في الثالث من ديسمبر سنة 1983 شهدت باريس تظاهرة حاشدة أصبحت تاريخا، شارك فيها نحو 100 ألف من أصول مهاجرة، وعرفت باسم »مسيرة البور« (العرب). نزل هؤلاء إلى الشارع في فترة حكم الاشتراكيين، يطالبون بالمساواة ومواجهة العنصرية. وعلى الرغم من أن الرسالة وصلت، فإن الوضع لم يتغير.
واليوم بعد مرور نحو ربع قرن على ذلك الحدث، لا تزال الهيئات الفرنسية الرسمية العليا خالية من أصحاب السحنات السمر، ولكن هاهي وجوه جديدة تطل مع الانتخابات في هذه السنة بأسماء يرن فيها صدى الآباء، الذين خدموا هذا البلد وضحّوا من أجله. من هؤلاء وماذا يريدون، وماذا سيكون عليه دورهم؟ لم تشهد فرنسا منذ الثمانينات في القرن الماضي، ارتفاعا في درجة الحرارة السياسية كالتي تعيشها في الوقت الحاضر، ذلك أنها مقدمة لحدثين انتخابيين مهمين وفريدين من نوعهما، تترتب عليهما تحولات سياسية كبيرة، داخلية وخارجية. يتمثل الحدث الأول في الانتخابات الرئاسية المقررة في 22 ابريل/ نيسان الحالي، والحدث الثاني، هو الانتخابات التشريعية المقررة في العاشر من يونيو/ حزيران المقبل.
إن ما يستحق التوقف أمامه اليوم أكثر من غيره، هو جملة المعطيات المؤثرة على الصعيد المحلي، وهي في أغلبيتها جديدة، وذات مفاعيل لاحقة على المديين المتوسط والبعيد: الأول، هو أن هناك طبقة سياسية جديدة تدخل ميدان السباق الرئاسي، في الوقت الذي تنطوي فيه صفحة طبقة سياسية قديمة، شاخت وبلغت سن التقاعد السياسي والزمني معا. وما بين هاتين الطبقتين ثمة مسافات سياسية على طريق الانتقال من قيم الحرب الباردة، ونزاعات النصف الثاني من القرن العشرين، نحو إفرازات ما بعد سقوط جدار برلين، والانتفاضة الفلسطينية، وتداعيات أحداث 11 سبتمبر/أيلول، واحتلال العراق.والمعطى الثاني، هو أن جيلاً جديداً من الناخبين يدخل الميدان لأول مرة، وتغلب عليه الحماسة للمساهمة في هذا الاستحقاق.
وخصوصا جيل الشباب من الفرنسيين المنحدرين من أصول أجنبية، حيث الغالبية العظمى هي من أبناء الجاليات العربية المغاربية والأفريقية المسلمة. سوف يخوض هذا الجيل التجربة وأمامه من جهة، تراكمات الماضي الصعب الذي عاشه جيل الآباء، الذي واجه العنصرية والتمييز الكبير على المستويين التمثيلي والقانوني، والإقصاء الثقافي والاجتماعي، واختلاف سلم القيم، وأنماط التفكير.
ومن جهة ثانية، فإن صورة اضطرابات الضواحي التي تسكنها أغلبية عربية ومسلمة، والتي حصلت في خريف سنة، 2005 لا تزال ماثلة في الأذهان، لأن وعود الحكومة الفرنسية للعمل على معالجة الاختلالات الكبيرة في هذه المناطق ذهبت كلها أدراج الرياح.أما المعطى الثالث، فهو أن هناك إجماعا في أوساط الفرنسيين، الذين ينحدرون من أصول مهاجرة على المشاركة في هذه الانتخابات، على عكس ما كان عليه الأمر في السابق.
ويمكن أن نعزو الاستنكاف عن الانخراط في التجارب الانتخابية سابقا إلى سببين: الأول، هو غياب وعي الأجيال القديمة بحقوقها المدنية، وذلك نظراً لمحدودية المستوى التعليمي والثقافي، فهذه الشريحة هي في أغلبيتها من العمال، الذين جاؤوا إلى فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية، ولم تسمح لهم الظروف الحياتية وقوانين الهجرة، باكتساب حقوق المواطنة على نحو طبيعي، أسوة بالمهاجرين الذين قدموا من بلدان أخرى مثل البرتغال وأوروبا الشرقية، والذين نالوا الجنسية الفرنسية خلال وقت قصير.
وصاروا يعتبرون أنفسهم مواطنين فرنسيين. والسبب الثاني، هو أن هناك أطرافا لم تكن لها مصلحة في إدماج المهاجرين العرب والمسلمين في الحياة السياسية الفرنسية، وعملت بوسائل مختلفة لإبقائهم كقوة عمل تعيش على الهامش الفرنسي، ولهذا لا يزال البعض ينظر هذه النظرة القاصرة والعنصرية نحو الأجيال الجديدة.
إن ما يطمح إليه هؤلاء هو أن يبقى هذا الرصيد بعيداً عن أي تأثير في المجرى الفرنسي العام.
تنافس شديد
والمعطى الرابع، هو التنافس الشديد بين المرشحين على الصوت العربي، من نيكولا ساركوزي مرشح اليمين التقليدي وحتى جان ماري لوبين مرشح اليمين المتطرف، المعادي للجاليات العربية والمسلمة. وانعكس هذا الاهتمام والتنافس في أن جميع المرشحين أحاطوا أنفسهم بوجوه عربية. وقد استبق ساركوزي الجميع بتعيين القاضية المغربية الأصل رشيدة داتي (41 سنة) ناطقة باسم حملته الانتخابية.
وتبين أن الغرض الفعلي من وراء ذلك هو تحقيق اختراقات في الضواحي العربية التي تكن له عداوة، منذ أن أطلق تصريحه الشهير الذي وصف فيه الشبان هناك بــ »الحثالات«. ويبدو أن »رشيدة داتي« لم تتمكن من بناء قاعدة لمرشح اليمين التقليدي في أي ضاحية من الضواحي، لذا بقي ساركوزي المرشح الوحيد الذي لم تطأ قدماه أرض الضواحي خلال الحملة الانتخابية، خوفا من ردود فعل الشبان هناك.
واللافت هنا هو أن الكثير من خصومه صاروا يعيرونه بذلك، ويعتبرون عدم قدرته على زيارة الضواحي مؤشرا أساسيا على عدم قدرته على الحكم لاحقا، بل حولوا هذا الموقف إلى شعار انتخابي من اليمين إلى اليسار، وصار ساركوزي ينعت بـ »الرجل الذي يخاف زيارة الضواحي«، ومن هنا يفسر البعض الانعطاف من طرفه لكسب أصوات اليمين المتطرف، من خلال اللعب على وتر »الهوية الوطنية والهجرة«.
أما المرشحة الاشتراكية سيغولين رويال، التي اختارت الشابة المغربية الأصل نجاة بلقاسم (29 سنة) لتكون ناطقة رسمية باسمها، فإنها لم تفعل ذلك إلا لكي يقربها من الجاليات، ولم تظهر بلقاسم في وسائل الإعلام بالقدر الذي ظهرت فيه »رشيدة داتي«، مع أنها لامعة ومتمكنة وخريجة معهد العلوم السياسية الراقي، الذي تخرج فيه أبرز الكوادر السياسية الفرنسية.
والواضح هنا هو أن رويال أرادت أن توجه رسالة للرأي العام والوسط العربي للقول، إنها هي أيضا اختارت مواطنة عربية لتكون ناطقة باسمها، وليس ساركوزي فقط. والجدير بالملاحظة، هو أن المرشحة الاشتراكية تبذل جهداً كبيراً لتغيير أسلوب تعامل الحزب الاشتراكي التقليدي مع الجاليات العربية والمسلمة، وهو الأسلوب الذي اتسم في السابق بفوقية وتعاطيه عن بعد مع العرب، ومن خلال وسطاء محددين.
وقد اخفت رويال من الواجهة المستشارين المقربين اللذين كانت تعتمد عليهما للتعامل مع هذا الوسط، بسبب رفضهما من قبل الجاليات العربية، وهما الجزائريان »مالك بوطيع« و»فضيلة عمارة«، ويعود السبب الفعلي في رفض الجاليات للتعامل مع هذين الشخصين إلى كون الأول لم يقدم أي خدمة للجالية من خلال وجوده على رأس »منظمة مكافحة العنصرية«، أو من خلال موقعه في الحزب الاشتراكي، وهو صاحب نظرة »مستغربة« تمثل الطرف الفرنسي أكثر من الجاليات، حيث ينادي بالتخلي عن الهوية الأصلية، وحتى القيم الأخلاقية.
بينما تعتبر عمارة في نظر الجالية العربية من صنع وتركيبة الحزب الاشتراكي، وليست خارجة من صميم الجاليات، وهي استخدمت من اجل غايات محددة مثل مواجهة »الحجاب«، وقادت تظاهرات تندد بالقيم العربية والإسلامية السارية في الضواحي، واعتبرت الإسلام مرادفاً لاضطهاد المرأة.
لم يقصّر مرشح يمين الوسط فرانسوا بايرو في هذا الميدان، حيث أحاط نفسه بعدد من المستشارين العرب، وهو يعتبر الأقرب من بين المرشحين الأساسيين إلى الجاليات العربية، وقد انتبه منذ البداية إلى هذا القطاع الذي يشكل خزاناً انتخابياً كبيراً، وكان لافتاً في وسائل الإعلام، وعلى مستوى الطبقة السياسية، حين دعا في احتفالات عيد الميلاد في نهاية السنة الماضية أمهات عربيات من الضواحي إلى حفل عشاء تخلله تبادل كلمات، والاستماع إلى مطالب الجاليات من خلال أصوات الأمهات.
وتبين مع الوقت أن بايرو يسير وفق خطة عمل إستراتيجية، هدفها تحقيق خرق فعلي في الأوساط العربية، ويمكن القول انه أصبح اليوم المرشح الأكثر شعبية فيها. ويعود ذلك إلى عدة أسباب: الأول، هو يأس الجاليات العربية من اليمين التقليدي والاشتراكيين في نفس الوقت، ورغم أن الرئيس الحالي جاك شيراك حاول إنصاف هذه الجاليات في ولايته الرئاسية الثانية، من خلال إسناد منصبين وزاريين لمنحدرين من أصول عربية، فإن هذه الجاليات بقيت ضحية تمييز كبير للتمثيل الانتخابي.
وتؤكد المعلومات اليوم وجود نحو 6 ملايين صوت انتخابي يشكلون نحو 12 في المائة من المجموع العام للناخبين، لكن المعادل التمثيلي لا يصل حتى 2 في المائة.
والسبب الثاني، هو أن بايرو اختار خطاباً سياسياً قريباً من هموم هذه الجاليات ومشاكلها، كما انه أعطى آذانا صاغية للاستماع إلى مشاكلها وتوجه نحوها، وأحاط نفسه بالكثير من الشبان الفاعلين على صعيد العمل الميداني في الضواحي، وساعده في ذلك أن الناطق الرسمي باسمه »جان كريستوف لاغارد« هو عمدة منطقة »رانسي« التي تعد إحدى ضواحي باريس الكبيرة. وقد رد بايرو على مخاطر الدعوات التي أطلقها ساركوزي بصدد إنشاء وزارة »الهوية الوطنية والهجرة«، وفند ذلك. وهناك الكثير من الذين يرون أن البعد الديني (كاثوليكي) في شخصيته، يلعب دوراً خاصاً لمصلحته.
ومهما يكن من أمر فإن اختيار ساركوزي ورويال لشابتين من أصول عربية مغاربية ناطقتين رسميتين، يشكل تقدماً كبيراً على صعيد حضور هذه الجاليات من جهة في المشهد الفرنسي العام، والثقل الذي تمثله، ومن جهة أخرى هو انعكاس لإدراك المرشحين لأهمية صوت هذه الجاليات في الانتخابات. وحتى لو كانت هذه العملية لغرض الديكور والاستخدام الانتخابي، فإنها تعبر عن أن هذه الجاليات باتت قادرة على التأثير في مجرى الحياة السياسية في فرنسا، مما يطرح بقوة مسألة بناء »لوبي عربي« فعلي.
وهناك معطى خامس، يتمثل في غياب أي استطلاع رأي حتى الآن يبيّن اتجاهات التصويت في الأوساط العربية، وذلك نابع من عدة أسباب، أهمها هو محاولة تجاهل الصوت العربي، وذلك في محاولة للتقليل من أهميته، والتخفيف من تأثيره، والعمل على تهميشه في وسائل الإعلام، وعدم إعطائه الفرصة لكي يصبح احد المكونات الفاعلة في العملية الانتخابية.
والمعطى السادس، هو النقاش المحتدم بين أبناء الجاليات العربية حول أهمية هذه الانتخابات واتجاهات التصويت، وذلك يتم عن طريق منتديات الانترنت، والإذاعات المحلية، وفي اللقاءات السياسية والمحاضرات، التي تقام لهذا الغرض، وينظمها مثقفون وكتاب وصحافيون ورجال أعمال وفنانون ومؤسسات المجتمع المدني. ومن أهم المنابر التي تشارك في النقاش حول هذه المسألة مواقع »أمة«، »ليز اندي جين« (البلديون)، »انتيغون«، وإذاعة »ميديتيرانيه« التي يمتلكها الصحافي التونسي توفيق المثلوثي، وإذاعة »فرانس مغرب«، و»راديو بير« (عرب).
أما المعطى السابع، فيتمثل في غياب أي دور رسمي عربي حتى عشية الانتخابات. ففي السابق كانت بعض دول المغرب العربي توجه مواطنيها بصورة غير مباشرة للتصويت لهذا المرشح أو ذاك، لكن الملاحظ اليوم هو أن هذه الدول تقف على الحياد في صورة رسمية.
وقد يكون السر في ذلك هو غياب مرشح إجماع يتبنى القضايا العربية، على غرار ما كان يتبناها جاك شيراك مثلا. والمعطى الثامن، وهو معطى حاسم، ويتمثل في مراقبة الناخبين العرب لمواقف المرشحين من القضية الفلسطينية، واحتلال العراق، وحتى الموقف من عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي، والتي تلقى معارضة شديدة بسبب كونها بلداً مسلماً.
الهوية والهجرة
زاد من أهمية وضرورة المشاركة في الانتخابات، الوعد الذي أطلقه ساركوزي بإنشاء وزارة لـ »الهوية الوطنية والهجرة«، في حال انتخابه لرئاسة الجمهورية. وقد استقبلت هذه المسألة على نحو سلبي في أوساط الجاليات العربية، التي رأت فيها شكلاً جديداً من أشكال التمييز، وتهديداً للمكتسبات التي حققتها على صعيد اندماجها في المجتمع الفرنسي. واعتبر البعض أطروحة ساركوزي نوعا من الدعاية الانتخابية العابرة، التي تهدف لمغازلة ناخبي أقصى اليمين المتطرف المعادي للعرب والمسلمين، لكسب أصواتهم في الجولة الثانية، لأن الربط بين الهوية والهجرة يعني أن المهاجرين يمثلون الخطر الفعلي على الهوية الفرنسية، والمقصود من ذلك البعد الإسلامي بالدرجة الأولى، لذلك يجري التنديد علناً باللحم الحلال، وارتداء الحجاب، وبناء المساجد، والأسماء العربية... إلخ.
وفي جميع الأحوال تأتي هذه الأطروحة في سياق نظرة أبعد وأشمل، يقف خلفها الفيلسوف ذو الأصل الايطالي ماكس غالو، صاحب التوجهات القومية، التي لا تخفي إعجابها بالعرق كمكون أساسي للقومية.
إن إثارة قضية الهوية في هذا الظرف تثير ردود فعل سلبية على المستوى العام وذلك لسببين: الأول، هو أن عناصر تكوين الهوية متحركة وليست ثابتة.
والثاني، هو أن هذه الأطروحة يمكن أن تتجاوز بعدها المحلي على نحو سريع، الأمر الذي يترتب عليه زج فرنسا في نزاعات دولية على خلفية صراع الحضارات والأديان، وما شابه ذلك.
إن هذا يقود إلى التوقف مطولا عند التأييد العلني، الذي تبديه منذ عدة أشهر الطائفة اليهودية للمرشح ساركوزي ابن المهاجر الهنغاري، والتبني التام لترشيحه، فهذه الطائفة محسوبة تاريخيا على الحزب الاشتراكي، ويعد ساركوزي أول مرشح يميني يحظى بتأييدها، ويعود ذلك حسب مجلة »ماريان« لأصله اليهودي ومواقفه الصريحة المؤيدة لـ »إسرائيل«.
وبرز الدعم لساركوزي على نحو كبير في أوساط الفنانين والمثقفين والكتاب والصحافيين وصانعي الرأي العام، والنخب اليهودية.
ومثال ذلك »روبير الصراف« مدير »إذاعة شالوم« التي تبث من باريس، و»جان مارك بن حمو« الصديق المقرب من الرئيس الاشتراكي الفرنسي السابق فرانسوا ميتيران، والفيلسوف »اندريه غلوكسمان«. وتدور كافة التبريرات حول المواقف المعلنة لساركوزي المؤيدة لـ »إسرائيل« والولايات المتحدة، ومكافحة ما يسمى »العداء للسامية«، كوزير للداخلية والأمن.
أما المفكر اليهودي الفرنسي »آلان فينكلكروت« فقد عكس جانباً أكثر خطورة في القضية، حين تحدث مؤخرا في »إسرائيل« خلال لقاء مع مثقفين وسياسيين، نظمه معهد تخطيط السياسات اليهودية، أنه »لا مستقبل لليهود في مجتمع متعدد الثقافات، ولن يكون لهم مستقبل في فرنسا إلا في ظل الدولة الأمة«.
والواضح هنا هو التقاطع بين كل من فنكلكروت وماكس غالو عند ساركوزي، انطلاقا من أن الجالية العربية والمسلمة تمثل خطرا ليس على الهوية الفرنسية فحسب، بل كذلك على مستقبل اليهود في فرنسا، حيث إن الجالية الإسلامية تعادل عشر مرات على الأقل وزن الجالية اليهودية الانتخابي (عرب ومسلمو فرنسا= ستة ملايين. ويهود فرنسا نحو 600 ألف).