بدأت طلائع السياح الموسميين تحط بمدن الصحراء الجزائرية لقضاء أعياد الميلاد، كما جرت العادة، وسط طبيعة خلابة وبسيطة في الوقت نفسه. فقد وصلت دفعات إلى كل من «تمنراست» عاصمة اكبر ولايات البلاد مساحة و«جانت» الواقعة قرب الحدود الليبية في رحلات جوية مباشرة من ألمانيا والسويد وفرنسا وبلجيكا وسويسرا وهولندا وهي البلدان التي اعتادت على تسجيل عدد كبير من الزوار في مثل هذا الوقت كل عام. ومن بين من يصلون الجزائر لقضاء عطل أعياد الميلاد أفراد من العائلات المالكة في شمال أوروبا واسبانيا وبريطانيا ومسؤولين من البرتغال وايطاليا.
وشددت وحدات الجيش والدرك والشرطة تدابير الحماية على كل المواقع التي سيتوزع عليها السياح عبر براري واسعة لقضاء ليال بأكملها في الهواء الطلق. ويتسلق عدد كبير منهم جبل «ايسكريم» لمشاهدة شروق اليوم الأول من العام الجديد. ومن بين ما تروج به الوكالات السياحية الأوروبية التي تنقل السياح إلى الجزائر أن مشاهدة شروق الشمس من أعلى قمة «ايسكريم» هي أجمل مشاهدة في هذا العالم. وسجلت وكالات السياحة ارتفاعا محسوسا في عدد الوافدين بالقياس إلى هذا الوقت في السنوات الماضية ربما لكون عدد كبير ممن كانوا يحيون الأعياد في مالي والنيجر تحولوا إلى المدن الصحراوية الجزائرية نظرا لتدهور الوضع الأمني في البلدين، خاصة بعد موجة الاختطافات التي سجلت في الأعوام الأخيرة في البلدين، فيما الوضع في مدن جنوب الجزائر آمن تماما.
ويزور السياح معالم أثرية كثيرة يعود تاريخها إلى ما قبل ثمانية إلى عشرة آلاف سنة خلت حين كانت تلك المناطق سهولا ومروجا خضراء زاهية تتخللها وديان وجداول جارية على مدار العام وتعيش بها حيوانات برية كثيرة انقرضت من الجزائر تماما مثل الفيل والزرافة ووحيد القرن والجاموس البري وغيرها ولم يبق منها اليوم غير الضباع والفهد البري وأنواع من الغزلان والثدييات الصغيرة.
وأرخ الإنسان الذي كان يعمر تلك المناطق لتلك الحقبة من الزمن بألواح فنية في شكل رسوم للطبيعة ونمط المعيشة على جدران الكهوف التي تؤويه وصخور المحيطة به وأشهرها صخرة «البقرة الباكية» التي يزورها آلاف السياح سنويا خاصة في مثل هذا الوقت. وهي منحوتة لبقرة تبكي لما عادت من موسم الهجرة إلى موطنها فوجدت الحال تغير والينابيع والجداول جفت فبكت منذ نحو ثمانية آلاف عام ولا تزال صورتها قائمة في «حظيرة الطاسيلي» المصنفة على أنها اكبر متحف مفتوح على الهواء في العالم.
ويعتقد أن وقت نحت تلك الرسمة كان بداية القحط والتصحر الكبير للمنطقة. وبدأت قوافل السياح تجوب تلك الأرجاء مستعينة بمئات من المرشدين السياحيين من سكان المنطقة وبمساعدة من السلطات المحلية والمركزية.
الجزائر ـــ «البيان»
