عصامي شق طريقه في الحياة، معتمداً على نفسه وتحمل المسؤولية منذ الصغر، مثقف ينهل من مكتبته العامرة بمختلف العناوين مكوناً وجهة نظر خاصة به في القضايا المتنوعة، عاصر مرحلة البث التلفزيوني من دبي في بداياته حيث عمل فني صوت ومخرج برامج في تلفزيون الكويت من دبي، وعمل بعد ذلك في تلفزيون أبوظبي إلى أن كلف بتأسيس الشعبة الفنية في بلدية دبي عام 1989 ورأسها منذ ذلك التاريخ وحتى الآن.
وهو أيضا صاحب أرشيف ثري من الصور الفوتوغرافية النادرة والوثائق المهمة التي جمعها طوال مسيرته، عبدالكريم محمد .. شخصية استثنائية في أفكاره ومعلوماته وطموحاته التي لا تحدها حدود، غاب عن مقاعد الدراسة ليعمل ويعيل أسرته، ثم عاد إليها ليتوج مهنته الإعلامية بالشهادة الجامعية، مسيرة طويلة وحافلة بالأحداث نتابعها معه ونرصدها بالكلمة والصورة . في أوائل الخمسينات ولد عبدالكريم في منطقة البحارنة ببر دبي «قرب قلعة الفهيدي»، هو أكبر الأخوة من والد كان يعمل خياطاً، غير أن طفولته تشكلت في دولة الكويت لأسباب يوضحها عبدالكريم بقوله : كانت الحرب العالمية قد ألقت بظلالها على الحالة المعيشية في المنطقة.
وكان البترول قد اكتشف في الكويت فسافر الكثيرون من أبناء الإمارات إلى هناك بحثاً عن مستوى معيشي أفضل، سافرت مع الأسرة وأنا طفل لا أعي ما يدور حولي، وفي الكويت عشت مع أبناء أقاربنا الذين سبقونا وحصلوا على الجنسية الكويتية.والحق أن دولة الكويت كانت تعاملنا كما تعامل مواطنيها تماماً فلم أشعر بغربة على الإطلاق ، عندما وصلنا إلى الكويت كان عمري ثماني سنوات وكان قبل استقلال الكويت، وبالتالي فقد كنت أشاهد الدبابات الانجليزية وهي تجوب شارع دسمال، وعاصرت هناك استقلال الكويت ثم توقيع اتفاقية الحماية بين بريطانيا والكويت عندما حاول عبدالكريم قاسم ضمها إلى العراق، في الكويت درست مرحلتي الابتدائية والإعدادية.
وتفتقت عني مواهب كثيرة مثل حب المطالعة والتصوير الفوتوغرافي، وكانت أول كاميرا اشتراها لي والدي بخمسة دراهم التقطت بها صوراً اعتز بها كثيراً، ومن بين هذه الصور ما هو طريف مثل صورة أردت التقاطها لأمير الكويت عبدالله سالم الصباح، كان في سيارة طويلة فلم استطع ضبط الصورة فالتقطت مقدمة السيارة والعلم الكويتي المثبت عليها.
مفتش صحة
في عام 1967 توفي والدي بالكويت وأصبحت لدينا صعوبة في البقاء هناك، فقررنا العودة إلى الإمارات لأجد نفسي أمام تحديات ومسؤوليات كبيرة وكثيرة أولها إكمال تعليمي وإعالة والدتي وإخوتي، وفي عام 1968 التحقت بالمدرسة الصناعية التجارية بدبي وكانت تحت الإشراف البريطاني والتعليم فيها باللغة الانجليزية.
درست سنتين فقط في القسم التجاري ولم استطع الاستمرار في الدراسة، وفي عام 1969 التحقت للعمل في بلدية دبي مفتش صحة بقسم الصحة، كان راتبي ثلاثمئة درهم شهرياً، ومع أن القسم كان بسيطاً جداً إلا أن مهامه كانت كبيرة، وبعد دورة في كيفية التفتيش مارست عملي في مطار دبي كمفتش على المواد الغذائية.
ثم في جمارك دبي كمفتش عام على بواخر الركاب، وقتها لم يكن ميناء راشد قد أنشئ بعد، وكان صعود ونزول الركاب يتم عن طريق إيصالهم بقوارب صغيرة إلى البواخر في عرض البحر، وكان بعضهم يسقط ويموت غرقاً، وكانت مهمتنا في التفتيش على البواخر تشمل المواد الغذائية وصحة الركاب، غير أن عملي في قسم الصحة لم يستمر أكثر من ستة أشهر، فقد أعلن وقتها تلفزيون الكويت من دبي عن حاجته لموظفين فتقدمت على الفور بطلب وظيفة، وبعد الاختبار تم تعييني في وظيفة فني صوت عام 1969.
كان العمل في التلفزيون بمثابة نافذة واسعة للاطلاع على الأخبار قبل بثها وكذلك الاحتكاك مع شخصيات لها وزنها في المجتمع سواء على المستوى الفكري أو الاجتماعي والفني ورجال الدين، فقد استفدت من قربي من هذه الشخصيات وكان علي أن أجاري ثقافتهم فازداد نهمي في القراءة والاطلاع، وبعد فترة عملت في مجال الإخراج دون أن أتخصص في مجال بعينه فأخرجت البرامج الاجتماعية والفنية والدينية والعديد من السهرات التلفزيونية.
عودة إلى مقاعد الدراسة
كان عملي في إخراج البرامج المتنوعة، والانفتاح على عوالم أخرى، والاطلاع على ثقافة في مجالات مختلفة، مما ساهم بشكل كبير في إثراء معلوماتي وبلورة شخصيتي، وهكذا استمررت في العمل مع تلفزيون الكويت من دبي وبعد ذلك مع تلفزيون الأبيض والأسود الذي أطلق عليه تلفزيون الإمارات العربية المتحدة من دبي بعد أن تسلمته وزارة الإعلام، وفي عام 1979 انتقلت للعمل في تلفزيون أبوظبي وعملت فيه لمدة عشر سنوات كمخرج أول ورئيس لقسم المسرح.
وقد شهدت هذه الفترة رجوعي إلى مقاعد الدراسة لأكمل ما فاتني واكلل مجهودي في العمل الإعلامي بالشهادة الجامعية، وبالفعل أثمرت دراستي بالتخرج من جامعة الإمارات عام 1987 وحصلت على بكالوريوس في الإعلام والإدارة العامة.
وفي هذه الفترة أيضاً استطعت أن أبني شخصيتي الإعلامية في ظل اهتمام الوزارة بموظفيها، وذهبت إلى بريطانيا والتحقت بدورات متخصصة في مجال الإخراج الوثائقي، وأنتجت هناك فيلماً عن سياحة العرب في بريطانيا، كما شاركت مع منظمة اليونيسكو في استخدام التقنية التلفزيونية في التنمية السكانية التي شملت بلدانا عربية عديدة منها الأردن وتونس .
في عام 1989 اتصل بي الصديق والزميل خالد زايد وكان وقتها مسؤول العلاقات العامة في بلدية دبي وطلب مني إنشاء جهاز للإنتاج التلفزيوني والفوتوغرافي لتوثيق أنشطة وفعاليات البلدية وكذلك إنتاج البرامج التوعوية الإذاعية والتلفزيونية وبثها من خلال إذاعة وتلفزيون دبي.
والحق أن تعاون الإذاعة والتلفزيون كان كبيراً معنا مما سهل علينا إيصال الخدمات الإعلانية والإرشادية للجمهور، والحمد لله فقد استطعنا خلال السنوات الماضية أن نكون أرشيفاً من المواد البرامجية والصور الفوتوغرافية لبلدية ومدينة دبي، هذا الأرشيف تستفيد منه وسائل إعلامية عربية وأجنبية تطلب منا تزويدها بصور أو مادة فيلمية .
هوايتي الأولى كانت وما زالت هي القراءة ولدي مكتبتي الخاصة التي تضم آلافاً من الكتب المتنوعة بين الأدب والسياسة والإعلام والاجتماع، ويأتي التصوير في المرتبة الثانية في قائمة اهتماماتي ولدي أرشيف خاص من الصور، أما الرياضة فأنا ممارس جيد للسباحة ولا أتوقف عن مزاولتها، أحب السفر والترحال خصوصاً السفر بسيارتي.
وقد قمت بجولة شملت بلدانا عربية وأوربية، أشجع نادي النصر بجنون ومن اجله عشقت اللون الأزرق، أما حياتي الاجتماعية فقد تزوجت في عام 1976 ولدي خمسة أولاد وبنت ربيتهم كما رباني والدي على الصدق والأمانة وحب العمل، وأنا لا أتدخل في اختياراتهم الدراسية أو المهنية وتركت لهم تحمل مسؤولية ما يريدون، والدتي أطال الله في عمرها كان لها الفضل الكبير فيما وصلت إليه بوقوفها إلى جانبي وتوجيهي بعد وفاة الوالد، أحب سماع الموسيقى الكلاسيكية والأغاني القديمة، وأخيراً أنا راض عن مسيرتي وأفتخر بما حققته .
دليل سياحي بامتياز
يقول خالد زايد : عبدالكريم زميل عمل ودراسة فقد درسنا سوياً في جامعة الإمارات ورأيت فيه الإنسان الطموح الباحث دائماً عن التطور والإبداع في كل المجالات، وهو إنسان اشتغل على نفسه بنفسه كعصامي واستطاع أن يخلق لنفسه شخصية لها اعتبارها في المجتمع، ولأنني أعرف إمكانياته وطموحاته فقد طلبت منه أن يؤسس الشعبة الفنية ببلدية دبي.
وقد كان بالفعل عند حسن الظن، واستطاع أن يقفز بعمل الشعبة إلى المستوى المطلوب في فترة وجيزة، وهو إنسان منضبط وملتزم إلى أقصى حد، يحب عمله من أي شيء آخر، ومبدع يركز على النوعية ولا يهمه الكم، ودائم التطلع لتقديم الأفضل وتطوير أدواته مستفيداً من كل التقنيات الحديثة .
ويقول يوسف مراد : عبدالكريم محمد من الشخصيات المميزة عرفته من أيام الدراسة في جامعة الإمارات، وسبحان الله ها نحن نلتقي مرة أخرى لنعمل سوياً في البلدية، وعبدالكريم مميز بمعرفته بجغرافيا الأماكن السياحية ويعتبر دليلاً يعتمد عليه في الأماكن الجبلية في الدولة.
فقد خرجت معه إلى الإمارات الشمالية ومناطق العين الجبلية وكان ماهراً في الوصول إلى الأماكن بطريقة يجهلها الكثيرون، ويعود ذلك كونه يسافر دائماً بسيارته خارج الدولة مما أكسبه الخبرة بالطرق، وعبدالكريم إنسان فكاهي يضفي على جلساتنا بهجة وفرحاً كما انه اجتماعي يحب أصدقاءه وهو بالفعل من أعز الأصدقاء المقربين إلى نفسي.
ويقول أحمد العمادي : يعتبر عبدالكريم بمثابة الأب والأستاذ والمعلم الأول لي منذ أن عملت في بلدية دبي، فهو الذي علمني فن الإخراج التلفزيوني وأهداني مجموعة من الكتب وحثني على القراءة والاطلاع لتزداد ثقافتي، كما انه مشجع للكوادر الوطنية ويأخذ بيدها نحو الطريق الصحيح لتتولى فيما بعد مسؤولياتها تجاه الوطن.
تأسست الشعبة الفنية بقسم الإعلام التابع للعلاقات العامة ببلدية دبي عام 1989 وبدأ العمل فيها بثلاثة موظفين - رئيس الشعبة ومصور فيديو وآخر فوتوغرافي، والآن تضم اثني عشر موظفاً بين إداري وفني .
أنتجت الشعبة من تاريخ إنشائها 85 فيلماً وثائقياً عن أنشطة إدارات البلدية كما أعدت 60 حلقة تلفزيونية عن فعاليات البلدية أذيعت في تلفزيون دبي صورت الشعبة 50 إعلاناً تلفزيونياً للتوعية الجماهيرية بدأت الشعبة بقاعة عرض واحدة ليزداد العدد وأصبح الآن 12 صالة مزودة بأحدث الأجهزة ولديها كاميرا فيديو رقمية وأخرى عادية إضافة إلى جهاز مونتاج وجهاز جرافيك وجهاز D V D ناسخ .
عزالدين الأسواني



