لقد طرح الإنسان منذ سنوات طويلة أسئلة محيرة حول تكوين السلوك والشخصية وافترض أنها مكتسبة وناتجة عن التجربة أو التربية وأخيراً رأى أن الجينات تملي الصورة التي يجب أن نكون عليها مستقبلاً.
ولكن في أغلب الأوقات فإن الأدلة تلقي المزيد من الضياء على إيمان الباحثين أكثر من دور الجينات والبيئة. وقيل قبل قرن من الزمان ان الدليل كان اثبات سيطرة العناصر الجينية (الوراثية) واستخدمها علماء الجينات لتبرير حملات التقييم الجماهيرية بين الأشخاص غير الصحيحين جينياً.
وفي عقد الثلاثينات في القرن الماضي، تراجع رقاص الساعة ليستقر في معسكر التربية والرعاية وأصر علماء السلوك على أن السلالة البشرية لا تحمل في داخلها سمات في ذواتها.ولم تظهر آراء متوازنة في هذا الشأن إلا في العقد الماضي وتشكلت جزئياً من خلال جيناتهم وجزئيات من جانب البيئة أو بمحض الصدفة.
ولكن ثبت أيضاً أن للتربية أثرها على السلوك البشري وثارت بين الكتّاب جدلية بالغة الأهمية عنوانها «الطبيعة مقابل التربية»، ويكاد لا يمر شهر من دون أن يعلن فريق أبحاث وجود صلة بين الجينات وبعض السمات الشخصية المختلفة بدءاً من التوجه العاطفي الغرائزي وإلى التنمر أو حتى الجنون، وأصبحت تكمن مضامين مثيرة بأن الكائنات البشرية تقع تحت سيطرة جيناتها.
جرائم القتل.. جينية
اعتقاد أدى إلى تفشي حملة لإجبار الضعفاء عقلياً للخضوع لعمليات تقييم في ثلاثينات القرن الماضي، ويرقى ذلك إلى التطهير العرقي في البلقان في عقد تسعينات القرن الماضي. ومع ذلك فإن رد الفعل ضد الحتمية الجينية كان من نتاجها المبالغة فيها.
وهناك أيضاً الاعتقاد بأن الكائنات البشرية هي «الواح صافية» يحدد مستقبلها بالكامل بيئتها، وأدى هذا الاعتقاد إلى ظهور نظريات غريبة حول الكيفية التي ينبغي علينا أن نربي أطفالنا من خلالها، فضلاً عن الإحساس الخفي بالذنب بين الوالدين الذين يلومون أنفسهم لنواحي الفشل الظاهرة في نسلهم.
وتبدأ الآن صورة جديدة وأكثر وعياً ومنهجاً بالظهور والتبلور: وهي العلاقة ما بين الجينات والتربية والبيئة، وهي علاقة أكثر تعقيداً من المناظرات الديماجوجية التي تعمل على حثنا على الإيمان بها.
ولم ير رواد تلك المناظرات أنفسهم سوى أن من أعظم نواياهم هي تكريس الجهد لصالح المجتمع. وعندما قال الفيلسوف الإنجليزي جون لوك أن القضية تتركز على اللوح الفارغ تماماً للسلوك البشري، واعتقد الفيلسوف الإنجليزي انه يوجه ضربة ساحقة ضد تلك المفاهيم العميقة مثل الخطيئة الأصلية والحق الإلهي للملوك واستهوت فكرة أن جميع البشر سواسية .
وانه إذا كان الأمر كذلك ولابد أن يكون فإن الجميع لديهم الحق في الحياة والحرية والحصول على السعادة طوماس جيفرسون المهندس الأساسي لإعلان استقلال الولايات المتحدة، والأمر كذلك عندما ربط المفكران الفيكتوريان هربرت سبنسر وفرانسيس جالتون نظرية التطور التابعة لداروين بدراسة المجتمع الإنساني وكان المفكران يعتقدان أنهما يعملان في مصلحة المجتمع.
واستطاع بعض معاصري المفكرين أن يرى المخاطر في نظرية التطور الشهيرة التي تمنح الأفضل كل الامتيازات وتقصي أصحاب العاهات. ويتعرضون للاجتثاث، كما أثبتت عملية تحسين منظمة للجنس البشري من خلال الولادة الانتقائية، وحتى بعد ذلك استبعد باحثون هذه الشكوك معتقدين أن الحقائق تتحدث عن نفسها.
وفي العام 1865 نشر جالتون دراسة حول الأطفال الأذكياء الذين ينتمون إلى الأسر البارزة واستنتج أن نسبة نجاحهم كانت 240 ضعفاً مقارنة بأبناء عامة الشعب.
بعد عقد تابع جالتون هذه المسألة اعتماداً على نظرية ترى أن الطبيعة تخالف التربية وهي مقارنة قائمة على التوائم المتطابقة، ورأى جالتون بعد اكتشاف وجود ملامح تشابه ما بين التوائم طوال فترة حياتهم، انه ليس هناك أي مكان لأية مناظرة: لاشك أن الطبيعة هي التي تنتصر على التربية وان الانتقاء الطبيعي هي الوسيلة المتقدمة التي تفيد المجتمع.
وتقاسم هذا الرأي الكثيرون من أولئك الذين حضروا أول مؤتمر دولي لعلم تحسين النسل في لندن العام 1912 وحضر المؤتمر ليونارد داروين ابن تشارلز داروين. وحذر، بصفته رئيساً لجمعية علم تحسين النسل «Eugenice» من التهديد الذي تتعرض له الأجيال القادمة «غير الجديرة بالتناسل» من بين الناس.
وأعرب رئيس وزراء بريطانيا الأسبق آرثر بلفور عن قلقله من أن كل مسألة الوراثة هي أكثر تفضيلاً مما يطرحه العلماء. وحذر كذلك من اختطاف علم تحسين النسل لاستخدامه من قبل غلاة المتحمسين ولفرض آرائهم على باقي المجتمع.
انتشر علم تحسين النسل في الولايات المتحدة انتشار النار في الهشيم وصدرت قرارات في 16 ولاية أميركية بالتقصيم الإجباري للأشخاص الذين يعانون من خلل عقلي.
وكان يراقب الحجلة كلما تحسن النسل في ألمانيا وأدخل النازيون هذه الفكرة وطبقت وأصبحت سياسة للدولة عند صعود النازيين إلى السلطة في العام 1933. وبدأوا حملة تقصير الأشخاص المصابين بالفصام وانتهى الأمر بارتكاب ـ مجازر ضد الملايين من البشر.
العودة إلى البراءة
بعد هزيمة النازية عاد النقاش إلى موضوعه الطبيعي مقابل التربية وإلى فكرة «اللوح الفارغ» للسلوك البشري. ومرة ثانية فإن مؤيدي هذه النظرية كانوا قادرين على الاستعانة بالبحث العلمي الصحيح لدعم آرائهم. ومرة أخرى تعرضت نتائجهم إلى الرفض بسبب تعويضات الموقف.
وفي عشرينات العقد الماضي أكد عالم النفس الأميركي جون بي واتسون جميع الأحاديث الخاصة بالسمات والغرائز غير مؤهلة وعديمة الجدوى.
وبدلاً من ذلك حث على التركيز حول كيفية تصرف الكائنات البشرية رداً على العالم من حولها، ورأى أن ذلك يثبت بالبرهان أن جميع الكائنات البشرية لديها الطاقة لانجاز أي شيء.
وجمع واتسون وأتباعه ثروة من الأدلة لدعم وجهات نظرهم، ولكن بعض تلك الأفكار كانت غريبة، ودرس وينثروب كيلوج من جامعة إنديانا دور البيئة في السلوك بتربية فرد مع طفله في حين أن العالم السلوكي بوروس فريدريك وضع طفلته الصغيرة في صندوق صنع خصيصاً لإبقاء الطفلة فيه لساعات عدة كل يوم ورأى أن ذلك يخلق بيئة مثالية لتربية طفلته.
وجعل وانسون نفسه طفلة تعتاد خوفاً غير منطقي من الأرانب. والأغرب من ذلك هو الفشل الذريع الذي مني به علماء السلوكيات لقبول أنه بينما كان البحث بالتأكيد ينسجم مع أهمية التربية.
ولكن هذه النظرية لم تفعل شيئاً لحذف أي دور من أجل العناصر الأخرى بما في ذلك العناصر الجينية، وتظهر أهمية هذه العوامل الأخرى رسومياً (جرافياً) في تجربة متناقضة أنجزت في أواخر عقد الخمسينات في جامعة ويسكونسن ماديسون.
ومن جهته فصل عالم النفس الأميركي هاري هارلو قرود صغيرة عن أمهاتها ووضعها في قفص مع أمهات اصطناعيات وكانت إحدى تلك الأمهات متصلة بسلك وتحمل زجاجة رضاعة وحليباً، أما الأم الثانية فقد كانت شبيهة بالقرد الحي وطرية ولكنها لم تكن قادرة على تزويد القرود الصغيرة بالحليب. وقد اكتشف هارلو أن القرود أمضت معظم وقتها مع القردة الأم الطرية والتي لا تمتلك حليباً. وكانت القرود تتجه إلى هذه الأم المتحركة كلما أحست بالجوع.
واستعرض هارلو ما يعتبره معظم الناس باستثناء علماء السلوك، سلوكاً يتشكل بأشياء أخرى زيادة على البيئة. ولوحظ أن القرود كانت تمتلك غريزة لما تتوقعه من الوالدة الراعية والمربية وسعت إلى الحصول على هذه الصفات.
وتأتي أدلة هارلو على السمات السلوكية الداخلية في وقت كان لجانبي الجدل الخاص بالطبيعة مقابل التربية الأثر العميق على الوالدين والأطفال.
وكتب علماء سلوك كتيبات حول رعاية الأطفال يؤكدون فيها أن الأطفال يصبحون لينين إذا تم تقبيلهم قبلة النوم أو تم احتضانهم بقوة. وفي الوقت ذاته فإن الدليل على تأثير علم تحسين السلالات ترك أيضاً أثراً عميقاً في السياسة التعليمية، وتبين دراسات تناولت توائم متطابقين أن الذكاء حالة موروثة إلى حد كبير.
ومن هنا تمت الدعوة إلى ضرورة تكريس المصادر التعليمية خدمة لأولئك الأطفال الواعدين. وقاد ذلك إلى صدور قانون التعليم في المملكة المتحدة عام 1944 والامتحان زائدا ـ 11 الذي يختار أذكى الطلبة للتعليم الحكومي.
وفي سنوات لاحقة أثيرت الشكوك حول دراسات التوائم ولكن في تلك الفترة فقدت موضوعة الجينات القائلة أنها تحمل المفتاح لأي مصير الكثير من تأثيرها وعلى الأقل خارج المجالات الأكاديمية. ولاحظ أولياء الأمور (الأب والأم) منذ فترات طويلة أنه على الرغم من أفضل الجهود التي كانوا يبذلونها فإن نسلهم غالباً ما ينتهي به الأمر إلى شخصيات مختلفة اختلافاً شديداً وهو ما يظهر دليلاً محدوداً بأن الملامح الشخصية تحددها الطبيعة أو التربية.
واستمرت النقاشات حادة بين الأكاديميين وفي العام 1975 نشر عالم الاجتماع البريطاني ادوارد ويلسون كتاباً بعنوان «علم الاجتماع» أظهر فيه أن الجينات لوحدها يمكن أن تنتج سلوكاً معقداً مثيراً للدهشة. وسعى أيضاً لتوسيع جدلياته لتطال السلوك البشري وأثارت زوبعة من التناقضات لأنها بدت أنها تبعث الحتمية الجينية. وفي غضون ذلك واصل العلماء ادعاءاتهم بوجود دليل على التأثير الجيني على كل شيء بدءاً بالدافع الجنسي إلى خيار المهنة.
وفي أواسط التسعينات ظهر جلياً أن الاتجاه يسير نحو النتيجة ذاتها وهي أن السلوك البشري هو مزيج من الطبيعة والتربية والصدفة.
وفي العام 1998 نشرت عالمة النفس الأميركية جوديت ريتش هاريس كتاباً بعنوان «فرضية الترفيه» وقدمت العالمة في كتابها دعماً لما كان الآباء يشتبهون فيه دائماً.
وهو أن مهارات التربية ليس لها سوى تأثير محدود على الطريقة التي يترعرع الأطفال تحت تأثيرها. وفي الوقت ذاته كشفت دراسات للجين البشري أن الجينات التي تؤثر على قابلية التفاعل مع الآخرين وسخرت الدراسات من التفرع الثنائي القياسي الذي يراوح ما بين العوامل الجينية والبيئية.
بعد 100 عام من المعلومات المتضاربة ينظر إلى فكرة «الطبيعة مقابل التربية» بصورة نهائية كما هي عليه، على أنها درس في مخاطر التفكير بأن طرفاً معيناً لأي نقاش يمتلك استغلالاً لأي حقيقة.
اللوح الفارغ
ترجمة حرفية للعبارة اللاتينية تابولا راسا. ويرى أصحاب نظرية اللوح الفارغ أن الكائنات البشرية تولد دون أي سمات داخلية وأن سلوكهم وشخصيتهم هي بالكامل ناتجة عن تفاعل بيني مع البيئة. واستخدم جون لوك، في بيانه الأصلي حول هذا المفهوم، عبارة مجازية حيث شبه العقل بالورقة البيضاء الخالية من أي حرف.