إعداد ــ هشام فتحي

يهيمن الفقر على كل ركن من أركان قرية «موسالسك» في وسط روسيا، التي يفد إليها مشترو الشعر البشري، ومعظمهم من العاملين المتجولين البسطاء من الروس والأوكرانيين، الذين يبيعون بضاعتهم لمعالجي الشعر عبر التجوال في المناطق الفقيرة مثل هذه المنطقة. وتقول صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، في تقرير حديث لها، إن هؤلاء المشترين يدفعون مبالغ زهيدة نقداً نظير خصلات الشعر، التي تعتبر كنزاً ذهبياً خاصة لصناعة التجميل العالمية، حيث يتم قصها من رؤوس النساء اللائي يملكن القليل من البدائل الاقتصادية في كثير من الأحيان.

وتوضح الصحيفة أن هذا النوع من الشعر البشري، الذي كان مطلوبا لفترات طويلة بغرض استخدامه في صناعة الشعر المستعار، يلقى الآن طلبا كبيراً لاستخدامه في عمليات إطالة الشعر بالدول الأكثر ثراءً. ويتوافر الشعر الداكن الذي يتم جلبه من الهند والصين بشكل أكبر، لكن الشعر الأشقر ذا الألوان القاتمة الأخرى يتم تقديره بشكل أكبر نظراً لندرته النسبية ولسهولة صبغه ليلائم اللون الطبيعي لشعر أي امرأة تقريبا.

وتعد الولايات المتحدة، أكبر سوق للشعر البشري حيث تقدم عشرات الآلاف من صالونات التجميل وصلات الشعر. وقدرت شركة «غريت لينثيز»، وهي شركة إيطالية ومورد كبير للولايات المتحدة، حجم التداول في سوق التجزئة الأميركية لوصلات الشعر بــ‬250 مليون دولار سنويا، بما يعادل ‬3٪ من السوق الكاملة لمنتجات العناية بالشعر. ومتوسط سعر وصلات الشعر هو ‬439 دولاراً وفقا لمسح أجرته مجلة «أميركان صالون ماغازين» عام ‬2009، رغم أن العملية يمكن أن تكلف عدة ألوف من الدولارات في صالونات النخبة.

وتشهد تجارة وصلات الشعر نموا في أوروبا أيضا. ويتم استخدام ‬20٪ من الشعر الروسي تقريبا داخل روسيا، بواسطة الأشخاص الذين يعتنون بشعورهم في مدينتي موسكو وسان بطرسبرغ.

وقال «ديفيد إيلمان»، المالك المشارك لشركة «رو فيرغين هير كومباني»، وهي شركة لاستيراد الشعر تتخذ من العاصمة الأوكرانية كييف مقرا لها خلال مقابلة هاتفية مع الصحيفة: «ليس من الصعب تفهم سبب بيع الناس في أوكرانيا لشعرهم بمعدل مائة ضعف في الغالب مقارنة بالناس في السويد. لا يفعل الناس ذلك بدافع اللهو والمرح، وعادة ما يبيع الأشخاص الذين يعانون من مشكلات مالية مؤقتة في المناطق المحرومة شعرهم».

وتدر ضفيرة طولها ‬16 بوصة في «موسالسك»، حوالي ‬50 دولارا أميركيا. كانت «ناتاليا فينوكوروفا» ‬26 عاماً، قد نشأت في مدينة يوخنوف المجاورة، وهي مدينة تفتقر نصف منازلها إلى السباكة الداخلية، ويصل متوسط الراتب الشهري فيها إلى ‬300 دولار، وحيث انهارت المحاصيل الزراعية التي كانت تجلب القليل من الأموال في يوم من الأيام هناك بانهيار الاتحاد السوفياتي. لكن «فينوكوروفا» زرعت شيئا آخر بقيمة سوقية، وهو الشعر الأشقر المائل للاحمرار والذي كان يتدلى إلى خاصرتها قبل أن تبيعه.

وتعتبر شركة «بيلي كابيلي»، التي تعالج الشعر البشري إلى أدوات وصل للشعر، أكبر شركة تعنى بهذا الأمر في روسيا، بدخل سنوي يصل إلى نحو ‬16 مليون دولار. يقول «كوزنتسوف»، وهو مالك الشركة: «هذه هي الرأسمالية، فالناس الذين يملكون الأموال يرغبون في تمييز أنفسهم عن الآخرين الذين ليس لديهم مال. لماذا تبيع امرأة شعرها إلى امرأة أخرى؟ والجواب هو: المرأة التي لديها المال ترغب في أن تبدو أجمل من المرأة التي لا تملك المال. ويأتي معظم الشعر من مشترين يطوفون الأجزاء الوعرة من روسيا وأوكرانيا والجمهوريات السوفيتية السابقة الأخرى، وينشرون إعلانات على أعمدة المؤسسات العامة تعرض تقديم أموال مقابل شراء الشعر. وفي روسيا البيضاء، وضع الرئيس ألكسندر لوكاشينكو، الذي يتميز بتوجه قومي، قيودا صارمة على صغار رجال الأعمال لدرجة جعلت تجارة وصلات الشعر مستحيلة، مما أثار أسف الأشخاص الذين يعملون بهذه التجارة لأن روسيا البيضاء دولة فقيرة وبها وفرة من النساء الشقراوات.

وبشكل عام، يأتي نحو ‬70٪ من الشعر الذي يتم شراؤه في روسيا من خصلات وجدائل الشعر التي يتم الاحتفاظ بها في المنزل من قصات شعر سابقة. فمثلا، تقص بعض الأوكرانيات والروسيات شعرهن بشكل تقليدي بعد ولادة طفلهن الأول وقد يقررن بيعه بعد سنوات. وفي المناطق التي يسيطر عليها الفقر المدقع، تعتبر وصلات الشعر مصدرا نهائيا لسد العجز خلال فترات العوز واليأس.