رغم أن البيت يعد المكان الآمن الذي يلجأ إليه الإنسان بعد يوم عمل مضن، إلا أن طبيعة الحياة المعاصرة قد حولته إلى مكتب، حيث بات العمل وضغوطه المتزايدة تنتقل إلى البيت.

وبالطبع ليس بالضرورة أن يحمل الشخص أوراق العمل لمتابعتها في البيت، حتى نقول إن البيت بات بمثابة المكتب، بل إن الكثير من الأشخاص يحملون العمل معهم أينما حلوا، حيث نراهم جالسين مع أفراد أسرتهم ولكن تفكيرهم محصور في العمل، وفي كثير من الأحيان إذا ما تحدث أسهب في الحديث عن العمل، وسلبياته، وإيجابياته، وخوفه المتزايد من فقدان الوظيفة، والمؤامرات الكيدية، وعلاقته مع الزملاء، ومع رئيسه في العمل، الذي يسلم عليه تارة بحرارة،

حيث يعتقد أن الترقية قد باتت وشيكة، وفي كثير من الحالات يسلم عليه ببرود، وكأنه يريد تجاهله، وحينها تبدأ الشكوك والخوف من رسالة التفنيش، التي سبق أن استلمها البعض من زملائه رغم أنهم كانوا مخلصين في أعمالهم، وتعثرت حياتهم فيما بعد، وغرقوا في التزامات مالية، وعانوا جراء ذلك الأمرين.

وأثناء الحديث العائلي عن العمل، يمكن للزوجة أن تخفف من حدة الضغوط النفسية الناجمة عن العمل، ويمكن أيضاً أن تزيد من تلك الضغوط التي قد تصل بالزوج إلى حد الانفجار.

ويوماً إثر يوم، يبدأ الزوج بنقل مجريات العمل داخل المكتب إلى البيت، فهو إن سكت ستسأله الزوجة، عن رئيسه وعلاقته معه، وعن الزملاء الذين يضايقونه، أو الذين يدبرون له المكايد. وإن تكلم قد تطلب منه الإسهاب، من أجل مساعدته في فهم آلية العمل، وتدبير حل لهذه المشكلة، التي باتت تؤرق الزوج والزوجة ليلاً. فالزوج لم يعد ينام النوم الهانئ كما كان أولاً، وكثيراً ما تصحو الزوجة، ربما لحلم مزعج أو لحل خلاف قد طفى على السطح. وتمتد هموم العمل لتلامس الأطفال الذين قد يبادرون إلى التعليق أو طرح الحلول حسب أعمارهم.

وللأسف نقول إن مسلسل نقل هموم العمل إلى البيت، إن بدأ لن ينتهي.

لهذا فمن المهم جداً أن يتم الفصل بين البيت وهمومه، والعمل وضغوطه، فالشخص بمجرد دخوله إلى مكتبه يجب أن ينسى همومه تماماً، من أجل أن يبدع في عمله، وحتى يبدع في عمله لابد أن تتوفر له التربة الخصبة المناسبة داخل العمل من راحة مادية ونفسية، وإن دخل البيت عليه أن يترك العمل في المكتب لأن البيت للراحة، ولأفراد العائلة حق أساسي التمتع بالراحة، والشعور بالسعادة والأمان داخل المنزل.

ومثل هذا الأمر ليس سهلاً، ولكنه ليس بالأمر المستحيل، إذ بالتدريب يمكن للشخص أن يتقن فن إدارة الحياة وتنظيم الوقت، والتخلص من المخاوف المبالغ بها، وإعادة تدبير أموره في كل من العمل والبيت.

إنها دعوة من أجل حياة أجمل في كل من البيت والعمل