مما لا شك فيه أن الإعلان أصبح من الوسائل المهمة في ترويج كل شيء، ولاسيما السلع الغذائية التي ازدهرت صناعتها، كما ازدهرت صناعة الإعلان. أصبحت العروض الإعلانية الغذائية تنهال على المشاهد والقارئ والسامع من كل حدب وصوب، بل إن الأمر بدا وكأن معارك خفية تدور خلف الكواليس للاستئثار باهتمام المشتري.
وبحكم اختصاصي أحب أن أوضح للقراء بعض الحقائق الغذائية التي سأحصرها في موضوع المشروبات الغازية فقط. يعتقد العديد من الناس أن المشروبات الغازية تساعد على الهضم، لذلك يكثر استهلاكها مع الوجبات الثقيلة، وهذا الاعتقاد عار من الصحة، لأن الشعور بهضم الطعام بعد تناول المشروب الغازي شعور مؤقت ينتج عنه بعد فترة شعور بعسر الهضم.
والسبب أن الغازات الناتجة عن تفاعل المادة القلوية التي تسمى البيكربونات الموجودة في المشروبات الغازية مع الوسط الحمضي للمعدة تعمل على فتح فم المعدة عنوة والخروج إلى الأمعاء فيعطي ذلك شعورًا بالارتياح المؤقت، إلا أن هذا الخروج المبكر للطعام دون إتمام هضمه يعمل بعد فترة على الشعور بالاضطراب والانزعاج بسبب عسر الهضم.
يحتوي المشروب الغازي حجم 330 مل على كمية من السكر تتراوح بين 30 غراماًو35 غراماً كفيلة بإعطاء 120سعرة إلى 140 سعرة حرارية، ولو افترضنا تناول ثلاث علب في اليوم فهذا يعني حصول الجسم على حوالي 100 غرام من السكر، تطلق ما بين 360 سعرة و420 سعرة حرارية.
وهذه كمية هائلة جدًا تسهم في زيادة الوزن، كما تزيد من ارتفاع سكر الدم لدى مرضى السكري. تحتوي بعض المشروبات على الكافيين الذي يؤثر على عملية امتصاص الحديد من الطعام إذا تناوله مع المشروب الغازي.
كذلك تحتوي مشروبات أخرى على أحماض كالستريك والفسفوريك التي تقرأ بوضوح على سطح العلبة، وتعمل هذه الأحماض على إعاقة امتصاص بعض المغذيات المهمة للجسم مثل الكالسيوم الضروري لصحة عظام الأطفال وأسنانهم ونموها وتطورها، وكذلك مهم لصحة الكبار والوقاية من هشاشة العظام على المدى البعيد.
تفتقر المشروبات الغازية كلها بلا استثناء إلى القيم الغذائية مثل الكربوهيدرات المركبة والبروتينات والدهون والفيتامينات والمعادن والألياف والأملاح، وتقتصر كما قلت سابقًا على سكريات بسيطة التركيب، سريعة الامتصاص، عالية السعرات، تزيد في وزن الجسم بالطريقة الخاطئة.
ظهرت في الأسواق مشروبات «الدايت واللايت» التي تستخدم بغرض الحمية، ويختلف هذا النوع عن المشروبات العادية أنه يستبدل بالسكر العادي مادة سكرية صناعية تسمى (الأسبرتام) التي تفوق السكر العادي حلاوة.
ويكفي استخدام كمية ضئيلة منها بغرض التحلية دون إعطاء أية سعرات حرارية تذكر. وقد أشارت بعض الدراسات إلى إمكانية استهلاك هذا البديل الصناعي باعتدال دون إفراط، في حين حذرت دراسات أخرى من استهلاكه من قبل الأطفال والحوامل لعدم كفاية الدراسات عن مدى ملاءمة بدائل السكر الصناعية لهاتين الفئتين تحديدًا.
تظل العصائر الطبيعية والطازجة ولاسيما الخالية من السكر المضاف، أفضل البدائل المطروحة لوقف زحف المشروبات الغازية نظرًا لفوائد العصائر الطبيعية المحضرة في المنزل أو المجهزة في عبوات، مع ضرورة التأكد من احتواء العلبة على كلمة عصير بدل كلمة مشروب، حيث تفيد الكلمة الثانية بأن محتوى العلبة عبارة عن ماء وسكر وألوان صناعية ومواد حافظة فقط.
أخيرًا.. أتمنى كاختصاصية في مجال التغذية العلاجية أن يدرك الناس أهمية العصائر الطبيعية وأن يعملوا على زيادة إنتاجها، وتخفيض أسعارها والوصول إلى المستهلك بجميع الطرق خصوصًا عن طريق شاشات التلفزيون والفضائيات واللوحات الإعلانية، وسنقف معهم بقوة عندما يعلنون بالصوت العالي وباللوحات العريضة أن (العصائر الطبيعية لصحتك)، وليست المشروبات الغازية.
منيرة مهدي العنزي
اختصاصية تغذية علاجية