جميل محسن

يعد العمل التطوعي بمنهجه الاجتماعي والإنساني سلوكاً حضارياً ترتقي به المجتمعات، وأصبح يمثل رمزاً للتكاتف والتعاون بين أفراد المجتمع، كما يعد العمل التطوعي، بكل المفاهيم الإنسانية، من أعمال الخير والعمل الصالح، ويدخل ضمن هذه المفاهيم، الكلمة الطيبة والدعاء، وهما أيضاً من الأعمال التطوعية، وفي الفترة الأخيرة، انتشرت العديد من الجمعيات والمراكز الخاصة التي تعنى بالعمل التطوعي، وتفتح أبوابها أمام الشباب والفتيات الإماراتيين، وهناك أعداد كبيرة منهم يعملون في أكثر من موقع، ومنهم من يعمل في الجمعيات الخيرية الإنسانية.

كما تعتبر إدارة متاحف الشارقة من أكثر الإدارات التي تستقبل أعداداً كبيرة من المتطوعين العاملين في مختلف متاحفها وإداراتها المنتشرة على أنحاء كبيرة من الإمارة، كما قام قسم البرامج التعريفية والتعليمية في الإدارة بتنظيم جلسة حوارية تعريفية، في مربى الشارقة للأحياء المائية، تحدث خلالها الشيخ عبد العزيز بن علي النعيمي الرئيس التنفيذي لمركز الإحسان الخيري في عجمان، والحاصل على جائزة أفضل شخصية إماراتية تطوعية رفيعة المستوى، في مجال البيئة والإنسانيات من جائزة الشارقة للعمل التطوعي، مؤكداً في البداية سعيه المستمر في نشر رسالته «المنظومة المتكاملة»، حول التطوع إلى العالم، من خلال تفعيل شبكته العالمية وحث الأفراد من مختلف الأعمار والديانات والخلفيات، إلى الانخراط في هذا المجال وأضاف قائلا: «من الجميل أن نتناول مفهوم العمل التطوعي، ليس فقط هنا في بلادنا دولة الإمارات، وإنما على مستوى الوطن العربي، فالعمل التطوعي عمل عاطفي وروحي في نفس الوقت، وفرصة لتقديم كل أنواع المساعدة للمحتاجين والفقراء، وهو عمل خالص لله، والقرآن الكريم قال فيه: (قل إن صلاتِي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين)، وهناك ربط كبير بين العمل الروحاني والعمل الدنيوي، كما أن العمل التطوعي يبني المجتمعات فكرياً واجتماعياً واقتصادياً، وهو يأتي بالمبادرة، فمن يسعى لها بهذه الروح، إنما يكون قد أقدم على عمل صالح، وأنا شخصيا تربيت على هذا النهج، منذ كان عمري أربع سنوات، كنت أرى الوالد وأفراد العائلة، وهم يسعون لتقديم يد الخير والتعاون، ويبادرون لإسعاد الآخرين.

وعد للأجيال

ومن جانبها قالت عايدة البوسعيدي: شخصياً أسعى من خلال العمل التطوعي إلى مساعدة المرأة في كافة أحوالها، وتعليم الأطفال الكثير من معاني وأهداف العمل التطوعي، الذي يستند على كيفية التواصل والتفاهم، وإرضاء الآخرين والعمل على تقديم المساعدات لهم، وعن مبادرتها المجتمعية غير الربحية «جمعية وعد الأجيال»، التي أسستها بالتعاون مع صديقاتها، قالت: هذه الجمعية إلى جانب سعيها المستمر لمناقشة قضايا المجتمع من خلال وجهة نظر إماراتية نقدمها من خلال برنامج تلفزيوني، الهدف منه تعريف المجتمع الإماراتي، بمفهوم ومعنى العمل التطوعي، وأرجو أن أكون قد قدمت ذلك بشكل مقبول.

وتقدم البوسعيدي، محاضرات بصفة دائمة عن دور المرأة الإماراتية العاملة، كما شاركت ثلاث سيدات هن مقدمات برنامج «Her Say» على تليفزيون دبي ‬1 وذلك لمناقشة قضايا المجتمع، من خلال وجهة نظر إماراتية، يهدف البرنامج إلى سد الفجوة بين المجتمع المحلي ومجتمع المغتربين، من خلال أربع مقدمات للبرنامج، يمثلن التنوع والتعدد الثقافي التي تزخر به إمارة دبي، يناقش البرنامج موضوعات هامة تشغل بال الكثيرين من سكان الإمارة.

وقال محمد علي المرزوقي عن مشروعه «التطوع من أجل الأسرة»: أسعى من خلال هذا المشروع، التطوع من أجل الأسرة إلى مساعدة الآخرين، منطلقاً من مفهوم التطوع الإنساني، وهذه ليست المرة الأولى التي أعمل جاهداً في هذا الجانب، بل سافرت إلى كينيا وتنزانيا لمساعدة دور الأيتام هناك، وعملت جنباً إلى جنب مع المؤسسات المختلفة لمساعدة ذوي الإعاقات المختلفة، وقيامي بمثل هذه الأعمال التطوعية، هو بسبب أنني تأثرت كثيراً بيئيتي الأسرية، حيث نشأت وسط أسرة مكافحة وبذلت الجهد الكبير من أجل أن تصل إلى ما هو عليه الآن، وأن تصبح لي مشاريعي الخاصة في مجال التطوع.

ويسعى المرزوقي إلى مساعدة الآخرين بكل السبل الممكنة، ودائماً ما يقول بأن العمل الخيري يبدأ من المنزل، وفي حالته فقد بدأه مع أفراد أسرته، أنشأ محمد مشروع «التطوع من أجل الأسرة» لمساعدة الأيتام في عام ‬2008م، ويأمل أن يحيا في عالم أكثر سلاماً يمكّنه من مساعدة من هم بحاجة إليه.

وأشارت علياء راشد بو رحيمة مديرة الخدمات التعليمية والتعريفية، إلى أهمية العمل التطوعي وغرس مثل هذه المفاهيم في روح الشباب والشابات، ولذلك ترعى إدارة المتاحف مثل هذه المبادرات، كما شكرت المتطوعين، لما أبدوه من روح عالية في العمل التطوعي، وقالت: نحن لا نكتفي باستقبال المتطوعين في المتاحف، ولكن أيضا نقوم بتدريبهم، فالمتطوعون يتلقون تدريباً عاما ودورات توجيهية، إلى جانب دورة «مستعدون دائما لتقديم يد العون»، وأيضاً طريقة وأسلوب استقبال الزائرين، وبعد ذلك يطلب منهم تنفيذ الأعمال التي تناط بهم، وهي مهام منتشرة في جميع متاحف الشارقة، ويمكن القول إن المتطوع في المتاحف، يكتسب أهمية كبيرة، فهو يطلع على مزيد من المعلومات ويكتسب مهارات جديدة في حياته، لم تكن موجودة في السابق، ثم إنه يلتقي مع أشخاص جدد، وربما ينمي علاقات صداقة مع الزائرين من عمره، إلى جانب الاستفادة من طاقم العمل الذي هو من أكفأ العاملين في المتحف، ومن المزايا التي تعطي للتطوع، الدخول مجاناً إلى جميع متاحف الشارقة، ويمنح خصم ‬01٪ عند التسوق من منافذ بيع المتاحف، أو عند تناول المأكولات والمشروبات في مطاعم ومقاهي المتاحف، كما يمنح بطاقة عمل طوعي سارية المفعول، بموجبها تمكنه من الحركة بيسر وسهولة.

تجربة خاصة

وقدمت عزة أحمد إحدى المتطوعات تجربتها التطوعية فقالت: لي تجربة خاصة في جانب التطوع في إدارة المتاحف في الشارقة، حيث أجد أن العمل التطوعي هو جزء كبير من الأعمال الإنسانية في مختلف مجالات الحياة، والشعور بالتطوع في أي مجال من مجالات الحياة هو شعور بالرضا والسعادة وراحة للنفس، وأتمنى أن يجتهد الكثير من شبابنا وفتياتنا وأن يتطوعوا في أي مجال يرون أنهم سوف يبدعون فيه ويقدمون كل المساعدة للمحتاجين، أو حتى في مجال آخر كمثل الشباب والفتيات الذين اختاروا متاحف الشارقة للتطوع فيها.

وقالت منال عطايا مدير عام إدارة متاحف الشارقة: نحن نرى أن العمل التطوعي واجب اجتماعي لما له من آثار ايجابية كثيرة، كتحقيق التقارب بين فئات المجتمع وتماسكها وتنمية الروابط بينها، كما أنه وسيلة لتعبير الفرد عن مشاعر الولاء والانتماء لمجتمعه، ونسعى من خلال هذه الجلسات الحوارية إلى نشر الوعي حول أهمية التطوع، في مجال المتاحف، وضرورة إعداد أفراد راغبين في الانخراط في هذا المجال، والقيام بتأهيلهم وتدريبهم، من أجل تطوير العمل التطوعي، سعياً إلى تحقيق الأهداف المرجوة منه.

وعن اهتمام إدارة المتاحف بالعمل التطوعي، قالت عطايا: العمل التطوعي واجب اجتماعي، وله آثار ايجابية كثيرة، كتحقيق التقارب بين فئات المجتمع، وتماسكها وتنمية الروابط بينها، ومتاحف الشارقة شأنها شأن متاحف العالم، تهتم بجذب المتطوعين للعمل في متاحفها، والمتطوعون العاملون معنا جزء هام من طاقم عمل المتحف، لأنهم يسهمون في إنجاز مهامه وتحقيق رسالته، كما أن المتحف يستقبل المتطوعين باختلاف ثقافتهم وميولهم، وتشكل أوقات الدوام المرنة، ومواقع المتاحف، والمهام التي يقوموا بها، دافعاً للجميع على العمل والمثابرة، ويمكن تعريف مهام المتطوع في إدارة المتاحف، بمساعدة العاملين ببرامج الخدمات التعليمية، المقدمة للمدرسة والأسرة، التي تتضمن زيارة الأفواج والورش العائلية الأسبوعية، ومحاضرات مسائية يلقيها محاضرون مختصون في مجال المتاحف، وتنفيذ بعض المهام الإدارية، وجمع المعلومات من الزوار، حيث تقوم الإدارة بإعداد الاستبيانات لاستطلاع الرأي الذي يعد جزءاً هاماً من عمل المتحف، فمثل هذه الاستبيانات تفعل دور المتحف وتسعى لتحقيق الرسالة على أفضل وجه، كذلك من مهام المتطوعين في متاحف الشارقة، الترويج للفعاليات التي تقوم بها الإدارة، مثل فعالية اليوم المفتوح للمدرسين، أو افتتاح متاحف جديدة، وأيضاً المعارض المقامة خارج المتاحف، أما بالنسبة لساعات دوام المتطوعين، فنحن نستقطب متطوعون دائمون، مستعدون للعمل وفق أوقات منتظمة (يوم أو يومين في الأسبوع مثلا) ومتطوعون مؤقتون، مستعدون لمساعدة موظفي المتاحف في الفعاليات الخاصة.

الإمارات تبدي اهتماماً كبيراً بثقافة التطوع

من البصمات الكبيرة التي تركت أثراً في نفوس أبناء الإمارات، اهتمام المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، بتنظيم العمل التطوعي في الدولة عندما أصدر القانون الاتحادي رقم ‬6 لسنة ‬1974 وتعديلاته بالقانون ‬20 لسنة ‬1981، بشأن الجمعيات ذات النفع العام وتضمن القانون الكثير، من القضايا المتعلقة بتنظيم العمل بتلك الجمعيات، ومنها العمل الذي يأخذ شكل التطوع والمبادرة في تقديم خدمات للجمهور، ويعد العمل التطوعي ذا أهمية كبيرة وجليلة، تؤثر بشكل إيجابي في حياة الفرد والأسرة والمجتمع، وله الكثير من الايجابيات، ومنها تحسين المستوى الاقتصادي والاجتماعي والحفاظ على القيم الإسلامية، وتجسيد مبدأ التكافل الاجتماعي واستثمار الوقت لصالح الفرد والمجتمع، وفي مجتمعات العالم ومنها مجتمع الإمارات، يحظى العمل التطوعي باهتمام خاص، ويدل على ذلك كثرة عدد مؤسسات وجمعيات العمل التطوعي، منها ما حكومي ومنها ما هو خاص بالمجتمعات المدنية، وتعتبر جمعية متطوعي الإمارات أول جمعية إماراتية تأسست في ‬11 ديسمبر عام ‬1996، وأشهرت لدى وزارة العمل والشؤون الاجتماعية بتاريخ ‬13 نوفمبر ‬1997 وهي كغيرها من الجمعيات الأخرى تعمل على نشر العمل التطوعي الإنساني بالدولة.