جميلا كان منزلنا الذي سكنته أيام طفولتي مع إخوتي بالرغم من ضيقه وبالرغم من عدم احتوائه على أجهزة اليوم المتطورة. ولذيذا كان الطعام المحضر في منزلنا رغم عدم إضافة بهارات هندية إليه ورغم تقديمه في أوان تقليدية وليست صينية.
أدخلنا البهارات الهندية بأيدينا إلى أطباقنا لتضفي نكهة مميزة وطعماً شهياً على وجباتنا، فأبدعت في ذلك وعملت عمل السحر، إلا أن تلك البهارات أصبحت بعد مضي فترة من الزمن تزاحم جميع وصفاتنا الشعبية التي أصبحت بنكهة هندية، فلم تعد ذاكرتنا تذكر الطعم الأصلي للوصفات الشعبية.
ثم بدأت تلك البهارات تسبب لنا التلبك المعوي، إلا أننا لم نتوقف يوماً عن استخدامها. فبالإمكان تحمل التلبك المعوي مقابل النكهة اللذيذة للأطباق المحضرة. بعدها، أصبحت تلك البهارات، المخلوطة بطبقة سمكها بوصتان من الدهن فوق الكاري المحضر لدينا، سبباً في بدء قرحة أولية في معداتنا، إلا أننا لم نستطع بأي حال من الأحوال التنازل عن الطعم اللذيذ للوجبات بعد أن تعودنا عليها.
واتسعت رقعة القرحة، بل ورحلت إلى مناطق أخرى غير المعدة، وأصبحت البهارات الهندية المضافة إلى أطباقنا اليوم تسبب لنا حرقة في الفؤاد. ولأن حرقة الفؤاد مؤلمة، ولأننا لا نريد التنازل عن البهارات، فلن نفعل ذلك إلا إذا توفر بديل آخر يعوض عن النكهة. والبديل هنا هو الأواني الصينية التي تضفي الجمال على شكل الوجبة.
ولكن، هل ستسبب الأواني الصينية متاعب من نوع آخر؟ لا شك البتة في أنها ستنسينا شكل أوانينا التقليدية، ليصبح طعامنا مزيجا من الوصفات التقليدية والبهارات الهندية في أوان صينية. ما هي المتاعب الأخرى التي قد تسببها؟ الزمن كفيل بكشفها تدريجيا.
إلا أنني خائفة من تلك المتاعب، ومخاوفي مشروعة يا أبي. فلم يعد جسدي يحتمل المزيد من البهارات، كما أن الألم سيكون كبيرا إذا انكسرت الأواني الصينية في يدي. فهل بإمكاننا التوقف برهة هنا لالتقاط بعض الأنفاس؟ وهل بإمكاننا العمل لفترة من الوقت على صنع الوجبات وإرسالها إلى الخارج بدلا من وضعها على موائدنا؟
لا أخالفك أبدا بكون البهارات ذات رائحة زكية، ولا بكون الطعام أشهى في أوان صينية، إلا أنني تقت إلى ذلك الطعام الشهي المحضر في منزلنا الصغير، والذي كان يخلو من بهارات هندية وأوان صينية.
