حكاية شفاء ألف بنت وولد تم إنقاذهم من تشوهات العمود الفقري عرضت حالاتهم في ندوة أكد فيها أطباء جراحة العظام انقاذ هؤلاء الأولاد من «الأتب» في سن مبكرة وحمايتهم من الإعاقة بنسب شفاء عالية. وعادوا لممارسة حياتهم الدراسية بعد أسبوعين من الجراحة وقد تلاشت جميع آثار المرض سواء التشوه الظاهري أو الحالة النفسية للمريض وأسرته.

الدكتور يسرى الهواري مقرر الندوة وأستاذ جراحة العظام بكلية الطب جامعة القاهرة وعضو جمعية تشوهات العمود الفقري البريطانية والأميركية يقول إن المرض يصيب 5% من الأطفال وهى نسبة مخيفة إذا لم يتم التشخيص والعلاج في وقت مبكر، ويظهر في صورة التواء مع اعوجاج جانبي للعمود الفقري مما يؤثر على الشكل الخارجي للظهر وينتج عنه «الأتب» أو «الحدب». وإذا ترك هذا التشوه بدون علاج فإنه يؤثر على شكل ووظيفة العمود الفقري وينتج عنه الألم بالظهر وتدهور في درجة الاعوجاج والذي يضغط بدوره على الرئة والقلب. وقد يظهر هذا التشوه في صورة اعوجاج أمامي محدثاً تقوساً في الفقرات الصدرية لأسباب عدة منها الجلوس الخاطئ، والحياء الذي يصيب الفتيات عند بدء فترة البلوغ مما يجعلهن ينحنين إلى الأمام لإخفاء بروز الثديين. ويمكن حدوث هذا الانحناء الأمامي نتيجة خلل في تكوين الفقرات وهو التشوه الأكثر انتشارا، وهذا النوع أسهل في علاجه من الاعوجاج الجانبي الذي يحدث للعمود الفقري.

ويوضح أن هذا الانحناء أو الاعوجاج يظهر بالناحية اليمني في البنات واليسرى في الأولاد، وينتج عن ذلك اختلاف مستوى الكتفين والوسط وظهور واضح للضلوع في ناحية واحدة مما يعطي شكل «الحدب» أو «الأتب» مما يؤثر نفسيا على الشاب أو البنت وأسرتيهما ويقلل من فرصهم في العمل والاندماج في المجتمع والزواج.

مسح شامل

ويشير الدكتور الهواري إلى أن أسباب هذا المرض تتعدد بداية من العيوب الخلقية في تكوين الفقرات أو أمراض الأنسجة الرخوة، ولكن السبب الأساسي في 85% من الحالات هو الانحناء التلقائي نتيجة لخلل الجينات أو إفراز مادة الميلاتونين.

ويؤكد أن التشخيص المبكر لهذا المرض هو بداية العلاج حيث إن ظهور المرض وتغير شكل الجسم يبدأ في سن البلوغ وهو 11 سنة للبنات و13 في الأولاد. ويوجد اختبار الدقيقة الواحدة لتشخيص الحالة وينحني فيه الشاب أو الفتاة إلى الأمام في الوضع راكعا، وهنا تبرز الضلوع من ناحية عن الأخرى، ويتم بهذه الطريقة البسيطة تشخيص المرض.

ويشير إلى أهمية إجراء مسح شامل لتلاميذ المدارس عند الوصول لهذه السن لاكتشاف المرض وعلاجه مبكرا، ولابد من التوعية لتكون المدرسة هي المكان الأول لاكتشاف المرض وبعدها يأتي دور الأسرة. ويؤكد أن الاكتشاف المبكر للمرض يجنب الطفل العلاج الجراحي.

والعلاج بعد المرحلة الأولى من اكتشاف المرض يشمل التمرينات الرياضية وارتداء الأحزمة الطبية والمتابعة الدورية، ويبدأ التدخل الجراحي عند الوصول لرقم انحناء 40 درجة.

وتعتمد فكرة إصلاح الاعوجاج عن طريق الجراحة على فكرة التقويم في الزراعة والأشجار وأيضا تقويم الأسنان، ويتم فيها ربط العمود الفقري إلى أعمدة بواسطة مسامير وخطاطيف وسلوك معدنية وذلك من خلال أجهزة دقيقة ذات تقنية عالية، يستخدمها الجراح المصري بمهارة عالية وبنسب نجاح فاقت النسب العالمية.

ورغم التطور المذهل في الجراحة إلا أن هناك تخوفاً من بعض أولياء الأمور من إجرائها الجراحة خشية حدوث الشلل السفلي ومضاعفات نقل الدم وعدم الإصلاح الكامل للاعوجاج.

ويؤكد الدكتور يسرى الهواري أن حكاية «الألف بنت وولد» الذين أجريت لهم الجراحات هي أبلغ دليل على النجاح، مشدداً على أن التأخر في العلاج يفاقم المشكلة مما يعرض الأولاد للآثار الجانبية مثل تدهور الاعوجاج وآلام الظهر والتأثير على وظائف التنفس والقلب والآثار النفسية السيئة.

ويوضح أن هذه الجراحات تم تصنفيها في الخارج على قمة الجراحات مثل جراحة القلب المفتوح وزراعة الأعضاء. والحالات المصرية تم إصلاح الاعوجاج فيها بنسبة 90% ودرجة أمان كاملة ومضاعفات جانبية محدودة للغاية.

وعن الأمان في تخدير هؤلاء الأطفال أثناء إجراء الجراحة يقول الدكتور عمر منتصر أستاذ التخدير وعلاج الآلام: التطورات الحديثة في علوم التخدير أنهت خطورة إجراء الجراحات المتقدمة، فالمريض يتم تخديره بالعقاقير الذكية التي يحدث تأثيرها دون مضاعفات ويتخلص الجسم منها بمجرد التوقف عن إعطائها.

كذلك فإن الأجهزة الحديثة أتاحت الملاحظة الدقيقة لجميع وظائف الجسم الحيوية لضمان إبقائها في معدلاتها الطبيعية.

أما عن مشاكل نقل الدم المعروفة في الجراحات الكبرى فيمكن الآن، بواسطة أجهزة حفظ خلايا الدم، إعطاء المريض الدم الذي نزفه أثناء الجراحة دون الحاجة لدم خارجي،

وكذلك الوظائف الحيوية للحبل الشكوي يمكن مراقبتها بواسطة جهاز مراقبة نقل الإشارات العصبية للحبل الشوكي، ويتم بعد الجراحة إعطاء المريض جرعات آمنة من المسكنات عن طريق مضخات الحقن المبرمجة بالكمبيوتر، وكذلك عن طريق ضخ مسكنات الألم حول الحبل الشوكي، وبذلك يمكن المريض الحركة في أول يوم بعد الجراحة ليعود إلى الحياة الطبيعية بعد عشرة أيام.

القاهرة ـ عفاف السيد