يعتبر فشل القلب مشكلة صحية كبيرة في وطننا العربي وفي سائر أنحاء العالم، حيث ان ما يقارب من خمسة ملايين مريض يعانون من هذا المرض، ويتم تشخيص خمسة آلاف شخص سنوياً في الولايات المتحدة فقط.
ويعتبر سبباً لتردد الآلاف على أقسام الطوارئ والعيادات الخارجية سنوياً. ومسؤولاً بشكل مباشر أو غير مباشر عن وفاة 300 ألف شخص في الولايات المتحدة والنسبة قد تكون مقاربة في المجتمعات العربية.
يعاني من هذا المرض الكبار في السن في أغلب الأحيان. إذ تتراوح النسبة ما بين 6-10% ممن هم أكبر من 65 سنة. ولمواجهة هذه الآفات التي أدت إلى هدر أموال طائلة وصرف الملايين في مجال علاج المرض وتطوير أدوية حديثة فعالة، تم استحداث عيادات متخصصة لهذا المرض في الدول المتقدمة.
ولقد قمنا هنا في مستشفى لندن للأمراض الصدرية في بريطانيا بإجراء بحث تحت إشراف البروفيسور تيميس استشاري أمراض القلب، المستشفى الجامعي نيوهم، جامعة لندن وبارتز والخدمات الصحية بلندن، وكان الموضوع عن اكتشاف نوع العلاقة بين مرض فقر الدم وفشل القلب. ومخاطر أعراض انسداد الشريان التاجي الحاد، حيث تم دراسة فصائلية ومتابعة 1693 حالة مرضية وتحت إشراف مركز البحوث في المستشفى.
وقد تبين أن فقر الدم هو مسبب أولي لمرض فشل القلب عند حدوث النوبة القلبية، ولم توجد أي علاقة بين نسبة فقر الدم والوفيات في هذه الدراسة. وأن فشل القلب كان بسبب فقر الدم كسبب أساسي، وليس بسبب ضخامة الفاقة الدموية. وقد كان تأثر القلب لمرضى فقر الدم عند حدوث النوبة القلبية أقل من الأشخاص الطبيعيين. وتم قبول هذا البحث في جمعية القلب البريطانية ونشر في مجلة القلب العالمية في مايو 2005.
* تطور المرض
يتطور فشل القلب بواسطة عملية فسيولوجية معقدة بسبب عاهة في وظيفة أو هيكل قلب الإنسان مما يحول بين امتلاء القلب بالدم أو ضخ الدم إلى سائر أنحاء الجسم. ويؤدي ذلك في نهاية المطاف إلى تراكم السوائل في الجسم وخاصة الرئتين، الأرجل والبطن وتضيق في التنفس، والإرهاق والتعب السريع خاصة عند ظهور علامات قصور القلب الاحتقاني. وقد تكون الأمراض المسببة لقصور عضلة القلب ناجمة عن أمراض في أغشية عضلات وشرايين وصمامات القلب.
ويعتبر مرض تصلب الشرايين التاجية مسؤولاً عن ما يقارب الثلثين. أما ارتفاع ضغط الدم فهو سبب مهم أيضاً، يتم التشخيص عن طريق الفحص السريري عادة، ولكن هناك طرقاً أخرى قد تساعد في التشخيص، مثل الأشعة السينية للصدر. وتخطيط القلب والأهم صوتيات القلب، وأيضاً الأشعة النووية والمغناطيسية وقسطرة القلب. وتوجد حالياً تحاليل دم خاصة للتشخيص.
* أهم الأعراض
من الأعراض المصاحبة لمرضى قصور أو فشل القلب نذكر:
1 ـ ضيق التنفس أو الشعور بالتعب عند بذل أي مجهود. قد يفسر الكثير خطأ ضيق التنفس أو التعب إلى تقدم العمر أو وجود مرض في الرئتين. على الطبيب التأكد من عدم وجود قصور عضلة القلب. من الصعب أحياناً التأكد من السبب المباشر حيث أن مرض الرئة والقلب قد يجتمعان في نفس المريض. هناك أجهزة خاصة تساعد في التشخيص.
2 ـ انتفاخ البطن والأرجل بسبب تراكم السوائل.
3 ـ عدم وجود أي أعراض أو وجود أعراض لمرض آخر في القلب أو عضو آخر.
* التشخيص
يعتمد تشخيص مرض فشل القلب على: التاريخ المرضي والفحص الإكلينيكي مهم حيث يكون التأكد من عدم وجود أي مرض عضوي في القلب وأيضاً التأكد من عدم وجود العوامل الوراثية.
من أهم الفحوصات التي تساعد على التشخيص هو صوتيات القلب أو الإيكو. حيث يتم من خلاله تشخيص عاهة في القلب أو أي مشكلات في صمامات القلب. وأيضاً يتم رصد حركة جدران القلب. وللأشعة النووية دور في تشخيص ضعف عضلة القلب وأي اختلال في حركة عضلات القلب.
وكذلك الأشعة المغناطيسية والتصوير المقطعي للقلب. ويمكن أيضاً تشخيص تضخم القلب عن طريق الأشعة السينية للصدر. ولتخطيط القلب أيضاً أهمية في تشخيص النوبة القلبية، الذبحة الصدرية واختلال في كهربائية القلب. هناك تحاليل دم مهمة أيضاً مثل تحليل الغدة الدرقية، نسبة الحديد في الدم، السكر والكوليسترول.
يعتبر فشل القلب إعاقة للشخص، حيث انه يحول بين المريض ومزاولة أعماله اليومية أو هوايته المحببة. وعلى الطبيب معرفة مدى الإعاقة التي يعاني منها الشخص أو أي تغير في نمط حياته. وأيضاً ملاحظة تراكم السوائل في سائر أنحاء الجسم ورصد الوزن.
* الوقاية والعلاج
للحد من المضاعفات الناجمة عن هذا المرض لابد من الأخذ بعين الاعتبار ما يلي: علاج ضغط الدم إذ ان الضغط الانقباضي أو الانبساطي المرتفع كلاهما يؤدي إلى فشل القلب. وقد أثبتت الدراسات الحديثة أن علاج ضغط الدم يقلل من فرص الإصابة بقصور القلب. ويحبذ أن يكون العلاج بواسطة مثبط هرمونات الغدة الكظرية، والجهاز الودي وأدوية مدرة للبول.
علاج مرض السكر إذ إن السكري يزيد من فرص الإصابة بقصور القلب وأيضاً يعقد مسار ويزيد من مضاعفات مرضى فشل القلب. ان العلاج بأدوية مثبطة للألدسترون تقلل من تأثر الكلية بمرض السكر، وأيضاً تقلص من فرص الإصابة بالنوبة القلبية وأمراض الأوعية الدموية وفشل القلب.
علاج تصلب الشرايين، يزيد من فرص الإصابة بقصور القلب. لذلك علاج الكوليسترول العالي يقلل من فرص الإصابة بقصور القلب والوفاة لمرضى النوبة القلبية.
الامتناع عن شرب الكحول والتدخين والمخدرات، وعلاج الأمراض الأخرى التي لها علاقة بتطور قصور القلب مثل أمراض الغدة الدرقية واختلال في كهربائية القلب. العلاج بالاشعاعات لمرضى السرطان. لا توجد أدلة علمية أو أبحاث تساند أخذ أقراص الفيتامينات أو الأعشاب لعلاج أو الوقاية من قصور القلب. يعد التشخيص المبكر مهماً بحيث يلزم أخذ أدوية خاصة لمنع تدهور قصور القلب ولمتابعة الحالة وعمل فحوصات روتينية للقلب.
يقلل علاج النوبة القلبية بشكل سريع وفعال بواسطة أدوية مذيبة للجلطات أو عن طريق فتح الشريان بواسطة القسطرة من فرص الإصابة بفشل القلب بدرجة كبيرة. وكذلك أخذ أدوية القلب. ينبغي علاج أمراض القلب من أي ضيق أو ارتجاع للحد من تطور قصور القلب.
ينصح لمرضى قصور عضلة القلب بقياس الوزن يومياً للتأكد من الزيادة في وزن الجسم والذي يعكس نسبة السوائل المتراكمة في الجسم وفعالية الدواء المدر للبول وتجنب ملح الطعام إلى أقل من ثلاثة غرامات في اليوم. والتطعيم ضد الانفلونزا لكبار السن ومزاولة الرياضة الخفيفة والمتوسطة وتجنب الرياضة العنيفة والإجهاد.
يجب تجنب بعض الأدوية والتي تستعمل بكثرة في مجتمعاتنا مثل البروفين والفولترين لأنها تسبب تراكماً في السوائل في الجسم وتزيد من ضغط الدم. ويعتبر التحليل الدوري لنسبة الأملاح في الجسم وخاصة البوتاسيوم ضرورياً وتكمن أهمية استخدام الدواء المدر للبول في المساعدة على التخلص من السوائل الزائدة في الجسم والتخفيف من أعراض قصور القلب ولكن لا توجد أدلة علمية حالياً على أنها تطيل العمر.
الآثار الإيجابية لهذا الدواء تبدأ في الظهور خلال ساعات أو أيام من استعمال الدواء، ويجب الملاحظة أن لهذا الدواء آثاراً جانبية، حيث انه قد يؤدي إلى نقص في الأملاح مثل البوتاسيوم والمغنيسيوم وهذا بالتالي قد يؤدي إلى الإصابة بأنواع خطيرة من اختلال كهربائية القلب مثل الرجفان البطيني لذلك يجب التأكد من الجرعة المحددة بحذر من قبل الطبيب المختص.
هناك أدوية أخرى لا تقل أهمية عن الأدوية المدرة للبول وهي مثبطة لهرمون الألدوسترون وقد أثبتت الدراسات العالمية فعالية هذه الأدوية في التخفيف من الأعراض المصاحبة لقصور عضلة القلب، تحسن الحالة المرضية، نقص نسبة الوفيات. ولهذا الدواء أيضاً بعض الآثار الجانبية مثل اضطراب الأملاح في الدم، وهبوط ضغط الدم، والفشل الكلوي (530%) والسعال (550%) ويجب أخذها بعد استشارة الطبيب المختص.
لا تقل أهمية الأدوية المثبطة للجهاز الودي عن الأدوية المذكورة أعلاه، وهذه المجموعة يطلق عليها حاصرات بيتا.
نشاط الجهاز الودي له آثار جانبية في فشل القلب حيث يؤدي إلى تضخم عضلة القلب وحدوث فاقة دموية في القلب وحدوث اضطراب في كهربائية القلب. وتكمن فائدة هذه الأدوية بسد مستقبلات هرمون الجهاز الودي ومن ثم الحد من حدوث هذه المضاعفات الخطيرة. هناك ما يقارب 20 دراسة عالمية موثقة أثبتت فعالية هذا النوع من الأدوية في تحسن الحالة المرضية، الأعراض، نسبة الوفيات والحد من تطور المرض.
تحسن في الحالة المرضية قد يستغرق 2ـ 3 أشهر من استعمال الدواء. الأعراض الجانبية لهذا الدواء تتضمن في تجمع السوائل في الدم، هبوط ضغط الدم، التعب والإرهاب، هبوط لنبضات القلب، الدوار. ولدواء الديجوكسين أهمية في التخفيف من الأعراض مثل التعب ويزيد من حيوية الجسم وتغير نمط حياة المريض إلى الأحسن، ويجب أخذ الدواء بجرعة مناسبة وخاصة للكبار في السن ومرضى الفشل الكلوي.
للنشاط والحركة أهمية في العلاج مثل الأدوية، حيث ان الحركة تزيد من تحمل الشخص وتعطيه حيوية أكثر، كما يخفف من الأعراض المصاحبة ويزيد من فرص الحياة. هناك أيضاً خيار العلاج التدخلي لمرضى فشل القلب ويكون عن طريق وضع جهاز منظم لضربات القلب وزراعة القلب.
* تحديات أساسية
يعتبر فشل القلب من أهم التحديات التي تواجه الطبيب في العصر الحديث، فإن تحسن التشخيص والعلاج في المجال الطبي وزيادة نسبة الكبار في السن في المجتمع له تأثير واضح في ظهور أمراض القلب مثل قصور عضلة القلب والإدراك لمدى أهمية أخذ خطوة إيجابية لمواجهة هذا التحدي. ولأبحاث زراعة الخلايا في القلب والتي تقام حالياً في الدول المتقدمة وأيضاً في مستشفى لندن للأمراض الصدرية أمل كبير وفي نظري هي النقلة النوعية والثورة القادمة في مجال علاج معظم أمراض القلب مثل فشل القلب، تصلب الشرايين التاجية والنوبة القلبية المميتة.
زراعة الخلايا والتي تأخذ من نخاع العظام والجنين أثبتت فعاليتها في تحسن العمل الوظيفي للقلب واستبدال الخلايا الميتة بخلايا طبيعية جيدة. ونحن في شوق لمعرفة نتائج هذه الأبحاث التي تجرى حالياً، لا أحد يدرك ما قد يجلب المستقبل من تطور في علاج القلب، ولربما يأتي اليوم الذي من الممكن فيه زراعة شرايين القلب لعلاج تصلب الشرايين التاجية كعمل روتيني في المستشفيات والمراكز الطبية.
الدكتور عبدالله عبدالرحمن الهاجري
اختصاصي أمراض قلبية بوزارة الصحة
مستشفى لندن للأمراض الصدرية
ومستشفى الملك جورج الثاني بريطانيا
