجات متفاوتة؟
أنماط الشخصية
هناك جوانب أخرى لموضوع المهنة والاضطرابات النفسية المتنوعة.. حيث تدل الملاحظات بالنسبة لاضطرابات الشخصية وصفات الشخصية المرضية المرتبطة بالمهنة على أن مهنة المحاسبة مثلا تتطلب الدقة وتطور القدرات الحسابية إضافة للدأب والبرود الانفعالي والتأني والاقتصاد.
وهكذا نجد أن صفات الشخصية الوسواسية المرضية يكثر انتشارها في هذه المهن حيث تتضخم الصفات الطبيعية بشكل مبالغ فيه لتصل إلى الحدود المرضية.
كما أن الموظفين في الأعمال الكتابية الروتينية والأرشيف يتميزون بالصفات الوسواسية والإفراط في النظام والترتيب والعناد وضيق الأفق والروتين والبيروقراطية. وفي المهن الإدارية وأرباب الأعمال تنتشر نمط الشخصية المسماة بنمط أ والتي تتميز بالتوتر والحدة الانفعالية والإحساس المفرط بالوقت وعدم الانتظار والطموح الزائد والرغبة بالإنجاز والتنافس الشديد.
وفي الأعمال العسكرية والأمنية تزداد صفات العدوانية والشدة والمغامرة والاندفاعية والشك. وفي مهنة التمثيل تزداد القدرات والصفات الإيحائية مما يساعد على تقمص الممثل أو الممثلة للدور الذي يقوم به. وتزداد لديهم أيضا صفات النرجسية وحب الظهور ومثلهم في ذلك المغنون.
وتتطلب المهن العلمية والبحث العلمي درجات من الانطوائية والبرود الانفعالي والتفكير الذاتي والصبر والمثابرة. وفي المهن الرياضية تزداد صفات الاستعراض الجسدي والتنافس والعدوانية والنرجسية.
الشخصية وسوق العمل
وفي الجانب الآخر، فقد بينت الدراسات أهمية صفات الشخصية وميولها وقدراتها ومدى ملاءمتها لمهنة معينة واستبعاد مهن أخرى لا تلائمها، مما ساهم في تطوير قياس الشخصية واختباراتها، وفي ظهور أخصائيين ومراكز للتوجيه النفسي المهني.
وتمت تطبيقات ذلك بنجاح في سوق العمل والجامعات والمعاهد الفنية وغيرها. مما يعني أن ممارسة الشخص لمهنة تتناسب مع قدراته وصفاته تعتبر أساسية في نجاحه وتكيفه المهني وفي صحته النفسية أيضاً.
والحقيقة أنه نظرا لتغيرات سوق العمل وانتشار البطالة والاضطرار إلى ممارسة أي عمل متوفر، فإن النظريات والدراسات المتعلقة بالشخصية والاضطرابات النفسية والمهنة قد واجهت صعوبات إضافية في فهمها للاستعدادات والقدرات المرضية والتكيفية على حد سواء مما أدى إلى تغير النتائج وتناقضها في بعض الأحيان.
ومثلا فإن التنقل من مهنة لأخرى مع وجود فترات من البطالة أصبح جزءا طبيعيا ومألوفا من الصورة العامة للقوانين الاقتصادية السائدة في عصرنا الحديث. ويحدث ذلك في كثير من الحالات بشكل إلزامي وليس اختياريا من قبل الفرد. وبينما يعتبر المفهوم النفسي التقليدي أن تغيير المهنة باستمرار يدل على الفصام أو الهوس أو أنه دليل على وجود صفات الشخصية المضادة للمجتمع


