فيما سبق كان الطبيب يعتمد في تشخيصه على القصة المرضية، وعلى بعض الفحوصات المتوفرة. ولهذا كان يولي الكثير من الاهتمام لحالة المريض العامة، يسأله عن كل كبيرة وصغيرة في حياته، ويمضي الوقت الطويل معه غير آبه بمسائل أخرى، كأسعار الأسهم وسوق العقارات وهواتف الأصدقاء وغيرهم.

أما اليوم.. فالمسألة مختلفة تماماً، إذ أن الطبيب يحاول أن يختصر الوقت الذي يمضيه مع المريض ـ الزبون ـ لأقل قدر ممكن. ويترك مهمة استخلاص البيانات الأساسية للممرضة، أو موظفة الاستقبال. حيث يملأ المريض الاستمارة التي يمسك بها الطبيب، ويحاول بأسرع وقت ممكن أن يضع التشخيص، وربما تمتد يده إلى الوصفة لتدوين بعض الأدوية، وهو يسأل المريض بعض الأسئلة، ويفكر في طلب التحاليل والصور وهي ضرورية في بعض الحالات للتوصل إلى التشخيص الدقيق.

وخلال دقائق معدودة يخرج المريض حاملاً بيده وصفة قد تكون غالية القيمة المادية، ولكنها قليلة الفائدة، لأن المريض يهمه بشكل أساسي من يطمئنه على صحته بكلمات بسيطة، بحاجة إلى من يقف بجانبه، إلى من يتفهم شكواه التي تزعجه نهاراً، وتقلقه ليلاً، وتؤثر على حياته الشخصية والعائلية والعملية أيضاً.

مهما كانت شكوى المريض بسيطة ينبغي على الطبيب أن يوليها الاهتمام الكافي، وأن يمنح المريض البلسم الشافي، من خلال كلماته وابتسامته، وعدم الرد على الهاتف المتحرك ـ إلا إذا كان الأمر طارئاً ـ أو الاستفسار عن أسعار الأسهم وغيرها.

المريض يحتاج إلى من يلامس داخله، يحتاج إلى الطبيب الصديق، الحكيم الذي يمكنه استناداً إلى دراسته وخبرته، ومهارته أن يتفهم المريض كإنسان، ويساعده على تغيير نظرته للحياة، لهذا كان الطبيب قديماً يركز على تكوين علاقة شخصية مع المريض.

لا ننكر أن هناك أطباء مازالوا محافظين على نضارة الرداء الأبيض، ولكن البعض الآخر قد تخلوا حتى عن ارتدائه، وما حدث لزميل يعمل في إحدى المؤسسات الصحافية الخليجية لدى زيارته لمركز طبي في دبي، يشير إلى المرارة التي يتجرعها المريض حينما يقع بين براثن ـ طبيب ـ متعالٍ لا هم له سوى الربح، والنظر بين الحين والآخر إلى شهاداته المعلقة على الحائط، والتفاخر بتلك الشهادة ـ التي لا نعرف مصدرها وكيفية الحصول عليها ـ، متناسياً المريض الذي تعامل معه بأسلوب غير حضاري،

حينما سأله عن نظام الكشف في المركز، وحينها جاءه الرد كالصفعة، حيث أجاب «الطبيب» بأن نظام الكشف هذا مقرر من قبل الهيئات الصحية في دبي. وأن ليس لديه الوقت الكافي للفحص حيث يقوم زميل آخر بفحص المريض، وطبيب آخر بكتابة الوصفة، وموظف آخر «غلبان» يقدم للمريض فاتورة علاج باهظة. فيخرج المريض دون عودة لهذا المركز متمتماً بكلمات كفشة خلق ليس إلا.

سؤال يطرح نفسه: لماذا لا تقوم دائرة الصحة بتجربة ـ المريض السري ـ حيث أثبتت تجربة المتسوق السري نجاحها في كثير من المؤسسات؟

نأمل تحقيق ذلك.

الحكيم