لم يمض على زفافهما سوى شهرين فقط حتى باتت الزوجة تشكو من ألم عند الركبة. وسارع الزوج لعرضها على الأطباء الذين قللوا من أهمية الألم وقال البعض ان هذا «دلع عرايس» لكن لم يدر الزوج والزوجة حديثا العهد بالحياة الزوجية أن صدمة كبيرة كانت بانتظارهما، فقد شخّص أحد الأطباء حالة الزوجة على أنها إصابة مبكرة بسرطان العظام وقال انها محظوظة لأن الحالة المرضية لم تنتشر لتصل إلى أي مكان آخر سوى الركبة.
بدأت رحلة المعاناة في ديسمبر العام 1991 واستمرت حتى العام 2004 حينما شاء الله لهما أن يلتقيا بطبيب جراح في دبي أعاد جزءا من السعادة إلى حياة الزوجين. فلولا مشيئة الله ومهارة الطبيب لكانت الزوجة الآن بساق واحدة بعد أن نصح الأطباء ببترها.
الزوج: لقد بدأت تشعر بألم موضعي خفيف في ديسمبر العام 1991 في الجزء العلوي من قصبة الساق اليمنى. وفي بعض الأحيان تجاهل الأطباء هذا الألم وقالوا انه طبيعي، وهذا ما حدث في البداية. راجعنا العيادة الطبية وأعطاها الطبيب البروفين أو مسكنات خفيفة مثل البانادول وأدوية مسكنة أخرى.
استمر هذا الوضع على ما هو عليه لأسابيع واستمر شكوى زوجتي من الألم الموضعي، وعلى حين غرة أثيرت الشكوك في رأسي وتوقعت أن شيئا غير طبيعي يحدث. وصممت من جانبي أن تخضع لتصوير الأشعة، وهذا ما حدث فعلا وعندما تم أخذ الصورة لم يكن أمام الطبيب سوى خيار واحد وهو تحويل زوجتي مباشرة إلى المستشفى. وهناك تم تقويم حالتها الصحية وبداية تم تشخيص حالتها على أنها ورم حميد. وتم في الحال أخذ خزعة من ركبتها لدراسة نوع الورم وجاءت النتيجة أنها ورم حميد. وتسارعت الأمور بعدها.
ما دفعني للتخوف منذ البداية هو ذاك الألم المستمر الذي كان يعاود زوجتي ولا يريد أن ينتهي. والحقيقة فإن زوجتي كانت محظوظة لأن القلق الذي ساورني دفعني للإصرار على أخذ صورة أشعة لها، وهو ما أنقذ حياتها في السنوات التالية. بعد تشخيص حالتها تماما تأكد للأطباء أن شيئا ما ليس على ما يرام.
- في أية مرحلة اكتشف الأطباء أنها مصابة بالورم الخبيث؟
بداية تم تصنيف الحالة المرضية على أنها ورم حميد وتم نصحها بأن تخضع لعملية جراحية. وخضعت لعملية جراحية وعاد وضعها طبيعي خلال ستة أشهر. فقد أزالوا الورم ولكن لسوء الحظ ما لبث الورم أن عاد بعد مرور عام بالتحديد وبات ينمو بسرعة مذهلة حتى وصل إلى عشرة أضعاف الورم السابق، وبدأ الأطباء يتهامسون حول احتمال أن الورم قد تحول في هذه المرحلة إلى ورم خبيث.
في العام 1994 أو العام 1995 حدث أننا قررنا إجراء عملية أخرى تجميلية للساق وهي جراحة لإعادة بناء العظام.
ولكن تلك العملية لم تفدنا فائدة كاملة. وفي إحدى المرات اضطررنا للتوجه إلى أوروبا لتكملة الإجراءات الجراحية. ومكثنا هناك مدة 54 يوما. وما استفدنا منه حقيقة هو التخلص من العدوى المرضية لكننا لم ننجح في عملية إعادة بناء الساق. ولم يقم الجراحون سوى بإعادة العملية الجراحية السابقة.. ولم يعد العظم على سوية واحدة، وشعرت حقا بقلق شديد إزاء ما حدث. ولكنني حمدت الله أن العدوى انتهت وكانت العدوى عبارة عن تلوث بكتيري وحدثت العدوى أثناء وجود زوجتي في غرفة الجراحة، وهو ما يحدث عادة حتى في أفضل المستشفيات.
وتمت معالجة الإصابة، وأحمد الله أن تلك كانت إشارة تفاؤل عندما بدأنا نكسب جولة في معركتنا ضد المرض. وعدنا فرحين بما أنجزناه ومنذ العام 1997 عاشت حتى العام 2004 قصبة سائبة منفصلة ومنقسمة إلى جزأين وهو ما جعل القسم السفلي من ساقها رخوا. وكانت خلال تلك السنوات ترتدي حاضنة على شكل جراب طويل تغطي ساقها من أعلى الفخذ حتى أسفل القدم. وعانت أيضا الكثير منذ العام 1995-1991 وساقها داخل الجبس على أمل أن تشفى ويلتئم العظم.
ولما عدنا من أوروبا، وبعد رحلة علاج طويلة، كان لا يزال الجزء السفلي من الساق يأبى أن يجبر. وكان العام 1997 الأخير الذي قمنا فيه بزيارة أوروبا للعلاج. وعلى الرغم من إزالة العدوى المرضية بات الأطباء يرددون كلمة البتر مرارا وقالوا ان البتر هي الحل الوحيد لكن زوجتي صممت ألا تقطع ساقها وكانت تقول وقتئذ «لقد منحني الله هذه الساق، وسأواصل العيش بها وسأموت بها. إذن ما حدث في الحقيقة هو شجاعة،
كانت حالها قد تحسنت في ذلك الحين عندما قرر الأطباء أن البتر هو الأفضل. ولا بد من أن تتخذ بدلا منها ساقا اصطناعية. وأدى إصرارها على الإبقاء على ساقها أن من الله عليها بالعثور على طبيب مناسب أنقذها بالكامل مما فيه من معاناة، وقبيل اللقاء مع الدكتور كريس ويتلي كان أمامي خيارات، حيث عرض بعض الأطباء بتر ساقها، فأصبت بحالة من الهلع ومنحت نفسي خمسة أشهر للتفكير بالمسألة. وقال الطبيب سينمو ألمها وأعطى الكثير من المبررات لبتر ساقها.
وصدقني لقد انتظرت خمسة أشهر وعندما قررت القبول بعملية البتر حدث كل شيء بمشيئة الله حيث التقيت بأحد أصدقائي ( طالب لديه) كان أصيب بكسور في حادث وعالجه الدكتور كريس وشفي تماما وأوصى بأن نزوره في عيادته. والتقينا بالدكتور كريس في عيادة الدكتور كريس وكان مشغولا جدا. وبدأنا نفكر بما ينبغي القيام به.
وأذكر أنه أعطانا موعدا هو السادس عشر من مايو 2003 لإجراء أول عملية جراحية. والحقيقة كنا ذهبنا لعيادة الدكتور كريس لاستشارته حول مسائل ليس لها علاقة بجراحة كبيرة. ولكن الدكتور كريس كان الرجل الذي قام بكل التحديات، والحقيقة أنني منذ عرفته وأنا أقدر فيه العنفوان والرغبة في التحدي وتحقيق ما لم يستطع الآخرون تحقيقه وخلال زيارتنا الأولى له قال مخاطبا: «انتظر أريدك أن تأتي لعيادتي».
وفي الواقع عدنا إلى عيادته وكانت رغبتي في أن يقوم بوصل العظم المنفصل عند قصبة الساق اليمنى وكانت ساق زوجتي قد نقصت 13 سنتيمترا عن الساق الثانية. وقلنا بداية لو تمكن من وصل العظم فهذا يكفي وسنكون سعيدين ولن نمانع لو أنها عاشت حياتها على عكازين بعد ذلك،
لكن المهم هو أن تبقي على ساقها. ولكن جواب الدكتور كريس كان «لا !!» لقد أراد أن يقوم بعمل آخر وهو ما أثار فزعي. لقد قال «أريد أن أقوم بوصل عظم القصبة ومن ثم وفي وقت واحد أريد أن أطيل الساق 12 سنتيمتراً حتى تصبح الساقان بطول واحد عند ملامستهما للأرض. والحقيقة أن الدكتور كريس كان يمتلك الخبرة الكافية لتحقيق ذلك.
- يكيف كان الوضع في البيت خلال تلك المعاناة؟
هل كانت تقوم بواجبها كزوجة وكأم لطفلين أم أن المرض أقعدها؟
الزوج: لم تكن الأمور سهلة كما يمكن أن يتخيل البعض. لكن لم يفت المرض في عضدها أو يقعدها، بل أنها واصلت حياتها بصورة روتينية وطبيعية. أخذت تعمل بجد سواء كانت واقفة على ساقيها أم جالسة. وكانت تقوم بكل واجباتها كأم وكزوجة. وكانت دائما ترفض القعود والكسل، رغم معاناتها. وللحقيقة والواقع فإن أسرتي وأسرتها رضوا بما آلت إليه الأمور. وقال الجميع ذلك هو واقع الحياة ولا بد من الخضوع لعامل الظروف القاهرة.
ولم يتأخر أحد من الأهل والأصدقاء عن مد الدعم لنا. والحقيقة فإننا لم نكن نعتبر المرض لعنة ربانية بل نعمة، لأن الله أراد اختبار إيماننا به وأنه هو الشافي. ولذلك وضعنا إيماننا بالله وكانت ثقتنا بالله كبيرة. وقد فعل كل المحيطين بنا كل ما بوسعه لمساعدتنا وتوفير الدعم الممكن لنا. ولم نشعر قط أننا متجهون إلى أسوأ الأمور ، والحقيقة أن إيماننا بالله هو الذي قوى من عزيمتنا على الصمود كل تلك السنوات.
لقد التقى رئيسي في العمل بي في يوم من الأيام واستفسر عن حالة زوجتي. لقد قدم لي هذا الإنسان الكريم الكثير والدكتور كريس يعلم ذلك. وساعدني صديق آخر في تلك المحنة وقد توفي قبل شهرين. رحمه الله فقد كان كريما معي. وأشكر أيضا كل الأشخاص الذين قدموا لي الدعم المعنوي.
