حقيقة مرة نصمت عنها جميعاً. مستشرية في مجتمعنا، ولا يجرؤ أحد على البوح بها. كلنا نعرفها، ولكننا نتجنب الخوض فيها ومناقشتها. إلا أن مؤشر الخطر وصل حداً لا يمكن السكوت عنه. قالت لي صديقة: «لا أريد الزواج من مواطن» وهي مواطنة، وأضافت: «أريد الزواج من رجل أترك بعده المدينة وأرحل، فالبيئة لا تطاق. لقد بدأت منذ سنتين في مناقشة والدتي في الموضوع لأهيئها عندما تحين اللحظة». فما الذي دفع حصة يا ترى للتفكير بهذه الطريقة؟ وما الأمر الذي يضايقها إلى هذا الحد؟
تعمل صديقتي في شركة خاصة مديرها مواطن خمسيني مزواج، لا يكف عن التلميح بإعجابه بها، وبالسؤال عن أمور شخصية تتعلق بها، وبالسؤال عن رأيها في أموره الشخصية. وفي كثير من الأحيان لا يتردد في إظهار ما يمتلكه كوسيلة لجذبها إليه. هل تتوقف مشكلة صديقتي عند هذا الحد؟ كلا. فالكثير من تعاملاتها مع المواطنين في مجال العمل لا تخلو من المضايقات. فإن هي طلبت شيئا، فلا بد أن تعطي «شيئا» في المقابل. أحدهم شخصية معروفة، شاب ومتزوج، ولكن لا يتردد في التقرب إليها بل ولمس يدها بالرغم من نهرها له.
هل تكون صديقتي هي الملومة؟ وهل تكون هي من فتح المجال لمضايقات من هذا النوع؟ ليس بالضرورة.فالشكاوى الواردة إلينا ليست من حصة وحدها، بل من العديد من المواطنات اللائي فضل بعضهن العنوسة على الزواج من ذكور يحملون في حساباتهم البنكية مبالغ وقدرها..، إلا أنهم لا يملكون من رصيد العقل سوى القليل. وعندما يجتمع الكثير من المال والقليل من العقل تحدث الكوارث.
لا يليق بنا كدولة داعمة للمرأة وعملها أن نترك الأمور منفلتة والحبل على الغارب ليعيث قليلو العقول فساداً في بيئات العمل. ألن نقوم بسن ما من شأنه ردع أولئك العابثين عن الاستهتار واللا مبالاة بشرف وسمعة نساء يعملن معهم؟ ولماذا نركز على تنمية عقول النساء فقط بمعزل عن عقول الرجال؟ فنتيجة ذلك حتماً الانفصال في التفكير بين الرجال والنساء في المجتمع، بل والوصول إلى طريق مسدود بينهما.
إن ارتفاع حالات الطلاق، وازدياد معدلات العنوسة، وتزايد زواج مختلف الجنسيات بين الأجانب لم يأت من فراغ. هنالك ما يحدث خلف الأبواب المغلقة في المنازل، وبيئات العمل، وفي تفكير كلا الجنسين. وبات واضحاً فيما يفكر الرجل، وفيما تفكر المرأة في مجتمعنا.
منذ ما يقرب من العقدين، سن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، قانوناً بخصوص المعاكسين في شوارع الإمارة، فما الذي يمنع وجود قانون مماثل يرفع الإنتاجية ويعيد الطمأنينة إلى قلوب النساء في بيئات العمل؟.
