حفظ القرآن وتعلم القراءة والكتابة عند المطوع، ورغم الظروف القاسية التي حاصرت أهل الإمارات في ذلك الوقت، إلا أنه لم يستسلم وواصل سعيه من أجل الحصول على العلم والمعرفة، فاهتم بتعليم وتثقيف نفسه في كافة المجلات وذلك من خلال كل ما يقع تحت يده من كتب ومطبوعات.
وأتت إليه الفرصة المناسبة عندما رحلت العائلة بأكملها إلى الكويت للاستقرار مع الوالد الذي كان يعمل تاجرا ويتنقل من بلد إلى آخر بحثا عن الرزق، وهناك درس في عدة معاهد متوسطة حصل خلالها على شهادة في المحاسبة والتدريس، ثم عادت عائلته ثانية إلى الإمارات في السبعينات، بعد أن تغيرت الأمور وبدأت في التحسن بتولي المغفور له الشيخ زايد بن سلطان مقاليد الحكم.
وبدأ حياته العملية في وطنه بإدارة مدارس الثقافة العسكرية، ثم واصل تعليمه في جامعه الأزهر في مصر ونال شهادة الليسانس في اللغة العربية والتربية، ولم يكتف بهذا القدر بل نال أيضا شهادة الماجستير في نفس التخصص، ومنذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا أصبح التعليم وتطويره القضية الرئيسية التي تشغل باله، ومن أجل ذلك بدأ بخطوات عملية في مناهج مدارس الثقافة العسكرية.
وبعد أن تقاعد من الجيش قرر أن يبدأ مشروعه التعليمي منذ 25 سنه تقريبا بإدارة أول مدرسة خاصة في أبو ظبي تهتم بتدريس المنهاج البريطاني والأميركي، ورغم تعدد مشروعاته التجارية كرجل أعمال إلا أنه يمنح 70% من اهتمامه لمشروعاته التعليمية، وكان أيضا أول مواطن يفتتح جامعة خاصة (البيان) في أبوظبي منذ عدة سنوات طويلة مضت، والتي توقفت بسبب عدم الاهتمام بوجود جامعات خاصة في ذلك الوقت.
إلا أنه واصل حلمه التعليمي الذي بدأه بمدرسة واحدة حتى وصل الآن إلى تحويل شركته ذات المسؤولية المحدودة إلى شركة مساهمة عامة تحت اسم شركة النهضة العالمية للتعليم برأس مال قدره مليار وأربعمئة مليون درهم، ومهمة الشركة التي يتولى رجل الأعمال سعيد عبد الله ناصر الجنيبي إدارتها العليا، افتتاح 60 مدرسة على مستوى الدولة إلى جانب عدد من الجامعات قبل الانطلاق إلى الدول العربية والأجنبية خلال 3 سنوات.
التحق سعيد الجنيبي في طفولته بالكتّاب والذي تعلم فيه على يد المطوع كغيره من أقرانه في ذلك الوقت، فجميع الأطفال أولاد أو بنات لابد أن يذهبوا لحفظ القرآن عند المطوع وفي الكتاتيب التي كانت منتشرة في جميع أنحاء البلاد، وكان من المستحيل أن تجد بيتا لا يرسل أبناءه إلى المطوع من أجل حفظ القرآن الكريم أو بعض سوره أو أجزاء منه.
ولما كان والده تاجراً يتنقل من بلد إلى آخر سعياً وراء تجارته، لم يكتف بحفظ القرآن الكريم فقط بل كانت آماله وطموحاته في نيل العلم كبيرة رغم قلة الإمكانيات في البلد، فأصر على تعليم نفسه بنفسه من خلال قراءاته المتعددة في كافه المجالات وكان ينتهز كل فرصة يمكن أن تجعله يحصل على الكتب أو المطبوعات وغيرها.
واتته الفرصة المناسبة لمتابعة دراسته عندما سافرت العائلة بأكملها مع الوالد للعيش في الكويت، وهناك درس في عدة معاهد متخصصة في التجارة والتدريس، وكان لوالده الأثر الأكبر في حياته، فقد كان الوالد رجلاً طيباً كريماً متسامحاً، ومتدينا إلى درجة كبيرة.
وبدأت مرحله جديدة في حياه الجنيبي عندما عادت العائلة إلى الوطن بعد أن تولى المغفور له الشيخ زايد الحكم في أبوظبي وبعد أن ذهب إلى بلدان الخليج المتعددة التي أستقر فيها بعض أهل الإمارات بحثا عن الرزق، ليطالبهم بالعودة ثانية، وفوراً لبى الجميع دعوة المغفور له الشيخ زايد وعادت عائلة سعيد الجنيبي ضمن أهل الإمارات الذين فرحوا بعودتهم إلى حضن الأم.
أول مدير مواطن
التحق الجنيبي بالجيش وكان أول مدير مواطن يتولى مسؤولية مدارس الثقافة العسكرية بعد مديرها الأسبق الذي كان انجليزيا، وبدأ العمل لمدارس يبلغ عدد طلابها 150 طالباً مواطنا حتى وصلوا إلى خمسة آلاف طالب في مختلف مناطق الدولة، وذلك قبل أن يتركها وتغلق أبوابها بسبب عدم الحاجة إليها بعد انشاء كليات عسكرية خاصة بالجيش، كذلك تولى إدارة مدارس تعليم الكبار ومعهد اللغات في القوات المسلحة.
وأثناء عمله مديرا لمدارس الثقافة العسكرية ذهب إلى مصر لإكمال دراسته والتحق بجامعة الأزهر وتخرج من كليه التربية قسم اللغة العربية عام 1977م، ثم أكمل دراسته العليا ونال الماجستير في نفس التخصص. بعدها بدأ يفكر جديا في تطوير التعليم .
وكانت المدارس عام 1975 تعتمد على منهاج وزاره التربية والتعليم، إلا أنه حاول قدر المستطاع تكثيف اللغة الانجليزية لأنها لغة عالمية، وخاصة أن تلك الفترة كانت بداية لسفر طلاب أبوظبي في بعثات تعليمية إلى الخارج وتحديداً بريطانيا وأميركا.
من خلال بحثه عن التعليم في الإمارات قسمه إلى عدة مراحل مر بها وعاصرها، كانت المرحلة الأولى تعتمد أساساً على الكتاتيب ومعظم الناس في ذلك الوقت كانوا حافظين للقرآن أو جزءا منه، حيث كانت الإمارات مختلفة عن معظم البلدان الأخرى فكان المجتمع محافظاً إلى درجة كبيرة، فتربوا ونشأوا على كل ما يتعلق بالدين الإسلامي وتعاليمه.
ثم تأتي المرحلة الثانية في الخمسينات تقريباً حيث انتشر التعليم في منطقة الخليج وخاصة الكويت والبحرين والإمارات، وكانت الكويت سباقة في إرسال بعثات تعليمية تتضمن مدرسين لتعليم الأولاد والبنات في المدارس، من خلال مناهج دراسية مصرية في المقام الأول.
وتم تدريس تلك المناهج لمدة طويلة، وكانت مناهج اجتهادية مستوردة ويزاد عليها بعض الأشياء وكان تركيز الموجهين على التلقين والحفظ، واعتقدوا أنه كلما كان الكتاب ثقيلاً كان أفضل، واعتمدوا على الحفظ أكثر من الفهم والاستيعاب، ثم تطورت المناهج بعد عدة سنوات وخاصة بعد تخصيص وزارة التعليم في أبوظبي والعين، وكان مخصصا للتلاميذ وقتها رواتب صغيرة ولكن من أجل تشجيعهم على التعليم ومتابعة الدراسة.
وكانت مصر أهم دولة ذهب إليها أهل الإمارات لإكمال دراستهم الجامعية، وعدد أقل كثيراً ذهب إلى العراق، وقليل جداً من ذهبوا إلى الجامعة الأميركية في بيروت. وخلال بحث الجنيبي في هذا الموضوع وجد أن تلك المرحلة في السبعينات كانت امتدادا للحفظ والتلقين ووجد أنه من الأنسب أن يتخصص الطالب في الدراسة التي ينوي الالتحاق بها.
فطالب الطب أو الهندسة لن يستفيد كثيراً بهذا الكم الهائل من المواد النظرية التي لن تفيده فيما بعد، وكانت البعثات التعليمية لأبناء أبوظبي سبباً في البحث بجدية لتغيير سياسة التعليم والاعتماد على اللغة الانجليزية، وزاد عدد أبناء الدولة المتعلمين، وفكرت الدولة في قضية تطور التعليم بشكل جاد وحاسم، وعدم انحسار المناهج في إطار الحفظ والتلقي فقط.
وبعد أن ترك الجنيبي الجيش فكر في السعي لتطوير المناهج التعليمية، وأنشأ مدرسته الخاصة التي اختار لها منهجاً متطوراً باللغة الانجليزية مع الاحتفاظ باللغة العربية الأم، وأيضاً دراسة التاريخ والجغرافيا الخاصة بمناهج التربية والتعليم ولكن باللغة الانجليزية.
التعليم مهنته الأصلية
ورغم أن الجنيبي رجل أعمال يمارس التجارة في عدة مجالات كالمقاولات والعقارات والأسهم، والصناعة إلا أنه منح معظم وقته لقضية تطوير التعليم، فهي كما يقول «مهنتي الأصلية بل وهوايتي المفضلة». وينبع إيمانه بتلك القضية من منطلق خلق جيل جديد مؤهل جيداً من أجل مصلحة الوطن.
فلا تطور للأمم إلا باهتمامها بتطوير التعليم وتدريس أبنائها أفضل ما وصلت إليه العلوم الحديثة في دول العالم المتقدم، التي سبقتنا بنحو 50 عاماً تقريباً، وكان يجد نفسه أكثر حماساً لقضية التعليم الهاجس الرئيسي للدولة التي تسعى جاهدة لبناء وتطوير الإنسان الإماراتي.
وعلى مدى ربع قرن مضى احتفظت مدارس النهضة الوطنية المملوكة له بمستوى متقدم على المدارس الخاصة في الدولة نتيجة للرؤية الثاقبة والاستراتيجية الطموحة والسياسة التعليمية المتطورة التي أنتجتها الإدارة العامة واختيارها أفضل الخبرات التعليمية وأكثرها تميزاً على أرض الواقع.
واستكمالاً لرحلة النجاح والتطور أقدم مجلس الإدارة على تحول الشركة من ذات المسؤولية المحدودة إلى مساهمة عامة تحت اسم شركة النهضة العالمية للتعليم ـ I.E، وتقدم مجلس الإدارة بطلب رسمي إلى وزارة الاقتصاد للحصول على الموافقة المبدئية على تحول الشركة برأس مال قدره مليار وأربعمئة مليون درهم طبقاً لدراسة الجدوى الاقتصادية وخطة العمل التي تم عرضها على الجهات المختصة في كل من وزارة الاقتصاد وهيئة الأوراق المالية والسلع.
وفي الربع الأخير من العام الماضي تحقق حلم سعيد الجنيبي وحصلت لجنة مؤسسي شركة النهضة العالمية للتعليم على الموافقة من وزارة الاقتصاد وهيئة الأوراق المالية والسلع لإطلاق الاكتتاب العام للشركة التي يتولى الجنيبي إدارتها العليا وبدأت عملها لافتتاح 60 مدرسة وعدد من الجامعات في الدولة قبل الانطلاق إلى الدول العربية خلال 3 سنوات.
وستكون مصر وسوريا والبحرين من أوائل الدول، وستكون تلك المدارس من رياض الأطفال إلى ما بعد الجامعة، كما سيشهد العام الحالي انطلاقة الجامعة الأولى للشركة، ويذكر أن سعيد الجنيبي كان أول من أنشأ جامعة خاصة في أبوظبي تحت اسم «البيان» منذ سنوات طويلة إلا أن المشروع لم يستمر.
رجل أعمال ناجح ومحنك
زهدي عبداللطيف قاسم صديق سعيد الجنيبي منذ أكثر من 34 سنة، يقول عنه إنه طوال حياته منذ أن كان مديراً لمدارس الثقافة العسكرية، كان دؤوباً ونشيطاً ومهتماً بكافة التفاصيل، يعرف جيداً كيف يحدد أهدافه ويضع الخطط المناسبة للوصول إليها وتحقيقها.
وهو حقاً إنسان مخلص جداً في عمله ومع أصدقائه وكل من يعمل معه، ورغم قوة شخصيته التي امتاز بها طوال حياته إلا أنه يضعف كثيراً أمام الحالات الإنسانية والضعف البشري، فهو لا يستطيع أن يرد إنساناً لجأ إليه طلباً للمساعدة، ولم يغلق بابه يوماً أمام محتاج.
يتأثر بمشاكل الناس ويسعى لحلها، وشهدت بنفسي كيف ساعد كثيرين سواء بالعمل أو المال أو العلاج وغيرها. ورغم قوته فهو إنسان حساس جداً وعاطفي أيضاً، وقائد وإداري من الدرجة الأولى، ورجل أعمال ناجح ومحنك وصاحب خبرة طويلة في السوق، وكثيراً وجدت دموعه تنهمر وتغرق وجهه إذا كان الأمر يتعلق بوفاة شخص عزيز عليه، وكذلك فهو كريم جداً مع أهله وأصدقائه وكل من حوله.
وهو إنسان جميل ورائع في السفر، فقد صاحبته في جميع سفراته، وفعلاً في السفر هو أخ وصديق وأب، يهتم بكافة أمور من يصاحبه، ويشعر بالسعادة عندما يجد الرضا في عيون الآخرين، ففي السفر لا يتركك ويكفيك أنك تصاحبه، بل يهتم بطعامك وشرابك وتسوقك، وراحتك.
أما خليفة حميد الحوسني وكيل دائرة بلدية أبوظبي الأسبق ومدير قطاع التعليم العالي في شركة النهضة العالمية للتعليم ـ I.E، وهو في الوقت نفسه زوج ابنته، يقول: أشعر بسعادة بالغة للعمل معه، لأنني أجد مواءمة كبيرة بيني وبينه في أشياء كثيرة، منها الثقافة وطريقة التفكير والتعمق في الموضوعات المطروحة أمامه، كما يمتاز بموضوعية شديدة جداً، ويسعى إلى تحقيق أهدافه من خلال خطوات مرسومة.
أما كأب وجد، فهو مثالي جداً يهتم بكل فرد في عائلته الكبيرة، وإذا كان أحد أحفاده مريضاً يظل يزوره ويتابعه ويطمئن عليه، ولا يهدأ باله إلا إذا تعافى المريض وأصبح سليماً، وأجمل ما يميزه استخدامه دائماً القول الحسن والجميل، وهذا ما يجعله محبوباً بشكل كبير بين أبنائه وأحفاده وأقاربه، فطلاوة لسانه تدخله القلوب سريعاً.
ويضيف الحوسني: هو أب لخمسة أبناء منهم اثنان من الذكور وهما الدكتور طلال في الموارد البشرية والدكتور محمد في هندسة الاتصالات والكمبيوتر، وله 18 حفيداً تتراوح أعمارهم بين الخمسة أشهر و14 عاماً، يحرص على التواجد بيننا دائماً ولابد أن نجتمع في بيته على الغداء أو العشاء في العطلة الأسبوعية، وهذا تقليد متبع دائماً، وبيته مفتوح لنا في أي وقت.
تطوير مهارات العاملين معه
ويقول عدنان عباس مدير مدرسة النهضة الوطنية للبنين: عملت معه منذ 19 سنة تقريباً، بدأت مدرساً للكمبيوتر من دون خبرة سابقة، ثم تحولت من التدريس للإدارة، وقد أرسلني للالتحاق بدورات ومؤتمرات من أجل تطوير مهاراتي، وأعترف أنني كنت محظوظاً بالعمل معه.
ومعظم المدرسين الذين عملوا معه يعملون الآن مديري مدارس على مستوى الدولة، وذلك لأنه شديد الحرص على تطوير قدرات كل من يعمل معه، بتخصيص مبالغ مالية لهذا الشأن، كما أنه حريص على التواصل الإنساني مع المدرسين والعاملين معه من خلال دعوتهم على الإفطار في رمضان، والمناسبات الخاصة.
ويضيف عدنان: ومكتبه مفتوح للجميع، وهو مستمع جيد لكل ما يطرح أمامه، ولا ينفرد بالرأي، فهو يفضل الاستماع إلى وجهات النظر المتعددة، وبعد دراستها جيداً يتخذ القرار المناسب بشأنها.
ويقول عنه علي محمد مدير مكتبه الذي يعمل معه منذ أكثر من ثلاثين سنة: سماته التي تميزه هي الصفات التي يتحلى بها أهل الخليج عامة، صفات العربي الكريم والأصيل والشهم وصاحب العادات والتقاليد العربية، الذي لا يمكن أن يردك خائباً، ومن أراد أن يراه على طبيعته حقاً، عليه أن يذهب إلى مجلسه الخاص، حيث يمكنه التمتع بكل المميزات من كرم ضيافة وحسن استقبال وحب واهتمام.
والحقيقة أنه يهتم بكل التفاصيل الدقيقة، في أي عمل أو مشروع يقدم عليه بداية من الموقع والتصميم وحتى الديكور والأثاث، ولديه معرفة في كل شيء، ويفضل دائماً أن يتابع بنفسه كل الأمور ولا يتركها لغيره حتى إذا كان مسؤلاً عنها.كذلك هو إنسان خيّر يساهم في الأعمال الخيرية، وله كل عام ميزانية لتحمل تكاليف أداء عدد من الناس لمناسك الحج.



