فيما سبق كانت الحياة رغم بساطتها أجمل، والابتسامة أصدق، والضحكة الرنانة كانت تصدر من الأعماق. فأجدادنا لم يكن لديهم العديد من المشكلات التي تواجههم، فعلى سبيل المثال كانوا يتمتعون بكل شيء يرونه أثناء سيرهم إلى أماكن عملهم، وكانت لسعة البرد تثير في دواخلهم المشاعر الإيجابية وتزيدهم التحاماً ببعضهم، دون أن تراودهم فكرة الهروب نحو الذات الضيقة.
أما اليوم، فإن التوتر يرافق كل واحد منا منذ الصباح وحتى أثناء النوم، فالشوارع مزدحمة، وردود فعل الموظفين ملتهبة، وبات كل شيء يصيبنا بالتوتر، ابتداءً بتوصيل الأطفال إلى المدرسة، والنقاش مع الزوجة، وضجيج الشارع، والفواتير، وعلى ذكر الفواتير، فيما سبق كانت طلة ساعي البريد تحمل بين طياتها المشاعر الإيجابية، وترقب الأخبار من شخص عزيز،
أما اليوم فإن صندوق البريد ـ رغم أنه يمتلئ بالرسائل ـ إلا أنها للأسف تعتبر مصدراً للتوتر، لكونها مرسلة أساسا من قبل البنوك، وهيئة الماء والكهرباء، والاتصالات، وصار الواحد منا يخشى أن تصله رسالة من قبل ساعي البريد، وأقصدـ الفراش في المؤسسة ـ لكونها في 80% من الحالات قد تكون رسالة تفنيش، فصار الفراش أو ساعي البريد، وصندوق البريد من المصادر الأساسية للتوتر. والشعور بالقلق المرتبط بالغموض، وعدم وضوح الهدف ـ لكونه قد يكون غير محدد أساساً.
والقلق والتوتر والخوف من المشاعر السلبية التي لا تضعف صحتنا النفسية، بل الجسدية أيضاً، حيث تؤدي للسكري وأمراض القلب والأوعية الدموية، والاكتئاب، والاضطرابات الهضمية، وغيرها من المشكلات الصحية التي لم يكن أجدادنا يسمعون بها. لأن البساطة كانت سمة من سمات حياتهم، ولأن الفرح كان حقيقياً، فمشاعرهم الصادقة وتكافلهم مع بعضهم البعض، ليس على مستوى الأسرة فقط، بل على مستوى الحي والمنطقة السكنية كاملة.
أما اليوم فنحن مشحونون بالضغوط العصبية، وكل واحد منا يستجيب لضغوط الحياة بطريقة مختلفة، لكن معظمنا يستجيب لها بشكل سلبي، فنحن نبالغ في جدول أعمالنا ومهامنا اليومية، هذا إذا كنا منظمين، ونضع أمامنا أهدافاً غير قابلة للتحقيق، ونقود سياراتنا بسرعة، حرصاً على الوقت، رغم أننا نهدره في كثير من الأحيان. ونفعل كل شيء باستعجال من الاستيقاظ صباحاً إلى تناول الطعام، وحتى الاستحمام.
وفيما سبق كانت لرشفة فنجان القهوة أو الشاي في الصباح الباكر متعة لا تضاهيها أي متعة. أما اليوم فمشاكلنا الشخصية تؤثر على أعمالنا، وهموم العمل ننقلها إلى المنزل، وباتت الأرقام هي لغة الحديث اليومي، كم تملك، ماذا بعت اليوم وبكم، كم هاتفا لديك، وكم، وكم...؟
وإذا ما كان البعض يستمتع بلغة الأرقام، فإن الغالبية تصيبهم بالضيق، لقد بتنا نشعر ـ رغم حالة انعدام الشعور ـ بأن العلاقات الحميمة، والعلاقات القوية مع الأقرباء والأصدقاء باتت طياً من ذكريات الماضي.. فما الحل؟ إنه ببساطة يتمثل في الوقوف أمام المرآة وقفة الجريء، والإجابة ـ دون مواربة ـ على تساؤلات أساسية، ما هو هدفنا في هذه الحياة، ومن المهم جداً أن نضع أهدافاً واقعية قابلة للتطبيق من أجل التمتع بالسعادة والصحة وتحقيق التوازن المطلوب.
الحكيم