رغم أن صرخة الوليد تبدد آلام الولادة إلا أن هذه الآلام تبقى في ذاكرة الكثير من الأمهات، لكونها لا تحتمل إذ إن آلام المخاض والولادة تعتبر أشد ألم تعيشه معظم السيدات في حياتهن. وللتخلص من هذه التجربة القاسية يتم اللجوء إلى طريقة التخدير تحت الجافية «ابيديورال»، وتعرف بالولادة دون آلام.

«الأبيديورال» هي إبرة خاصة تُحقن في منطقة من الظهر، تعطي نتيجة فعالة في حال أعطيت للحامل بطريقة صحيحة، إذ تُستخدم فيها جرعات متكررة من المخدر الموضعي في مكان معين في النخاع الشوكي، تؤدي إلى تخدير الأعصاب الخاصة بالرحم وقناة الولادة منذ اللحظات الأولى لحقن المخدر من دون أن يتوقف تطور الولادة وتقدمها، وبالتالي تحول دون إحساس السيدة بآلام الولادة مع بقائها في حالة وعي كامل طيلة فترة المخاض.

يتم حقن الإبرة بواسطة اختصاصي التخدير الذي يبقى بجوار السيدة مع طاقم التوليد إلى أن تتم الولادة بأمان.

يقول الدكتور نورس أياس، طبيب متخصص في التخدير: لا يتم الحقن بهذه الإبرة إلا إذا كانت السيدة في حالة ولادة فعلية، إذ يتم وضع محاليل للتغذية قبل البدء بالعملية من المفترض أن تستمر طيلة فترة الولادة. يطلب منها في البدء أن تنام على الجانب الأيسر، أو أن تجلس شرط أن تكون الركبتان قريبتين للبطن، ويتم غسل الظهر في منطقة الحقن بمادة مطهرة لتقليل أية نسبة للالتهاب،

حيث تُحقن الفقرة القطنية بمادة مخدرة موضعية على أن يُدخل بعدها أنبوب رفيع جداً عبر إبرة إلى أن يصل إلى المكان الملائم بالنخاع الشوكي، بعدها يتم سحب الإبرة إلى الخارج بحرص شديد تاركين الأنبوب الرفيع في مكانه الملائم حيث يتم حقن جرعة تجريبية عبر الأنبوب للتأكد من سلامة مكانه، على أن يثبت الأنبوب في الظهر للتمكن بين فترة وأخرى من حقن مادة التخدير في حالة الاحتياج.

بعد ثلاث دقائق تتخدر أعصاب الرحم، وبعد عشر دقائق تشعر الأم بالتأثير الكامل للمخدر، وكلما يُشرف مفعول المخدر على الانتهاء، يحقن الطبيب جرعة أخرى للسيطرة الكاملة على الألم، على أن تعطى هذه الجرعات كل نحو ساعة أو ساعتين تبعاً لحالة كل ولادة. بعد انتهاء الولادة يتم نزع الأنبوب وتتخلص الأم كلياًّ من تأثير المخدر بعد نحو ساعة أو ساعتين.

حسنات

تعتبر طريقة الحقن بواسطة «الابيديورال» واحدة من أكثر الطرق انتشاراً للولادة من دون ألم، فقد قُدّرت نسبة استعمالها في لبنان بنحو 65%، إلا أنها كمعظم الرسائل العلاجية لها فوائدها كما لها أضرارها.

وعن ميزات هذا الطريق يقول الدكتور أياس تشعر السيدة بالألم طيلة فترة الولادة وأثناء الوضع، وخلافاً لطرق التخدير الأخرى فإنها لا تؤدي إلى الشعور بالدوخة قبل أو بعد الولادة. أما الجنين فلا يصل إليه سوى نسبة قليلة من المخدر من دون أن يؤثر ذلك على صحته.

بالإضافة إلى ذلك، لا تحتاج السيدة إلى تخدير آخر عند جراحة العجان (منطقة الولادة) وخياطته أو استعمال الجفت في الولادة.

كذلك فإذا كانت الأم تحتاج إلى عملية قيصرية، لم تعد بحاجة لتخدير آخر وانما يتم الامتداد للتخدير السادبق، اذ تعتبر من الطرق الأكثر أماناً في العمليات القيصرية.

آثار جانبية

من الآثار الجانبية الشائعة لهذه الطريقة في التخدير، الهبوط المفاجئ بضغط الدم والصداع المصاحب له، وقد يحدث ذلك بنسبة 1 إلى 2% إلا إن طاقم التخدير والطاقم الطبي المتواجد معه يستطيعان التعامل مع هذه الحالة بسرعة، اذ يتم إعطاء الحامل كمية عالية من السوائل عن طريق الوريد قبل إعطائها إبرة الظهر.

إلى ذلك قد يحدث أحياناً فشل في الوصول إلى المكان اللازم لحقن المسكن الموضعي للألم بين الفقرات ما ينتج عنه استمرار شعور الحامل بآلام الطلق.

أما أهم المشاكل التي قد تنتج عن هذه الإبرة، فهو خروج كمية من سائل الحبل الشوكي أثناء إدخال الأنبوب في الظهر، ما قد ينتج عنه فتحة في منطقة الحقن تؤدي إلى حصول صداع شديد للحامل يستمر لعدة أيام، ومن المفيد في هذه الحالة حقن كمية قليلة من دم الحامل في الظهر لسد هذه الفتحة وإنهاء الصداع. ولا بد من الإشارة إلى أن هذه الطريقة في التخدير لا تجرى للأم إلا بناءً على طلبها.

حالات نادرة

وعلى الرغم من المضاعفات التي قد تتعرض لها السيدة، ولو بنسبة قليلة، نتيجة استعمال هذه الإبرة، إلا أن حالات نادرة جدا تكاد تكون معدومة، يمكن أن تصاب بالشلل نتيجة الإبرة، إذ أكدت دراسة أجريت في بريطانيا أنه من بين خمسمئة ألف حالة تم دراسة تأثير التخدير بهذه الطريقة عليها، لم تصب إلا امرأة واحدة بالشلل، وكان ذلك نتيجةً لوجود مشاكل خلقية في جهازها العصبي لم تفصح عنها أثناء الولادة.

يقول د.أياس: «لا تمس الإبرة بأي حال من الأحوال الحبل الشوكي، فهي بعيدة عنه كل البعد، ويتمكن الطبيب من معرفة ما اذا كانت الإبرة في مكانها الصحيح بمجرد نزول السائل الشوكي، كما أن الإبرة المستخدمة غالباً ما تكون رقيقة وخاصة للتخدير بهذه الطريقة، وذلك لتفادي أي احتمالات لإصابة الأعصاب، بالإضافة إلى أن الفريق الذي يعطي الإبرة للسيدة يكون متخصصاً في هذه الطريقة من التخدير».

ربما يراود كلَّ أمٍّ حامل هاجس الحصول على ولادة سليمة من دون ألم وتعب ـ وهذا صحيح ـ لكن ما من شيء يتم بسهولة ، فعلى الرغم من ايجابيات إبرة «الابيديورال» من ناحية تخفيف الآلام، إلا أنها ليست أكثر من تخدير للجسم، وبعد الانتهاء من الولادة... لا مفر من الشعور بآلام الضغط الجسدي

بيروت ـ إيمان عجينة