مضت حياتي بصورة روتينية أذهب إلى العمل بصورة طبيعية دون أن ألقي بالا إلى ذلك الألم الذي حل دون سابق إنذار. اعتقدت بداية أن المسألة لن تكون سوى «ضربة مكيف» أي نزلة برد مفاجئة حدثت لي عندما دخلت إلى المكتب الذي تحول في الصيف إلى شبه ثلاجة بينما كان العرق يتصبب منن جسمي.

لم أكن قادرا على مراجعة الطبيب لأن جيوبي كانت شبه فارغة من أي نقود، ولجأت إلى جاري الصيدلي الذي سارع إلى وصف ما أصابني، وكنت أثق به ثقة عمياء، نصحني بتناول أدوية خاصة بالجهاز التنفسي معتقدا أنني مصاب بنزلة برد. وحدثتني نفسي بأن الرجل صادق مئة في المئة خاصة وأنني قارنت ذاك الألم الذي شعرت به بحالة أصبت بها قبل عشرين عاما وكان التشخيص وقتئذ التهاب في الشعب الهوائية.

في ذلك الوقت مضت ستة أيام قضيت منها نحو ثلاثة أيام وأنا في شبه غيبوبة، وصاحب المرض سعال تزامن بألم شديد في الصدر، فكنت كلما سعلت شعرت بأن صدري يكاد يتمزق، وكان العرق يتصبب بغزارة، ومضيت لا أدري الفرق بين النهار والليل! وأذكر خلال تلك الفترة أن غذائي اقتصر على الماء،

فقد عافت نفسي كل شيء ما عدا الماء بسبب العطش الشديد الذي كان يصاحبني ويفرض علي شرب الماء بين الحين والآخر، أما الطعام فقد عافته نفسي وهكذا فقد كان الماء غذائي الوحيد، وأحسب أنني فقدت خلال مرضي نحو عشرة كيلو غرامات أو أكثر.

حالة مختلفة

لكن في هذه المرة كان الأمر مختلفا. لقد سارت الأمور على نحو لم أعهده من قبل. فلم أكن أمشي أكثر من مئتي متر حتى أشعر بالإرهاق وأدركت في تلك الأيام أن شيئا ما قد حصل، فالألم غير طبيعي كما أنني كنت أشعر بالإرهاق الشديد والرغبة في الجلوس والاسترخاء كلما كنت أسير لمسافة ولو كانت قصيرة، مع مصاحبة ذلك لألم شديد وسط الصدر. لقد كنت يوميا أمارس رياضتي المفضلة منذ الصغر وهي رياضة تحتاج جهدا كبيرا فضلا عن المشي لمسافات طويلة.

لقد كنت ألكم كيس الملاكمة نحو ربع ساعة متواصلة دون أن أشعر بأي تعب من أي نوع. وتساءلت بيني وبين نفسي هل يمكن أن يكون الصيدلي صادقا. وترددت كثيرا في تناول كل جرعات الدواء لأن الألم في صدري لم يخف على الإطلاق، واعتقدت أيضا أن ثقل الوزن يؤثر أيضا على تلك المتاعب التي كنت أمر بها، وخاصة أن وزني قبلها كان نحو سبعين كيلوغراما، وهو الآن زاد بصورة مفرطة ووصل إلى 114 كيلوغراما، وهي زيادة تشي بأنني مقبل على مرحلة صحية غير مرضية.

غصة في الحلق

وأذكر أنني قبل تلك الإصابة مررت بمحنة شديدة أكاد أروي جانبا منها لأهميتها أيضا في تدهور حالتي الصحية وتصاعدت الحالة لتصب جهدا نفسيا شديدا.

فقبل ثلاثة أعوام تلقيت مكالمة هاتفية من والد زوجة أخي يرجوني فيها أن أحضر فورا لأن أخي في المستشفى وهو مرهق جدا ويعاني من أزمة قلبية حادة. وبالطبع وكتصرف عادي طرقت باب مديري استميحه عذرا وأطلب منه السفر إلى بلدي لأن حالة أخي الصحية خطيرة وتستدعي حضوري لأقف إلى جانبه كوني أنا شقيقه الأكبر، ولكن مديري خاطبني قائلا «كلنا مرضى، نحن أيضا مرضى، هناك مهام كبيرة في العمل ينبغي انجازها، ولن أستطيع إعطاءك أي إجازة!» فقلت «لنفترض أنني مرضت وأصبت بتعب شديد ما اضطرني لأخذ إجازة فماذا تفعل؟» فهمهم مغاضبا «لو حصل فده فرج ورحمة، ولكل حادث حديث». عدت إلى مكتبي وواصلت العمل.

مضى يومان على تلك الجدلية العقيمة وتلك الكلمات المتوسلة التي سقطت على صخر أصم. في صبيحة اليوم الثالث رن جرس الهاتف والتقطت السماعة وإذ هي من والد زوجة شقيقي أيضا يخاطبني وكأن مكروها كبيرا وقع وقال والغضب باد في نبرات صوته وحدثني بصوت فيه إفراط في قسوة الكلام، معتقدا أنني لا أبالي،

فقال «شقيقك الآن في حالة غيبوبة، وهناك احتمال أن يتوفى في أية لحظة». اتجهت ثانية إلى مكتب مديري أتوسل إليه أن يمنحني إجازة لأن وضع أخي في خطر، وكرر موقفه الرافض قائلا بصلف «كلنا حنموت» تركت مكتبه وأنا ألعن تلك اللحظات التي جعلتني أعمل مع ذلك الإنسان الذي تجرد من إنسانيته تماما ولم ير في الآخرين سوى خدما لمصالحه.

عدت إلى مكتبي ومضت خمس عشرة دقيقة رأيته يفتح باب مكتبه ويتجه إلي وقد بدت على ملامح وجهه علامات اللؤم والمكر الشديدين وخاطبني بكل قلة أدب وصلف قائلا «إنني لن أتحمل وبال وفاة شقيقك يمكنك أخذ إجازة لمدة أربعة أيام!».

لم أصدق ما كنت أسمعه ولم أحاول إظهار أي رد فعل غاضب فقلت بيني وبين نفسي أحمد الله على ذلك. وفي اليوم ذاته كنت على متن الطائرة التي أقلتني إلى بلدي. حطت الطائرة الساعة الخامسة والنصف صباحا وهرعت إلى أول سيارة أجرة أستقلها إلى منزل شقيقتي التي كانت مستيقظة وطمأنتني أن صحة شقيقي مستقرة. وقالت انهم لن يسمحوا لك بزيارة شقيقك في هذه الساعة المبكرة من الصباح.

في تمام الساعة الحادية عشرة جاء النبأ المؤسف حيث قالت الممرضة على الهاتف ان شقيقي فارق الحياة في الساعة العاشرة صباحا، هرعت إلى المستشفى وكلي ألم وحرقة على فراق شقيق الذي لم أتمكن من رؤيته حيا. أحسست بغصة وألم في صدري وكدت أختنق عندما سمح لي برؤيته ممددا في الثلاجة وكانت بجواره فتاة جامعية دهستها سيارة ووضعت في الثلاجة ريثما يتم التعرف على أهلها. أي أنها نقلت من بوابة الجامعة إلى الثلاجة في المستشفى. قلت لو أن مديري سمح لي بمشاهدة أخي كنت رأيته على الأقل حيا قبل أن يودع أمانته.

تلك اللحظات المؤلمة كانت البداية، والأسوأ من ذلك أنني عندما عدت تسلمت رسالة في اليوم ذاته ولما فتحتها رأيت المدير العام وقد وجه لي رسالة إنذار أخير بالفصل من العمل إن أنا تأخرت عن عملي. والحقيقة أنني تأخرت عن العمل ثلاثة أيام إضافية بسبب العزاء والتقاليد المحيطة بالوفاة في بلادنا، خاصة انني الأخ الأكبر في العائلة.

والحقيقة أنني بدأت أعاني من ألم شديد في الصدر ولكن حسبت أنه ناجم عن التهاب في الشعب الهوائية. وما ان جاءت الإجازة الصيفية ورجعت خلالها إلى بلدي لرؤية شقيقتي حتى بدأ الألم يعاودني بشدة. وقمت بزيارة أحد الأطباء الذي أكد لي أنها نزلة صدرية. ووصف لي دواء، لم يترك أي اثر جيد على صحتي بل أصبح الألم مزمنا.

لم أقتنع بكلام الطبيب بل أشارت علي زوجتي بضرورة مراجعة طبيب متخصص بأمراض القلب في عيادته. وبعد فحص كثيف أشار علي بضرورة القيام بقسطرة. وبعد عملية بسيطة قال الطبيب ان لدي انسدادا كاملا في الشريان التاجي الذي يؤدي مع مرور الأيام إلى سوء تروية في القلب، فضلا عن وجود انسدادات أخرى في ثلاثة شرايين أخرى. وبدأت المفاصلة. فعملية القسطرة مكلفة وحسب الطبيب حسبته وقال أنها تكلف نحو 35 ألف درهم. وحدث زوجتي قائلا ان حالتي الصحية خطرة لأن لدي انسدادات عدة.

بعد الموافقة على دفع المبلغ على إثر حالة الفزع التي حلت بزوجتي نتيجة للتشخيص أعادني الطبيب إلى غرفة العمليات.

في غرفة العمليات كانت تجربة متعبة ومثيرة للفزع إلى حد كبير وهي التجربة الأولى في حياتي التي أدخل فيها غرفة مزودة بتجهيزات لإجراء عمليات خاصة بالقلب. وما ان وصلت إلى حجرة العمليات لاحظت أن الغرفة المجاورة لها كتب عليها غرفة عمليات القلب المفتوح ورجوت الله ألا يكون مصيري مستقبلا تلك الغرفة الكئيبة.

وفي غرفة عمليات قسطرة القلب كانت درجة الحرارة منخفضة للغاية وفي البداية شعرت برعشة شديدة في بدني وهدأت عندما تكيف جسمي مع البرودة. وقد بدأت العملية من قبل طبيبين حيث قاما بفتح جرح في أعلى الفخذ وثبت بصري على لوحة زجاجية تنقل ما يفعله أنبوب القسطرة وخلال ساعتين كان بصري ينتقل ما بين الطبيبين والشاشة التي تنقل صورة القلب النابض والأنبوب الذي كان يتحرك كأفعى رفيعة تتلوى هنا وهناك.

شاهدت وجوما غريبا على وجه الطبيبين ولاحظت أنهما يتهامسان من حين لآخر، لكنهما بقيا منهمكين في عملهما، خلال ذلك لاحظت إلى أنهما كانا يدعوان الله أن يخفف عني وينقذني مما أنا فيه. وانتهى نصف الساعة الأخير من العملية عندما أشرق وجها الطبيبين وقالا احمد الله أنه نجاك. لقد حاولنا طوال الوقت السعي لفتح الشريان، لكنه كان عصيا وأخيرا وفقنا الله إلى ذلك، وقال أحدهما لا شك أن الله يحبك لأننا كنا بصدد إغلاق الجرح وإنهاء العملية. فاحمد الله أن الأمور تمت على هذا النحو.

خرجت من غرفة العمليات وقال الطبيب ان الجرح لن يغلق لأن هناك عملية أخرى لوضع دعامات في شريانين بينما سيفتح الثالث بالبالون، وأشار إلى أن مواصلة العملية فيه خطر على حياتي.

انتهت العملية ظهرا، وفي الخامسة مساء تمت إعادتي إلى غرفة العمليات من جديد ومرة أخرى تعرضت لمحنة البرد الشديد في غرفة العمليات في الدقائق العشر الأولى، واستمرت العملية نحو ثلاث ساعات بعدها خرجت من غرفة العمليات خائر القوى لكنني لم أقدر على النوم. وطلب مني الطبيب ألا أحرك فخذي بسبب الجرح خشية التسبب في نزيف الجرح في أعلى الساق. وفي الوقت نفسه أدخلت الممرضة إبرة في ظاهر يدي لتمرير المميع لمنع حدوث تجلطات قد تعرض حياتي للخطر.

قائمة من الممنوعات

بعد يومين خرجت من المستشفى، لكنني بقيت أعاني من المنطقة التي تم تجميدها وتمرير أنبوب القسطرة من خلالها وطلب مني الطبيب أن أمشي لمدة نصف ساعة بعد يومين من العملية، على أن أضاعف المدة تدريجيا حتى تصل إلى ساعة ونصف الساعة يوميا.

زال الألم من صدري بعد عملية القسطرة فورا ولكن الطبيب كتب لي قائمة من الممنوعات التي ينبغي تجنبها خاصة الحليب والجبنة بكافة أنواعها فضلا عن القشدة والزيوت والدهون الحيوانية المسببة للكولسترول بكافة أنواعها وطلب مني أن أراقب الكولسترول دائما وأن أخفف وزني لتأثير زيادة الوزن على تراكم الشحوم على شرايين القلب. وقال إذا لم تفعل ذلك فستعود إلى غرفة العمليات وأخشى أن تكون العملية أخطر في المرة المقبلة. وأضاف قائلا «إذا كنت تريد العيش من دون أية علة في قلبك فحافظ على غذائك الصحي وامش كثيرا».