من أهم أولويات الطبيب ليس العلاج وإنما عدم إيذاء المريض، فإذا كان الطبيب لا يستطيع أو لا يعرف العلاج يجب عليه عدم إيذاء المريض، فقوله «لا أعرف» أفضل من العلاج الخاطئ، ووقت الطبيب الشامل الذي يعرف ولا يجهل أي شيء قد انتهى. للأسف المادة في وقتنا الحالي أصبحت تسيطر أكثر وأكثر،

فأصبح الطبيب لا ينظر إلى العلاج الأسهل، وإنما إلى جيب المريض، كما أخبرني أحد الأطباء الذين يعملون في القطاع الخاص، انه عندما يأتي إليه المريض، فإنه يرى 15 ألف درهم جالسة على الكرسي، وتلك الدراهم سوف تدفع منها فواتير الكهرباء والتليفون والعيادة، كما قال إذا لم أستطع النيل منها، فإن أحداً غيري سوف يقوم بذلك، فعندما يأتي المريض إليه بشكوى أو للسؤال عن عملية محددة، فإنه يحاول جعل المريض يقوم بعملية أخرى كتنبيه المريض لكبر حجم أنفه (حتى ولو كان طبيعياً أو لم يكن المريض يشتكي منه)!!

صدمت عندما سمعت ما قاله.. أين ذهبت ذمة هذا الشخص؟ هل وصلنا إلى هذه الدرجة من المادية؟ كنت جالساً مع أحد أصدقائي الأطباء نتكلّم عن الحال التي وصل إليها الطب، وان المادة أصبحت هي المسيطر، فأخبرني أن أحد المرضى أتى إليه بعد أن أجرى عملية جراحية عند طبيب مشهور بالليزر، فسأله صاحبي مندهشاً عن طريقة إجراء العملية بالليزر، فاتضح أن الطبيب كان يضع ضوءاً أحمر اللون، وعندما سأل المريض عن هذا الضوء أجابه الطبيب بأنه يجري العملية بالليزر مما أفرح المريض وجعله يشكر اليوم الذي اكتشف فيه الليزر!!

فما كان من صديقي إلا أن أخبره بحقيقة الليزر، وان ما أجريت له هي عملية جراحية تحت أضواء حمراء.. ألهذه الدرجة تسيطر المادة على مهنة إنسانية مثل الطب؟ من المضحك المبكي أيضاً أن طبيب أنف وأذن وحنجرة كان عندما يأتي إليه المريض لعملية غسيل للجيوب الأنفية فإنه يضع أمامه ماء ملوناً في عدة أكواب،

فاللون الأحمر أغلى من اللون الأخضر، وذاك أغلى من الأصفر، وطبعاً فإن المريض يختار الأغلى ظناً منه بأنه الأفضل. وللتعريف فقط فإن الغسيل هو نفسه وهذه الألوان مجرد خداع للمريض وللظهور أمام المريض بأنه يوجد عنده طرق كثيرة للعلاج. أو ذلك الطبيب الذي قام باختراع جهاز وتجربته على المرضى مما أدى إلى تعريض المرضى لإصابات وحروق وقيامهم بالشكوى عليه.

اللوم لا يلقى فقط على الطبيب، وإنما على المريض أيضاً، فكثير من المرضى لا يرون الطبيب وإنما المكان الذي يوجد فيه، فلابد أن يكون المكان فاخراً وفي منطقة راقية كي يكون الطبيب جيداً. كنت أعرف أحد الأطباء الذين كانوا يعملون في قطاع عام ولكثرة أخطائه الطبية، فإنه طرد من وظيفته وأصبح يعمل في القطاع الخاص في مركز مشهور بمنطقة راقية،

وهو الآن يشكر اليوم الذي طرد فيه لأن دخله في القطاع الخاص أكثر بكثير، كما أن الرقابة عليه ليست كما كانت عندما كان يعمل في القطاع العام. وفي رأيي ليست إلا مسألة وقت حتى تبدأ الشكاوى في مطاردته مرة أخرى.. ولكن للأسف بعد خراب البصرة.

يعتقد كثير من الناس أنه كلما كان المكان أرقى وأغلى فإن العلاج يكون أفضل، فإذا طلب الطبيب ألف درهم للعلاج، يكون هذا الطبيب أفضل من الطبيب الذي يطلب مئة أو مئتين للعلاج نفسه، فالسعر يدل على نوعية الطبيب، وللأسف فإن الكثير من الأطباء يغالون في الأسعار حتى يعتقد المريض بأنهم الأفضل. فالأسعار الرخيصة تجعل المريض يهرب من الطبيب، وطبيب الألف درهم أفضل من طبيب المئة درهم.

د. صقر المعلا