في بداية مسيرتي ككاتبة للمقال، ظللت أهيم على وجهي لمدة ليست بالقصيرة، بحثاً عن أشخاص يعلمونني أصول الكتابة. التقيت بأشخاص أسدوا لي النصائح، وعلموني أصول الكتابة وقوانينها، وأهدوني كتباً تساعدني على فهم الحرفة، بل ودرسوا بعضاً من كتاباتي ووجهوا لي النقد.
إلا أن إحساسي بعدم تمكني من الكتابة على أصولها ظل يلازمني، وأحسست بحاجة إلى جهة تعلمني الكتابة الإبداعية كدروس أتلقاها. وبعد تفكير طويل وكثير من المحاولات، قررت أخيراً العودة إلى مقاعد الدراسة التي تركتها منذ ما يربو على سبع سنوات طلباً في الاستزادة.
كنت قد تخرجت ـ قبل العودة إلى مقاعد الدراسة مجدداً ـ من قسم الإعلام بكلية التقنية العليا سنة 98 خالية الوفاض، إلا من ورقة مقواة كتب عليها إنني أتممت بنجاح متطلبات التخرج، فلم يتم تعليمي طوال ثلاث سنوات من الدراسة إلا كيفية العمل كآلة لا تملك عقلاً تفكر به. وكنت كلما أرى الشهادة أتحسر على ما آل إليه حالي، فلم تكن لتلك الشهادة أية قيمة في نظري. وعشت ردحاً من الزمن أتخبط بين إحساسي بالضياع وفراغ العقل من مستوى التفكير الذي أطمح إليه.
كان زمناً صعباً للغاية، وقعت خلاله نتيجة لما سبق؛ ونتيجة لأحداث أخرى لا صلة لها بموضوع حديثنا، في دهاليز الكآبة، لدرجة أنني وفي بعض الأحيان لم أكن أقوى على النهوض من السرير، حتى عندما كان الجوع يحرق معدتي. وكان أخذي للحمام اليومي بمثابة إنجاز وتحد حقيقي. إلا أنني ولدت بعد هذه التجربة شخصاً جديداً، مرّ بتجربة خرج منها بالكثير من الدروس التي كانت عوناً له فيما بعد لفهم الحياة بصورة أعمق، وليكون الشخص الذي هو عليه اليوم.
مقاعد الدراسة سأتركها مجدداً عما قريب، بالرغم من أنها لم تمدني بالضبط بما أحتاجه من مهارات أطمح إليها، إلا أنني لا أستطيع أن أنكر أنها كانت بمثابة إعادة الحياة إلى محرك وضع على رف منسي في المرآب لمدة سبع سنوات، وكانت أيضاً بمثابة حكيم وهبني مفاتيح أستطيع استخدامها لفتح أبواب على عوالم متعددة.
على مقاعد الدراسة، تعلمت أصول الكتابة وقوانينها التي ذكرتني بحصص التعبير الإنشائي في المدرسة، وكنت أطل عليكم كل أسبوع عبر هذه النافذة لتطبيق ما تعلمته، في بعض الأسابيع كنت أستخدم ما تعلمته بإتقان، وفي بعضها الآخر كان القلم يخونني فينينزلق من يدي إلى الطريق الذي تعود عليه سابقاً.
إلا أنني وبعد مدة من الزمن، أحسست بأن القوانين التي أتبعها في الكتابة تحدني بالقيود في كثير من الأحيان، وتملي علي نمطاً معيناً في الكتابة لا يبرز شخصيتي ككاتبة. وأصبحت أشعر بأن كتاباتي تشبه إلى حد كبير كتابات الآخرين.
اليوم، وبعد أن تعلمت قواعد الكتابة، قررت أن أكسر بعضاً منها. فبعد استشارتي لأحد المتمرسين، عرفت أن كسر القواعد أمر يمكن القيام به، وليس بالضرورة أن أتبع القواعد دائماً، خاصة إن كان كسري للقواعد يخدم فكرة الكتابة ذاتها. قد أطل عليكم في الأسبوع المقبل بعنق يشرئب من هذه النافذه، يتوق إلى كسر المزيد من القواعد كما اليوم، ليستطيع القفز من النافذة ليتجسد أمامكم أو ليتغلغل في أعماقكم.. تحياتي