انضم خلفان حسن المطروشي وخالد سالم علي سالم أحمد المهيري، وهما من طلاب كليات التقنية العليا في كلية الشارقة للبنين، إلى فريق مؤلف من 18 شاباً من 10 دول عربية وأجنبية في رحلة استثنائية استمرت خمسة أيام، زاروا خلالها جبل شمس الذي يشمخ على ارتفاع 3 آلاف متر ويعتبر أعلى قمة جبلية في سلطنة عُمان وذلك ضمن برنامج تواصل الثقافات الذي تنظمه «دي اتش ال» في الإمارات كمبادرة تعليمية تهدف إلى تعزيز سبل الحوار والتفاهم بين شباب العالم على اختلاف ثقافاتهم ومعتقداتهم.
ولأن الحوار والتفاعل المنتظم بين الثقافات يحظى بأهمية متزايدة في عصرنا الراهن عمد برنامج (تواصل الثقافات) إلى تجاوز حدود اللغة والثقافة والعرق وتقريب وجهات النظر بين قادة المستقبل في محاولة لتبادل المعتقدات والقناعات والآمال والتطلعات، بعيداً عن اضطرابات العالم الخارجي أملا في إعداد جيل قادر على جعل هذا العالم مكاناً أفضل للعيش. أرت لونبرك مشرف قسم إدارة الأعمال وتقنية المعلومات للسنة الأولى في الكلية قال: «إن مثل هذه الرحلات توسع آفاق الطلبة من خلال احتكاكهم بزملاء من جنسيات مختلفة تساعد على تقبلهم للثقافات التي ينتمي إليها هؤلاء الطلبة وبالتالي كسر الحواجز الثقافية والتاريخية التي يعتبرها البعض عقبة في وجه هذا النوع من الربط الثقافي». وقالت جانيت جويهان، مدير «دي إتش إل» في الإمارات، والتي كانت الشريك الرئيسي لهذا البرنامج منذ انطلاقــه عـــام 2005، ان برنامج «تواصل الثقافات» يجسد انعكاساً لروح التعاون والتخطيط التي تعد جوهر العمليات اللوجستية العالمية لشركة «دي إتش إل».
وأشارت إلى أن مبادرة (تواصل الثقافات) تسعى إلى جعل العالم أكثر تقارباً، ويسعدنا أن يتزايد عدد الشباب الراغبين بالمشاركة في هذا البرنامج، ولكن ما أسعدنا أكثر هو انضمام طالبين إماراتيين إلى هذه الرحلة». واعتبر المهيري والمطروشي الرحلة امتداداً للأنشطة الجماعية والتعليمية التي يشاركان بها في الكلية. وأوضح خلفان حسن المطروشي، الذي حضر العديد من معسكرات الشباب وكان أيضاً سكرتيراً لمجلس طلاب كلية الشارقة للبنين، أن المشاركة في مثل هذه النشاطات الجماعية قد ساعدته على تطوير مهاراته التحفيزية والقيادية وقدراته على حل المشكلات. وأضاف: «(تواصل الثقافات) وفر لي تجربة تثقيفية هامة، ودعماً قوياً لجهودي في سبيل بناء حياة عملية ناجحة بعد التخرج». وأكد الطالبان اللذان سافرا كممثلين باسم الدولة أن النقاشات التي شارك فيها الفريق خلصت إلى ان الإعلام العربي والغربي مسؤولان رئيسيان عن الأفكار والصور المغلوطة التي يحملها كلاهما للآخر، داعين المؤسسات الإعلامية العربية لاستثمار التكنولوجيا الرقمية في التصدي للصورة النمطية التي تتعرض لها الأمة العربية والإسلامية، مؤكدين أن الإعلام الحر الصادق هو الطريق الصحيح الذي يمكن أن يساعد في جسر الفجوات الموجودة وتحقيق تفاهم اكبر إذا ما استخدم بطريقة تنم عن مسؤولية اجتماعية لأن واجب الإعلام تبصير المتلقي من خلال تقديم صورة حقيقية لشعوب العالم وما يجري بينهم.
وقالوا إن مشاركة شباب من جنسيات مختلفة عربية وغربية أسهمت في تصحيح بعض الأفكار وتغييرها خاصة فيما يتعلق بصراع الأديان وضرورة احترامها، وان الدين الإسلامي دين يعزز مفاهيم المحبة والتواصل لا دين مبني على التشدد والإرهاب كما يشاع لديهم، مشيرين إلى أن الطلبة الذين ينتمون إلى جنسيات أوروبية كالفرنسية والنمساوية والبريطانية كانوا الأكثر اهتماما في معرفة تفاصيل دقيقة عن الشعوب العربية وواقع حياتها الاجتماعية والمشكلات التي تعاني منها. وأوضح خالد سالم المهيري أن ما اكتشفه المشاركون في الملتقى بعد أن تبادلوا الآراء يدعو للحزن فمعظم المعلومات لا تنتمي للواقع في شيء لأن الإعلام العربي والغربي لا يوفر صورة متوازنة وشاملة للفئات المختلفة في المجتمع كما أنها تقوم بنقل وجهات نظر رسمية ولا تصل إلى الجماهير في شتى أنحاء العالم بل هي موجهة إلى فئة بعينها وبالتالي فإن تأثيرها يبقى محدودا للغاية رغم أن الإعلام يمكن له أن يكون الفيصل في صراع الحضارات القائم والذي اعتقد أن غالبية الصراعات والحروب قائمة عليه.
وقال شاركنا 18 شابا ينتمون إلى جنسيات وحضارات وديانات مختلفة إلا أننا تلاقينا في الأفكار والمخططات وتبادلنا وجهات النظر بشكل حضاري ودون تصادم. كل منا أجاب الآخر على بعض التساؤلات العالقة في الأذهان وبدورنا صححنا لهم مفاهيماً خاصة في صلب ديانتنا وعاداتنا وشعرنا إنهم قدروا هذا الجانب بل واحترموه بصورة جلية، مشيرا إلى تطرقهم إلى مسألة مشكلات الشباب والحرية والتفكك الأسري.
وذكر ما أثلج صدورنا انه مشاكلهم التي كنا نعتقد أنها مفتاح للسعادة كالحرية الزائدة لديهم والتفكك الأسري باتت بمثابة لعنة يحالون التخلص منها.
إعلام قاصر
زميله خلفان حسن المطروشي قال إنه إلى جانب العودة إلى الطبيعة والاطلاع عن كثب على حضارة سلطنة عمان من خلال التخييم في الجبل الأخضر وجبل الشمس بعيدا عن العاصمة مسقط بحوالي ثلاث ساعات حيث الطبيعة الخلابة والأجواء الساحرة التي لا يلوثها ضجيج المدن أصبحنا أكثر قدرة على حوار الآخر والتعريف ببلداننا دون قيود أو مخاوف كما تعلمنا مهارات القيادة والعمل بروح الفريق، مشيرا إلى تطرقهم من خلال الجلسات الحوارية لأسباب عدم التواصل الحضاري وقصور الإعلام وضرورة احترامه للرأي والرأي الأخر.
وأكد أن الرحلة انعكست عليه بشكل ايجابي من خلال تعلمه آلية حل المشكلات وفهمه لثقافات بعض الشعوب واحترام الآخر مهما كان جنسه ولأي ديانة ينتمي، مشيراً إلى أن الرحلة عززت تقديره وافتخاره بالعادات والتقاليد العربية المستمدة من الدين الإسلامي الحنيف التي جنبت الشباب والمجتمعات العربية من مغبة المشكلات الكثيرة التي تعاني منها الشعوب الأوروبية والذين تحدثوا عنها بألم منها العنف الطلابي والحرية الزائدة وإشكالياتها مستغربين اننا شعوب لا نعاني من مثل هذه المعضلات أبدا.
وتمنى المطروشي وهو سكرتير عام مجلس طلاب كلية التقنية العليا أن تتكرر المناسبات التي تجمع الشباب من شتى بقاع العالم، مؤكدا أن التغييرات في العالم ستقود لوائها القيادات الشابة الفتية المنفتحة على بعضها البعض دون أن تتأثر حضاراتهم بهذا التمازج.
وقال الطالبان اللذان يتحدثان الانجليزية بطلاقة وصلنا في المعسكر إلى غايات إنسانية نتمنى لها أن تتحقق في العام 2030 منها تحقيق سلام شامل في العالم وتحقيق العدالة والديمقراطية واحترام البيئة وخلق عالم خال من الأمراض وضمان حق التعلم للجميع وتكافؤ الفرص.
وأضاف الشابان كنا نقوم باجتياز مسافات متفاوتة كل يوم ابتداءً من مخيم الجبل في الصباح الباكر، متعقبين بذلك آثار أقدام الحيوانات في إحدى أجمل المناطق في السلطنة. وخلال فترة الغداء، يجتمع الفريق لإجراء بعض النقاشات، قبل أن نجتمع مرة أخرى ليلاً حول نار المعسكر لتلخيص مجريات النهار وتبادل وجهات النظر في ما بيننا.
أهداف المبادرة
تهدف مبادرة «تواصل الثقافات»، التي انطلقت في لندن عام 2004 من قبل الأمير تركي الفيصل؛ ومؤسسها مارك إيفانز، إلى تعزيز الحوار الثقافي بين جيل الشباب في العالمين الغربي والعربي، لخلق نماذج إيجابية لدور الشباب في المجتمع، وتدريبهم على المهارات الأساسية اللازمة لدخول الحياة العملية بنجاح كما تهدف إلى الترويج لحوارِ متباين الثقافةِ بين الشبابِ مِنْ العالمِ الغربيِ والعربيِ، وخَلْق أمثلة صغيرةِ ايجابيةِ للمجتمعِ، ولتزويد الشبابِ بمهاراتَ حياتية لدُخُول عالمِ العملِ بنجاح.
وقال سمير ديسوزا مدير عام «دي إتش إل» في سلطنة عُمان: «بصفتنا المزود الرائد للبريد السريع والخدمات اللوجستية في سلطنة عمان ومنطقة الشرق الأوسط، يسعدنا أن ندعم مجدداً مبادرة (تواصل الثقافات) التي تكتسب أهمية متنامية وتشهد مشاركة متزايدة من مختلف أنحاء العالم.
وأضاف من الطبيعي أن ندعم المبادرة نظراً لانسجام أهدافها مع رسالة (دي إتش إل) التي تتلخص في توفير حلول مبتكرة حتى في أصعب الظروف والبيئات التي تحف بالتحديات».
ويأتي دعم «دي إتش إل» لرحلة اجتياز الصحراء 2008، بعد أن كانت قد رعت «الرحلة القطبية»، التي كانت باكورة فعاليات «تواصل الثقافات» في عام 2005، وحملة «اجتياز الصحراء في عام 2007»، التي شهدت مشاركة 15 شاباً من ست دول هي الأردن وسلطنة عمان والمملكة المتحدة والمملكة العربية السعودية وفيجي وباكستان، حيث أمضوا خلالها خمسة أيام على رمال صحراء عُمان.
وذكر مارك إيفانز انه في الوقت الذي يشهد فيه العالم استقطاباً متزايداً، نجحت مبادرة (تواصل الثقافات) في بناء جسور للحوار والتواصل بين مجموعات من الشباب الذين ينتمون إلى بلدان وثقافات مختلفة.
فوجودهم سوية في مناطق نائية وهادئة مثل صحراء (الشرقية)، يتيح لهم فرصة التركيز على الجوانب المشتركة بين ثقافاتهم في بلد مثل سلطنة عُمان التي توفر نموذجاً ناجحاً لتعايش الناس باحترام متبادل مهما اختلفت ثقافاتهم، إضافة إلى إتاحة الفرصة أمام الشباب المشاركين لاكتساب مهارات أساسية تثري خبرتهم وتمكنهم من خوض الحياة العملية في المستقبل بقوة وثقة.
وغالباً ما تدور نقاشات المشاركين في الرحلة حول الثقافات التي يمثلونها، بحيث يدركون أنه بالرغم من إمكانية تنوع الآراء حول قضية ما، إلا أن القيم الأساسية المشتركة بين بني البشر تبقى موضع إجماع. وتساهم الخبرات التي يكتسبها هؤلاء الشباب في تعزيز قدرتهم على تحديد أدوارهم ومسؤولياتهم المستقبلية باعتبارهم عماد مجتمع الغد.
نورا الأمير



