إن للعمل أهمية كبيرة في حياة أي شخص فهو الذي يعطي للحياة معنى وللشخص العامل قيمة في الحياة،ولكن إلى أي حد قد يسيطر عمل الشخص على حياته، ومن الطبيعي أن يكون لكل عمل همومه ومشكلاته وضغوطاته التي لا تنتهي فهل تعد سيطرتها على حياة الشخص وانتقالها معه أينما وجد أمراً عادياً أم أنها حالة مرضية لها أضرارها النفسية والعضوية على هذا الشخص؟

،وهل لها تبعات تنتقل إلى من يحيطون به كأسرته وأطفاله؟، ولما يحمله هذا الموضوع من أهمية عند كل فرد عامل وكل أسرة مستقرة كان للصحة أولا هذا التحقيق لمعرفة أسباب وحالات ضغط العمل وأفضل السبل للوقاية والتعامل مع هذه المشكلة التي باتت تطال الكثير من الناس.

* معاناة يومية... محمد عبد الرحمن موظف في احدى الشركات أجاب عند سؤاله عن الضغوطات التي يواجهها في عمله وعن الآثار الجانبية لها على صحته وعلى أفراد أسرته قائلا:أصبحت أشعر أن العمل ومشكلاته وضغوطه أصبحت جزءاً ثابتاً في حياتي تتنقل معي أينما ذهبت حتى خلال نومي فكم من الليالي كانت مشكلات العمل هي الكابوس الذي يوقظني من سباتي، ناهيك عن تعكير صفو عائلتي في كل يوم تكون مشكلات العمل خلاله قد نالت مني ومن تفكيري حتى ان أفراد عائلتي أصبحوا يتحاشون التعاطي معي في الساعات الأولى من عودتي للبيت، وأصبحت في صباح كل يوم أحس بوهن عام في جسمي على الرغم من ان عملي عمل مكتبي لا يتطلب أي مجهود جسدي وهذه هي حياتي منذ دخلت مضمار العمل.

* حلقة مفرغة... أما علي مصطفى وهو أيضا موظف فلم يكن حاله بأفضل ممن قبله فقد بدأ حديثه عن العمل وضغوطه بقوله: أنا كمن يدور في حلقة مفرغة لانهاية لها فالعمل لا ينتهي وبالتالي همومه ومتاعبه مستمرة معه، ومن المستحيل بالنسبة لي أن أتوقف عن التفكير به فهو يلازمني في كل مكان حتى أن مشكلات البيت أصبحت لا تكاد تذكر بالنسبة لي، وأصبح تأثيره يطال علاقتي مع زوجتي وأبنائي فلا وقت لدي لأعطيه لهم حتى عندما أعتقد أن يوم الأجازة هو لهم يكون يوماً للنوم في محاولة للهروب من المشكلات التي تسيطر على حياتي والتي يعد العمل على رأسها وناهيك عن الضعف الذي أحسه في كل جزء من جسدي والذي لا يجد له الأطباء حلا سوى الراحة من الإرهاق الذي أحياه ولا راحة مع العمل ولا يمكن أن تستمر الحياة بدون عمل فأين الحل؟

* تأثير سلبي

إيمان عبدالله زوجة لموظف وهي أيضا موظفة تقول إيمان عن ضغوطات العمل وتأثيراتها الصحية والأسرية السلبية :نحن عائلة خلقت للعمل وللعيش في جو العمل حتى داخل المنزل بل أن العمل وهمومه باتت تكسر خلوتنا في غرفة نومنا، وأنا أشعر بالأسى على أطفالنا الذين أصبحنا لا نراهم أو نتحدث معهم إلا عند الأكل، فلا وقت ولا فكر صافياً خالياً من مشكلات العمل نعطيه لأطفالنا.

ولكن ليس هناك سبيل فهدفنا تأمين مستقبلهم ولو على حساب صحتنا ونفسيتنا التي نكتم بها تراكمات لضغوط يومية نواجهها في العمل، وفي اعتقادي أن هذه هي الحال عند معظم الأسر التي يكون الزوج والزوجة بها عاملين، وأتمنى أن تفرج أمورنا قبل أن يأتي اليوم الذي نخسر فيه أطفالنا الذين قد نكون لبينا لهم احتياجاتهم المادية والحياتية ولكن قصرنا بإعطائهم حياة أسرية متناغمة.

* قلق وتوتر

أما جمانة الخطيب وهي ربة بيت وزوجة لرجل موظف وطبيعة عمله تجبره على إحضار بعض من أعماله للبيت تقول: أحاول أن أكون إلى جانبه ولكن في بعض الأحيان يفوق الأمر طاقتي واحتمالي فالمرأة لوحدها لا تستطيع إدارة المنزل والأولاد وخصوصا الأولاد الذين تكبر همومهم كلما كبروا وما بالك لو أصبح علينا أيضا تحمل ضغوط عمل زوجي معه فهي مشكلات مرافقة له وحديثه عنها لا يتوقف حتى بت أشعر بقلق عند اقتراب موعد عودته للبيت خشية أن يكون يومه سيئا فينقل غضبه علي وعلى أبنائه وبالرغم من هذا فأنا أعذره فهو يعمل ذلك لأجلنا ولكن للبيت حقوق أخرى احتلت مشكلات العمل مكانها في حياته حتى أصبح يهذي بها أثناء نومه وأصبح قلقي عليه يزداد فصحته في ترد مستمر والمنشطات والفيتامينات أصبحت وقوده في الحياة.

* التوازن هو الحل

وعن كيفية التعامل مع ضغط العمل والحول دون وصول تأثيراته السلبية لأي شخص عامل وأسرته حدثنا د:عامر سعد الدين أخصائي الطب النفسي في مركز دبي لصحة المجتمع قائلا: لكل عمل ضغوطاته الخاصة به، ولأن العمل مرتبط بكسب العيش والرزق فإن الخوف من فقدانه يسبب ضغطا نفسيا على الشخص، هذا من جانب ومن جانب آخر هناك بعض الممارسات التسلطية من قبل المسؤولين في العمل على موظفيهم تؤدي أيضا إلى زيادة وطأة الضغط النفسي والذي بدوره يؤدي إلى ضعف جسدي يسيطر على الشخص الذي يرزح تحت هذا الضغط.

وهناك من الأشخاص من يعطي لعمله الكثير من الجهد والطاقة وهذا جيد ولكن ليس على حساب جوانب حياته الأخرى فللعلاقات الاجتماعية والأسرية دور مهم لعمل تناغم في حياة الشخص وخلق نوع من التواصل والتجديد الذي يبعده عن الملل والاكتئاب، وقد يكون السبب في لجوء البعض إلى الضغط على نفسه في العمل ومحاولة التخفيف من إجازاته المنافسة التي يواجهها في إطار عمله وهذه يمكن علاجها بالتميز بما يمتلكه من موهبة غير موجودة عند غيره ولكل شخص ما يميزه.

وقد يؤدي الرزوح تحت ضغط العمل وجعله الهم الدائم عند الشخص الوصول إلى مرحلة الانطفاء وهي حالة تصيب الشخص نتيجة كثرة العمل وهي تسبق عادة دخوله مرحلة الاكتئاب،ويعد نقل هموم العمل ومشكلاته إلى البيت من أخطر المشكلات التي قد تهز بنيان هذا البيت وتؤثر على كل فرد فيه وخصوصا الزوجة حيث ان العمل لأوقات طويلة والعمل داخل البيت سيأخذ الوقت الذي هو من حق الزوجة والأبناء وسيخلق فجوة بين الطرفين لا تحمد عقباها ولا يمكن علاجها بالهدايا والملاطفات الآنية.

فالمطلوب في هذه الحالة هو العطاء العاطفي والذي قد يظهر عكسه في حال تأثير مشكلات العمل على الأجواء داخل البيت، وقد ينعكس هذا التأثير على شكل صراخ وضرب للأطفال وهو من أسوأ ما يتم ممارسته بحق الأبناء وفي بناء شخصياتهم وسلوكياتهم المستقبلية،أما الحل لهذه المشكلة فهو يعود للشخص نفسه والذي مهما كانت ظروف العمل التي يواجهها فيجب أن يقوم بعمل توازن في حياته وأن يعطي لكل شيء حقه وليكن لعمله وقت ولبيته وقت ولنفسه وقت.

وألا يلجأ للمهدئات بداعي التخلص من ضغوط العمل فهي تؤدي إلى اختلال بيولوجي عند الإنسان إذا لم تؤخذ تحت إشراف طبي وعندما تكون هي الحل الوحيد، وأنصح كل من يشعر أن عمله وضغوطه ومشكلاته قد باتت تسيطر على معظم وقته وعلى واجباته تجاه أهم ركن في حياته وهو بيته، أن يحاول مراجعة حساباته ويعطي لنفسه فرصة للتفكير وإعادة ترتيب وقته، وليعطي الأولوية لمن يفني عمره ويكد لأجلهم فالعمل ليس كل الحياة بل هو السبيل لتأمين حياه كريمة للإنسان وأفراد أسرته.

كرم أحمد