مع إشراقة شمس الصباح التي تبعث الدفء في النفوس، تبدأ مسيرة الحياة اليومية، بالتوتر، فالأطفال الصغار لا يدركون أهمية الدقائق القليلة التي تقلل من الحاجة للبقاء في الشارع المكتظ بالسيارات في الصباح، فالطفل مازال يشعر بالحاجة للبقاء نائماً، لكونه تأخر في النوم ليلاً، وشيئاً فشيئاً يضيق صدر الأبوين وينزعج الأطفال،
ويشعر جميع أفراد الأسرة بالضيق والتوتر جراء هذه المعركة الصباحية التي تتكرر يومياً طيلة العام الدراسي، دون أن يجد الأبوان الحل المناسب لها.
وبعد الانتهاء من ارتداء الملابس والخروج من البيت دون تناول طعام الإفطار، أو ارتشاف قهوة الصباح مع لحظات من التأمل، يخرج الجميع باتجاه المدرسة التي في الحالة الطبيعية لا تفصلها عن البيت سوى دقائق قليلة، ولكنها قد تتحول إلى ساعات دون مبالغة، جراء الازدحام الذي ينهك الجسم ويوتر الأعصاب، والأطفال ـ يا حسرة ـ يتململون،
أو يتابعون نومهم، والأب يحاول أن يبحث عن خبر مفرح من خلال المحطات الإذاعية، التي لا تحمل من الأنباء إلا المزعجة جداً، كالقتل والدمار، والتفجيرات وارتفاع الأسعار، وأثناء عملية البحث عن أغنية هادئة يضطر لتعكير ما بقي من مزاجه بأغانٍ لا تحمل أي طعم أو لون أو رائحة أو لحن أو كلمات.
أو قد يستمع لمذيع يشغل أذهان المستمعين بالتفاهات والرسائل القصيرة التي لا تحمل أي معنى. في الطريق كثيراً ما يضطر للانفعال بسبب عدم التزام الآخرين بآداب الطريق، فهذا يحاول بفهلوية أن يخطف الطريق من أمام الآخرين، وبطريقة مزعجة، وفي هذه الحالة أمامه عدة خيارات، إما أن يفسح له الطريق ـ حتى وإن لم يكن مضطراً لذلك ـ،
أو أن يجادله ويمنع عليه الطريق، فيزداد التوتر أو أن يفش خلقه باتصال هاتفي وخلال رحلة العذاب الصباحية يكتشف الشخص لدى وصوله إلى المكتب، أن التوتر الصباحي قد بدد ما لا يقل عن 80% من طاقاته، أما الـ 20% المتبقية، فهناك من يبددها إما من خلال الاتصالات الهاتفية من قبل البنوك التي تذكرك وتهددك بضرورة دفع مستحقات ـ الكريدت كاردز ـ، أو من خلال مديرك أو مسؤولك في العمل، الذي لا يهمه تفاصيل رحلتك تلك، لأنها تخصك وحدك ـ والآلاف من حولك ـ.
وإذا ما أردنا تحليل ما سبق نجد أن الفوضى هي التي ساهمت في هذه المشاكل، وأن التنظيم يساعد على الأقل في التخفيف من حدتها، فلو نام الطفل مبكراً، بالضرورة سيستيقظ قبل إشراقة الشمس، وسيستمتع الأب بارتشاف قهوة الصباح، والطفل بتناول إفطاره. والخروج من البيت قبل أن تبدأ رحلة العذاب.
وحينها سيصل كل واحد إلى عمله في أوج نشاطه بعيداً عن التعرض للتوتر الصباحي الذي لا يرهق الأعصاب بل يبدد الطاقات ويضعف الجسم، ويزيد الطين بلة.
الحكيم