رغم إصابتها بسرطان العظام فإنها تمشي

رغم إصابتها بسرطان العظام فإنها تمشي

صورة

من أخطر ما يتعرض له الإنسان الإصابة بسرطان العظام التي قد تدفع الطبيب الجراح إلى الاضطرار لبتر عضو بكامله لتخليص المريض من احتمال انتشار المرض السرطاني إلى باقي جسمه وبالتالي التسليم بأمره والوفاة الحتمية. خلال العقد الماضي عانت سيدة من إصابة سرطانية أدت إلى بتر ركبتها، واضطر الأطباء إلى هذا الحل الجراحي خشية انتقال المرض إلى أنحاء جسمها.

سينا المرض لم يتوقف هنا بل تحول إلى معاناة دائمة، حيث لم تكن السيدة خلال عشرة أعوام قادرة على المشي بسبب كسر مزمن في القصبة وهو ما جعل هذا الجزء رخوا ينثني كلما حاولت الحركة. واستمرت معاناة السيدة إلى أن وفقت إلى التعرف على الدكتور كريس ويتلي، وهو واحد من كبار جراحي العظام في دولة الإمارات العربية المتحدة، والذي أجرى العملية في المستشفى الدولي الحديث في دبي، في اليوم الأول من زيارة المريضة لمركز دبي للعظام والمفاصل في أبراج الإمارات في شارع الشيخ زايد قرر الدكتور كريس قبول علاج السيدة وتصحيح وضع ساقها الذي كان سيبتر بعد خمسة أشهر نتيجة لتراكم المشكلات المرضية التي بدأت في العام 1991 بعد زواجها بشهرين.

لقد قرر الدكتور كريس تخفيف المعاناة عن السيدة بأن يقوم بإطالة الساق التي نقصت 13 سنتيمترا لمساواة طولها بطول الساق السليمة اليسرى كما قرر بإن يقوم بعملية وصل لعظم القصبة المكسور والمنفصل. «الصحة أولا» التقت بالدكتور كريس ويتلي الذي تحدث عن الإجراءات الجراحية التي قام بها لتصحيح وضع الساق. بعد بضعة أسابيع عادت السيدة وبات واضحا أن ساقها أصبحت سليمة وداست على الأرض على كلتا الساقين اللتين أصبحتا متساويتين طولا.

وأكد الدكتور كريس أن العكاز الذي تستخدمه هو لحمايتها من السقوط حتى يكتمل بناء العظم بالكامل لتمارس المشي بصورة طبيعية. ولكن بقى شيء واحد وهو أن منطقة الركبة المبتورة بقيت كما هي ريثما تأتي الظروف المواتية لتركيب ركبة اصطناعية خاصة والدكتور كريس هو طبيب جراح متخصص في جراحة الركبة.

كيف بدأت السيدة معاناتها، وما هي المشكلة المرضية التي كانت تعاني منها؟

بدأت قصتها عندما أصيبت بورم سرطاني في الركبة ولم تنجح كل المحاولات لعلاج الحالة السرطانية وخضعت لسلسلة طويلة من العمليات وفي النهاية نجح الطبيب في التخلص من الحالة السرطانية لكن ذلك كلف المريضة ركبتها التي أزيلت بالكامل. والواقع أنه في مثل تلك الحالات المرضية لا بد من إزالة منطقة عظمية بالكامل. مهما كانت تلك المساحة العظمية، وذلك خشية انتشار السرطان إلى باقي مناطق الجسم. ولهذا السبب يضطر الطبيب الجراح إلى بتر عضو بكامله لكبح جماح المرض السرطاني وعزله تماما عن باقي الجسم.

لكن لماذا لم ينتشر السرطان عند تلك المريضة إلى باقي الجسم ؟

لقد كانت المريضة محظوظة وكان السرطان الذي أصيبت به ركبتها من النوع الذي لا ينتشر عادة إلى مناطق أخرى في الجسم. لكن بعض الأنواع السرطانية الأخرى خطير للغاية وهو ينتشر بسرعة إلى باقي الجسم ويمكن أن يكون قاتلا. لقد رأيت حالات منها انتشار سرطان العظام إلى الثدي عند إحدى المريضات.

ونبدأ بعلاج سرطان الثدي أولا ثم نعود إلى العظام. وتعتقد في بعض الحالات أن سرطان الثدي شفي لتكتشف أن السرطان امتد إلى العظام. ولكن في بعض الحالات الأخرى نعالج العظام لنكتشف في النهاية أنه انتشر وامتد ليصل إلى الثدي. لكن في حالات أخرى يبدأ السرطان في العظام ويستقر هناك دون أن ينتشر، وهي الحالة التي تشخص مريضتنا الحالية.

في بعض الحالات نستخدم الجراحة ولكن في حالات أخرى نستخدم العلاج بالأشعة أو المواد الكيماوية. ويعتمد ذلك على نوعية السرطان الذي نقوم بعلاجه. ولكن في كثير من الحالات ينتشر السرطان على الرغم من كل ما نفعله لشفاء المريض. وعندها تبدأ المشكلات.

الشعور بالرضا

وبالنسبة لحالة مريضتي الحالية فقد أزال الأطباء أجزاء كثيرة من الساق، وعندما قررت القيام بعمليات لتصليح وضع ساقها كان العمل الذي قمت به نوعاً من التحدي ولذلك أشعر الآن بالكثير من الرضا والسعادة لأنني غيرت مسار حياة سيدة بالكامل. فبعد أن كانت ساقها ستبتر باتت اليوم ساقها سليمة وقادرة على الاحتفاظ بها والسير عليها بصورة طبيعية وستصبح أكثر قوة مع مرور الوقت.

لقد قمنا بانتزاع بعض العظام من حوضها وقمنا بتثبيته في مناطق الخلل وهو ما نفعله في مثل تلك الحالات للتعويض عن العظم المفقود في حوادث أو عمليات جراحية. وقد قمت بعمليات ترقيع عظم في الكثير من الحالات.

وقد نستخدم عمليات الترقيع العظمية كأن نأخذ عظماً من الورك ونضعه في المكان الذي يعاني من النقص، حيث يقوم هذا العظم بمهمة لصق العظام ، ونفضل دائما أخذ العظام من جسم المريض نفسه لأن عملية الشفاء تكون أسرع وأفضل مما لو أخذناه من أجسام آخرين.

وبالنسبة لتطويل ساق المريضة فقد قمت بكسر عظم الفخذ وإبعاد العظم عن بعضه وخلال فترة تجاوزت العام استطاع العظم أن ينتج عظما جديدا متصلاً بعضه ببعض، وهو ما حدث فعلا. لقد قلت للمريضة في البداية ان عليها أن تصبر حتى تشفى فربما تنتظر عاما أو أكثر وهي في السرير لحل مشكلتها.

؟ ما هو الجانب الأصعب في العملية؟

المشكلة كانت أن المريضة لم تكن لها ركبة، وهو ما جعل ساقها قصيرة. كما ستضطر لتطويل الساق حتى تستطيع المريضة المشي مستقبلا على ساقين متساويتين دون عرج. وأعتقد أن الطبيب الذي أجرى لها عملية قبل 10 سنوات واجه مشكلة وهي أن عظم القصبة لم يكن يلتئم لأن الركبة كانت استؤصلت. وفي كل مرة كان الأطباء يحاولون تثبيت العظم كانوا يفشلون وفضلا عن ذلك كان الضغط شديدا على الساق.

ولكننا في هذه الحالة لجأنا إلى تقنية قام الروس بتطويرها وهي الجراحة الليزرية. وقد نجحنا بفضل تلك التقنية في لحم العظم ولم تكن هناك عملية جراحية بقدر ما كان هناك استخدام لليزر.

ما سبب إصابة مريضتك الحالية بسرطان الركبة؟

الأطباء الذين قاموا بعلاجها بداية لم يتعرفوا على أسباب نشوء الحالة المرضية. وأعتقد إنها مسألة حظ ، وأعتقد أنها مسألة قدرية ، وربما الإصابة نتيجة لعوامل وراثية. وعادة ما تشعر المريضة في البداية بألم في مكان الإصابة، وغالبا كما قلت أننا نقوم بعمل صور أشعة، وبعد ذلك نبدأ بدراسة الصور للوقوف على احتمالات الإصابة.

وفي حالة مرضية قمت بفحصها جاءت مريضة تعاني من سرطان العظام. وهي كانت أصيبت بسرطان الثدي وبعد سنوات طويلة انتقلت الإصابة إلى العظام على الرغم من شفاء الثدي. وقالت لي السيدة ان أطباء أبلغوها أنها مصابة بسرطان في العظم. وقالت هي بدورها انها كانت تشعر بألم في الساق.

وعندما قمت بإجراء تصوير بالأشعة للسيدة رأيت ظلالا وتأكد لي بالخبرة أنها إصابة سرطانية. والحقيقة أننا نأخذ أيضا بسيرة المريض الصحية. وعرضت المريضة عليّ عمليات الفحص بواسطة جهاز (ال ك آ ت أو) الكات الذي كشف بالتفاصيل وجود نمو غير طبيعي في العظام. وقبل أية خطوة نأخذ خزعة من النسيج العظمي للمريض. وفي حالة تلك السيدة فحصت تلك الخزعة واكتشفت الحالة المرضية.

في بعض حالات المرضى يأتيك المريض وهو يعاني من ألم في الكتف مثلا ونعتقد في البداية أنه ملخ أصيب به ولكن عندما نقوم بالتقاط صور أشعة لمكان الألم نكتشف وجود إصابة سرطانية في عظام الكتف. والحقيقة أن صور الأشعة يمكن أن تكشف عن وجود أمور كثيرة مفصلة. وقد تكشف الأشعة عن عدم وجود أية إصابة مرضية. وبخبرتك تقول للمريض لا تخف إنها ليست إصابة مرضية. وقد يكون هناك ورم حميد يمكن استئصاله.

وقد لا يكتفي الطبيب بصور الأشعة العادية ويتم تحويل المريض للقيام بسلسلة من الفحوصات مثل عرضه على الجهاز الماسح ( كات) و ( إم آر آي ) ويمكن إخضاعه لفحص دم وأحيانا فإن الطريقة الوحيدة التي يمكنك من خلالها قول الكلمة الفصل هي بأخذ الخزعة قبل القيام بأي عمل جراحي. وأحيانا تضطر أن تأخذ عينة من الركبة عن طريق فتح جرح بسيط وفحص العينة في المختبر. وعندها يقول المختبر الكلمة الفصل. ويمكن أن يكون سرطانا في العظم أو مصدره أي مكان آخر في الجسم.

مثل إصابة سرطانية بدأت في الرئة وامتدت لتصل إلى العظام أو الأمعاء أو البروستاتا. والحقيقة فإن الإصابة السرطانية الناجمة عن سرطان في العظام وامتد إلى الرئتين حالة نادرة. فالدارج أن السرطان يبدأ في الرئتين ثم يمتد إلى العظام.

هل توصل العلماء حديثا لأية عقاقير فعالة لعلاج السرطان؟

بعد اكتشاف الإصابة السرطانية يخضع المريض لبعض أنواع العلاج الفعالة والقوية مثل أدوية العلاج الكيماوية وهي وسائل علاج متوفرة في دولة الإمارات العربية المتحدة. والحقيقة يتوفر في الدولة مركزان لعلاج السرطان الأول في مستشفى توام والثاني في مستشفى دبي. وكلاهما مستشفيان حكوميان.

كما أن هناك استشاريي علاج سرطان في المستشفى الأميركي الخاص الآن وهم يستخدمون هناك أدوية كيماوية فعالة ويحاولون علاج الأمراض السرطانية لمنعها من الانتشار إلى مناطق أخرى في الجسم. والحقيقة أن عملية تطوير الأدوية مستمرة. وبينما هناك بعض الأنواع السرطانية غير قابلة للعلاج فإن بعضها الآخر ممكن علاجه.

لقد كنت معجبا بالدراج أيان آرمسترونغ الرياضي الأميركي المعروف، وقصته مع السرطان عجيبة. فقد أصيب بسرطان الخصيتين وما لبثت الإصابة أن امتدت إلى رئتيه وإلى دماغه. وبعد أن عولج بالأدوية وأجريت لها عملية جراحية نجا من الإصابة وفاز ببطولة العالم لسباق الدراجات . لقد قام بجولة على دراجته شملت كل أنحاء فرنسا وصعد بدراجته المرتفعات الجبلية في أوروبا وتقاعد العام الماضي.

الحقيقة أن هناك اعتقاداً منتشراَ بين الناس أن الرياضة تحول دون الإصابات المرضية عن طريق تعزيز جهاز المناعة. فإذا كان جسمك صحيحا ومعافى فإن احتمال إصابتك بالأمراض تظل ضعيفة، مهما كان المرض.

- هل هناك وسائل للوقاية ضد السرطان، مثل الاعتماد على وجبات غذائية خاصة أو الإلتزام بأسلوب معيشة صحي خال من الأضرار بالجسم؟

أسلوب الحياة الصحية وتجنب التدخين وخاصة الشيشة (الأرجيلة) هو أفضل ما يمكن أن يقوم به الإنسان لوقاية نفسه من الأمراض. ولهذا السبب هناك حملة عالمية واسعة للحد من التدخين. وهناك حملة لمنع التدخين في الأماكن المغلقة. والتدخين يؤدي إلى الإصابة بأمراض القلب كما يتسبب في الأمراض السرطانية وخاصة الرئتين. وهناك أيضا مشكلة التلوث التي تسهم في انتشار الأمراض مثل دخان السيارات ومداخن المصانع كما أن عدم نقاوة الماء يمكن أن يتسبب في إصابات سرطان.

كما على الإنسان أن يشكر والديه صحيحي الجسم لأنهما لم يورثاه أي مرض من الأمراض الخطيرة. ولكن تظل عملية وراثة الحالة السرطانية ليس كما يعتقد البعض، ان إصابة أحد أفراد العائلة الواحدة يعني أن الابن سيرث الإصابة، لكن تلك ليست بالعملية السهلة لأن الإصابة ستكون مرجحة إذا ما توفرت عوامل محرضة على ظهور الإصابة مثل التدخين. وهكذا نعلم أن الإصابة السرطانية تكون وراثية في بعض الأحيان.

- ولكن ما هي المشكلة الحقيقية التي واجهتها مع المريضة الحالية؟

الحقيقة أنه كان هناك جملة أمور أحاطت بحالة المريضة. فقد كانت ساقها تحتوي على مجموعة من الصفائح المعدنية ثبتها جراحون آخرون في العمليات الجراحية السابقة. ولكن وسائل العلاج فشلت. فقد أصيبت كلها بعدوى مرضية جعلت العظم عصيا على الشفاء. ولذلك كان الخيار الوحيد هو بتر الساق للتخلص من جميع أنواع العدوى التي لم تمثل لعلاج طبي.

قال الأطباء للمريضة انها بحاجة لعملية بتر للساق، لكنها أصرت على أن تواصل المعاناة على أن تعيش البقية الباقية من عمرها دون ساق. ولذلك استخدمت الحاضنة أو الحمالة حتى تتمكن من المشي على العكازين ولم يكن أمامها أي خيار آخر.

والحقيقة أن مريضتنا الأخيرة كانت تعاني من مجموعة مضاعفات ناجمة عن المحاولات العديدة التي اتخذت لإنقاذ ساقها. ويمكن أحيانا علاج الحالة بالبتر ولكن لسبب أو آخر يمكن اكتشاف انتشار المرض إلى مواقع أخرى في الجسم. فعلي سبيل المثال فإن الرياضي الكبير الدراج آرمسترونغ نجا في البداية بسبب العلاج الكيماوي والعمل الجراحي وعاش لفترة لكنه ما لبث أن توفي. وهكذا أصيب البطل الرياضي قوي البنية.

ولم يشف تماما وكان الموت له بالمرصاد على الرغم من استئصال الورم السرطاني. في البداية استجاب للعلاج الكيماوي والجراحي وشفي. وكان لايزال بعد شابا يافعا ورياضيا من الطبقة الأولى عندما أصيب.

والحقيقة أن هناك حالات سرطانية عديدة قمنا بعلاجها وتم شفاؤها تماما وأقول نعم إننا قادرون على بذل الجهود للحيلولة دون الإصابة السرطانية إذا كان أسلوب الحياة الذي ننتهجه صحيا. ولكن لسوء الحظ فإن بعض الحالات لا ينفع معها العلاج على الرغم من توفير أفضل أساليب الرعاية الصحية والعمليات الجراحية.

ولكن لا نزال متفائلين طالما أن أعداداً كبيرة من الباحثين والعلماء يقومون بإجراء التجارب لحل مشكلة الإصابات السرطانية لتوفير الفرصة على الناس لعيش عمر مديد. هناك مراكز أبحاث سرطان في الولايات المتحدة الأميركية وكندا وباريس.

وهناك الكثير من العواصم العالمية تحتوي على مراكز أبحاث نأمل في وجودها في دولة الإمارات العربية المتحدة. ولحسن الحظ هناك برامج في مستشفى توام والمستشفى الأميركي وبدأ البرنامج جادا في المستشفى الأميركي فهناك طبيب استشاري متخصص بعلاج السرطان وهناك قبتين في مستشفى دبي تحت سقفهما يعمل العديد من أطباء السرطان وليس لهم أي هم سوى علاج الحالات السرطانية وكذلك القيام بأبحاث على السرطان ويجمع هؤلاء أيضا إحصاءات عن عدد الإصابات وأنواعها للتمكن من إيجاد الحلول لها.

في الإمارات هناك أنواع مختلفة من الإصابات السرطانية وهي شائعة في هذا الجزء من العالم. ولعل أكثر الحالات انتشارا كما في باقي أنحاء العالم سرطان الثدي والبروستاتا والقولون وتتوفر في الدولة مرافق ممتازة للعلاج. وجميعها متخصصة في الإصابات السرطانية. وتبذل جامعة العين ومستشفى توام جهودا غير عادية لإحصاء أنواع الإصابة في الدولة ونسبتها.

وأريد القول انني لست طبيب أمراض سرطانية متخصصاً بل طبيب جراحة عظمية وأقوم بعمليات لاستبدال الركبة وتثبيت العظام المكسورة

محمد نبيل

طباعة Email
تعليقات

تعليقات