إذا كانت الحروب والزلازل والحوادث الطبيعية تحصد الآلاف سنوياً حول العالم، فإن مرضاً واحداً يوازي هذه الأمور فتكاً منذ سنوات. انه مرض السرطان، «الإرهابي الأول في لبنان» الذي يحصد 5 آلاف ضحية سنوياً. وإذا كانت الحرب اللبنانية حصدت حوالى 120 ألف ضحية على مدى ثلاثين عاما، فإن حوالي 150 ألفاً ذهبوا ضحية السرطان في الفترة عينها.

والسرطان، طبياً، مرض تتكاثر فيه الخلايا من دون ضبط أو نظام ويتلف النسيج السليم ويعرض الحياة للخطر ومن أنواعه: 1- سرطان الرئة 2- سرطان المعدة 3- سرطان الثدي 4- سرطان القولون 5- سرطان عنق الرحم 7- سرطان المريء 8- سرطان الكبد 9- سرطان الأعضاء الليمفاوية.

وتعتبر سرطانات المثانة والرئة والبروستات والأمعاء الغليظة والمستقيم أكثر الأورام شيوعاً عند الذكور مع غياب الإحصاءات الدقيقة المعوّل عليها، بينما يعتبر سرطان الثدي أكثر الأورام شيوعا عند الإناث(حوالى ثلث الإصابات) يليه سرطان الأمعاء الغليظة والمستقيم.

وتتعدد مسببات الإصابة بالسرطان من استعداد جسم المريض بالإصابة بهذا المرض أو قابلية تشكيل المرض وعن طريق التدخين والمواد الكيميائية والإشعاع وبعض الفيروسات والاستعداد الوراثي والأورام الخبيثة. أما الأعراض فتبدأ بظهور ورم في الجسم أو حدوث آلام صعبة للمريض لا تكتشف بالتشخيص العادي إلا بعد إجراء التحاليل والإشعات اللازمة وكذلك نقصان الوزن وتغير الوجه وعدم القدرة على التركيز.

وبعدما يتم تشخيص المرض يبدأ الأطباء في التشخيص النهائي بفحص أنسجة الجلد ثم اختيار طرق العلاج اللازمة وإلى الآن لم يتم اكتشاف علاج نهائي لهذا المرض وكل العلاج الذي يتم هو لإيقاف انتشار المرض في خلايا جسم الإنسان.

غياب الإحصاءات

منذ بداية السبعينات من القرن الماضي، بدأت المحاولات الأولى لإنشاء السجل الوطني للسرطان في لبنان، لكن هذه الخطوة لم تستكمل لأسباب عدة أهمها اندلاع الحرب الأهلية التي امتدت من العام 1975 الى مطلع التسعينات، فضلا عن أسباب أخرى منها نقص الموارد المالية وغياب المختص.

والقول ان الإصابة بالسرطان تغير مجرى حياة المريض والمقربين منه ليس بالمبالغ فيه. فبمجرد تشخيص الطبيب للحالة، وأحيانا كثيرة تكون في وقت متأخر لغياب الفحوص الدورية، يدخل المصاب في دوامة من الصراع النفسي والأزمة المالية نتيجة تأرجحه بين الحياة والموت، والكلفة المرتفعة للعلاج والدواء.

فيصبح المصاب مضطراً لطلب المساعدة في أحيان كثيرة من احد المتمولين أو من الجمعيات الخيرية وغيرها من سبل التمويل التي لا تتوفر دائما. وفي غضون ذلك، تنشط جمعيات عدة في سبيل الحد من انتشار المرض ومعالجة المصابين به والقيام بحملات توعية من مخاطره وسبل العلاج. وتبرز في هذا الإطار حملات سنوية للفحوص المخبرية والطبية بأسعار مخفضة، وتنشط حملات التوعية واللوحات الإعلانية. لكن المعالجة تبقى عشوائية ولا تطال الأراضي اللبنانية كافة، فضلا عن أنها تبقى مرتبطة بفترات معينة من السنة، فيما المرض يتفشى في كل زمان ومكان.

وأطلقت وزارة الصحة اللبنانية حملة سنوية للتصوير الشعاعي للوقاية من سرطان الثدي، في مطلع خريف كل عام، بأسعار مخفضة، لكن نسبة المشاركات تبقى قليلة نسبيا إذ ان كلفة الصورة تبلغ حوالي الثلاثين دولارا، أي ان كلفة الصورة تبلغ 15% من المدخول الشهري للبعض.

كما ان كلفة الأدوية تفوق قدرة المريض الذي يبيع في أحيان كثيرة «ما فوقه وما تحته» لمتابعة العلاج الذي تبقى نهايته معروفة سلفا في أحيان كثيرة وهي الوفاة، فضلا عن العناء الذي تتكبده العائلة التي تعاني في أحيان كثيرة من تغير نمط الحياة الذي يصبح مرتبطا بمواعيد المعاينة الدورية عند الطبيب.

وبالإضافة إلى ذلك، فالقدرة الاستيعابية للمستشفيات اللبنانية تبقى اقل من تطور المرض، فالمراكز المتخصصة بالعلاج مكلفة جدا وتتركز في العاصمة بيروت، فيما تفتقد القرى الجنوبية والشمالية والبقاعية للحد الأدنى أحيانا، وهي مناطق تفتقد أصلا للمستشفيات المؤهلة لاستقبال المصابين بأمراض اقل فتكا وخطورة من السرطان.

وبالنسبة الى معالجة سرطان الأطفال، فالقدرة الاستيعابية لمركز معالجة السرطان عند الأطفال «سان جود»، وهو من ابرز المراكز في لبنان، لا تتخطى الـ 250 حالة سنويا، وهي نسبة ضئيلة جدا على رغم المجهود الذي يبذله المركز في تأمين الأجواء الملائمة للأولاد وإبعاد الضغوط النفسية عنهم ومساعدة كل منهم على تحقيق طموحه إلى حد كبير. وربما يصلح مصطلح «مركز الحياة» في هذه الحالة لوصف سلسلة العلاج الطبي والنفسي والترفيهي والتربوي الذي يلقاه الطفل المصاب فيغدو بطلاً يقاوم المرض وينتصر عليه في بعض الأحيان.

وتلعب الحالة النفسية دوراً كبيراً في علاج المرضى. اما في الحالات الصعبة والميؤس منها، فيصبح من الضروري مرافقة الطفل المصاب في شكل شبه دائم لمساندته معنوياً ومادياً في تحقيق كل ما يطلبه.

مركز متخصص

وفي خضم النقص الذي يعاني منه لبنان على هذا الصعيد، طرح الدكتور رولان سيف، وهو طبيب متخصص في معالجة الأمراض السرطانية، فكرة إنشاء مركز طبي مختص بمكافحة السرطان، يهتم بالعلاجات والأبحاث، ويعمل فيه 40 طبيبا من كبار الاختصاصيين في الأمراض السرطانية من لبنان والعالم العربي، ليكون مركزا رائدا في العالم العربي في العلاج والوقاية والبحث العلمي والتعليم.

وتبقى الكلفة المالية العائق الأساسي أمام إتمام المشروع الذي يتطلب 22 مليون دولار لإنشائه. وهو في حال أبصر النور، سيتضمن مبنى للعلاجات يتسع ل120 غرفة، ومبنى للبحوث يتضمن 12 مختبرا للأبحاث، ومبنى للمعاينات يحتوي على 30 عيادة، ومبنى لاستقبال أهل المريض يتسع لأربعين غرفة. ويمكن للمركز أن يستقطب كل سنة 600 مريض و8000 مواطن لإجراء فحوص الوقاية.

صراع ونضال

وفي مقابل المشكلات التي تواجه مرضى السرطان، فإن تجربة باتت تدرس اليوم حول العالم عن قدرة الإنسان على تخطي المرض بفضل نضاله ومثابرته التي قد تفوق قدرة أي دواء على الشفاء.فقد صعق المجتمع الرياضي عندما أجبر «ولد أميركا الذهبي» الدراج لانس ارمسترونغ على الابتعاد عن دراجته بسبب آلام موجعة في رأسه في أكتوبر 1996 سببها سرطان في خصيته لم يكتشف باكرا فامتد إلى رئتيه ودماغه.

وخضع البطل اليافع (25 عاما) لجراحتين في الأسابيع التالية، واحدة لاستئصال خصيته الخبيثة وثانية هي الأصعب لإزالة الورم عن دماغه، قبل علاجه الكيميائي المتطور والقاسي الذي أبقى على عمل رئتيه الطبيعي لكنه ترك ضررا دائما بإحدى كليتيه وحروقا ظاهرة في جسمه.

ومع اقتراب نهاية رحلة الموت عاد ارمسترونغ بعد خمسة أشهر من العلاج الى التمارين، وعلى رغم وهنه الجسدي والعاطفي إلا انه صمد معنويا وردد «ان تعرضي للسرطان هو أفضل ما حدث لي في حياتي» نظرا لحالة التأمل والنضوج التي حصلت له خلال فترة العلاج فباشر في تأسيس «مؤسسة لانس ارمسترونغ» لمكافحة مرض السرطان وحاز على بطولات عدة

بيروت - كبريال مراد