لطالما كانت الصورة البصرية شغله الشاغل، فمنذ صغره تعلق بها وطالما حاول فهم العلاقة الجدلية التي تربط الضوء والظل.
بدأ حياته مع الشعر وتحول عنه بعد اقترابه من السينما، ليصبح واحدا من أهم الشخصيات العارفة في هذا المجال ليس على مستوى الإمارات فقط إنما على المستوى العربي أيضاً. ولا نبالغ حينما نقول إن الإمارات كانت المستفيدة من هذا الاقتراب، حيث عمل جاهدا على جمع إرثها البصري وتوثيقه وعرضه أيضا، إلى جانب فتحه الباب أمام أولئك الذين يعشقون السينما عبر تأسيسه لمسابقة «أفلام من الإمارات» في عام 2001 التي أصبحت فيما بعد من أهم التظاهرات السينمائية في المنطقة، وأصبحت أحد روافد مهرجان دبي السينمائي الذي بات منصة مهمة للكثير من الأفلام السينمائية العالمية، إنه المخرج والسينمائي «مسعود أمر الله العلي»، المدير الفني لمهرجان دبي السينمائي، ومدير مهرجان الخليج السينمائي.
الطفولة والسينما... بدأ أمر الله حديثه معنا بالعودة إلى شريط طفولته الغضة، فقال: «منذ طفولتي والسينما حاضرة معي، وأذكر حتى الآن كيف كان والدي يحملني على كتفيه ويتخطى بي عتمة الزقاق ليصل بي إلى سينما الوطنية بدبي التي شاهدت فيها العديد من الأفلام الأميركية والهندية والايطالية، كما أذكره عندما كان يصحبني معه إلى سينما الأندلس في دولة الكويت التي عشت فيها لفترة زمنية قصيرة بسبب عمل والدي فيها. ومنذ نعومة أظفاري تعلقت بالضوء والظل، وأذكر لعبة التلفاز الصغيرة التي كانت تحتوي بداخلها عددا من الصور للكعبة المشرفة، والتي كان الحجاج يحضرونها معهم من مكة عندما يعودون إلى ديارهم، وبالنسبة لي كانت هذه اللعبة تشكل عالما بصريا متكاملا، وكثيرا ما جلست على جدار البيت وأنا أنظر فيها وأسبح في خيالي الواسع محاولا الوصول إلى هذا العالم، ولذلك فقد كانت بالنسبة لي شكلا من أشكال السينما.
ولشدة تعلقي بالصورة البصرية، بدأت بكتابة الشعر وأنا في عمر 13 سنة، ومع مرور الوقت أخذت أركز في كتابة الشعر الحديث وكذلك المواد التي أطلع عليها، خاصة وأنني كنت قارئا نهما في كل المجالات، وكنت أقضي وقتا طويلا في القراءة داخل حجرتي، وظللت أكتب الشعر لسنوات طويلة تصل إلى 15 عاماً. بعد تخرجي من الثانوية العامة، توجهت لدراسة الإعلام في جامعة الإمارات، وهناك بدأت بالاقتراب من عالم السينما، بعد دراستي لمساق في الإخراج التلفزيوني، واكتشفت من خلال تجاربي السينمائية الأولى التي كانت لأغراض دراسية، بأنني كنت على علاقة وطيدة مع الضوء والظل منذ الطفولة، وأن كل ما كنت أقوم به من تجارب إنما هو شكل من أشكال السينما.
وقد لاحظ أساتذتي حينها انجذابي نحو الصورة البصرية، وقالوا لي بأنني امتلك رؤية إخراجية مبدعة رغم أنني لم أكن أعرف شيئا عن الإخراج، ومن هنا بدأت المشاهدة المكثفة بدلا من القراءة المكثفة، حيث كنت أشاهد يوميا نحو 11 فيلما، وبلا شك أن هذا ساعدني كثيرا في اكتشاف عالم الصورة، والتعرف على العوالم الخفية في الأفلام مثل عملية التقطيع، وبالطبع هذا جعلني أتجه نحو القراءة في السينما.
ورغم شح المصادر فقد كنت دائما أحاول قراءة الأفلام التي أشاهدها، ولطالما استعنت بأصدقائي الذين كانوا يدرسون في الخارج في هذا الأمر.
ورغم هذا الاقتراب كنت ماأزال أحافظ على كتابتي الشعرية، حيث قمت بإصدار ديوان شعري مشترك مع إبراهيم الملا والهنوف محمد، وكان بعنوان «تراتيل النوارس»، وبعده أصدرنا ديواناً آخر بعنوان «النوارس»، وكنت في الوقت ذاته من الكتاب الحريصين في صحيفة (البيان) التي كتبت فيها لمدة 14 عاما.
وفي العام 1989 جاءتني فكرة إصدار نشرة أدبية شهرية بعنوان «رؤى»، والتي بدأت بأربع صفحات وانتهت بـ 36 صفحة، وكنت أصدرها من داخل حجرتي وتضم في طياتها كل الأسماء التي تكتب في الشعر الحديث والقصة الحديثة، واستطاعت على الرغم من صغرها أن تجذب أقلاما معروفة في الوطن العربي مثل ادونيس، إبراهيم الحسين، الريامي، وعودة الخزام، وأحمد راشد ثاني، ولكن للأسف لم أستطع المواصلة فيها لأنها كبرت بشكل لا تسمح به إمكانياتي المادية والعملية أيضا، واضطررت لإغلاقها في سبتمبر 1990.
دراسة السينما وتوثيقها
وبعد تخرجي من الجامعة، عملت كباحث إعلامي في مركز البحوث والدراسات التابع لشرطة دبي، وبقيت فيه لمدة 10 سنوات، وخلال هذه المدة قررت التوجه إلى الولايات المتحدة الأميركية لدراسة السينما، وكنت قد وصلت إلى حد الإشباع سواء بالقراءة أو المشاهدة السينمائية.
وتمكنت خلال الفترة السابقة من التعرف على كافة النظريات السينمائية، والإطلاع على تاريخ السينما، والمدارس السينمائية المختلفة، ولذلك لم أكن أواجه مشكلة في الدراسة النظرية، وما كنت أحتاج إليه فقط هو ممارسة الإخراج والتعامل مع الكاميرا.
وفي العام 1994، وبعد مرور ثلاث سنوات على عودتي من أميركا، قمت بإنتاج أول فيلم قصير لي وكان بعنوان «الرمرام»، الذي فاز بالمركز الأول في مسابقة أفلام الفيديو التي عقدت برعاية المجمع الثقافي بأبوظبي، وقد أعطاني هذا الفوز دفعة قوية إلى الأمام رغم أنني كنت من القلائل الذين ذهبوا ودرسوا السينما في ذلك الوقت، فقد سبقني إليها كل من محمد نجيب الذي قدم فيلم «مكان في القلب» .
واتجه فيما بعد نحو الرياضة وهو الآن مذيع في قناة أبوظبي، ومحمد الدوسري الذي اتجه هو الآخر نحو التلفزيون، ومحمد سلطان ثاني الذي أتجه نحو العمل الصحافي، حيث انضم لأسرة (البيان) وكان يحرر صفحة أسبوعية في السينما، وعلي العبدول الذي قدم فيلما واحدا فقط هو «عابر سبيل» في العام 1989 ثم اختفى من هذا المجال.
وبلا شك أن وجودي وحيدا في هذا المجال زاد من صعوبة الموقف، فلم أكن أعرف من أين أبدأ في ظل غياب كل شيء، إضافة إلى أن السينما كانت تعاني من شبه كساد في تلك الفترة، ليس على مستوى الإمارات وحسب إنما على المستوى العالمي أيضا. وفي العام ذاته ـ أي 1994 ـ أقامت دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة، التي كان يديرها في ذلك الوقت عبدالرحمن حسن، ملتقى للسينمائيين في دول الخليج.
وشاركت فيه بفيلمي «الرمرام»، وخلاله قمنا بتأسيس جماعة السينما في دول مجلس التعاون الخليجي، وكلفت بإعداد فيلم وثائقي للدورة القادمة التي لم تعقد أصلاً، وكان الفيلم بعنوان «الغرفة القزاحية ـ مئة عام من السينما»، وحاولت فيه التعرف على بدايات السينما في الإمارات.
واكتشفت أن شركات البترول هي أول من أدخل السينما إلى الإمارات، عندما كانت تقوم بتصوير المناطق التي تقوم باستكشافها وكان ذلك في خمسينات القرن الماضي، ورغم أن أهدافها كانت مغايرة إلا أنها استطاعت أن توثق لهذه المنطقة بكل ما فيها من أشياء.
وقبل الفيلم الاستكشافي، كانت شركات البترول تعرض لموظفيها الأجانب نشرة اخبار قصيرة تتراوح مدتها ما بين 5 - 6 دقائق فقط، وكانت تعرف باسم «نيوز ريل» وهو يحمل أخبارا متفرقة من بلادهم، إلى جانب ذلك ساهم العديد من العاملين الأجانب في شركات البترول بإدخال السينما إلى الإمارات عبر ما كانوا يحضرونه معهم من أفلام لمشاهدتها هنا.
ومع البحث توصلت أيضا إلى أن سينما الوطنية التي أنشأها تاجر كويتي يدعى «محمد مرشد» الذي سمي باسمه «سوق مرشد» الوجود حاليا في منطقة ديرة هي الأولى في دبي، وأن أول فيلم عربي عرض في الإمارات هو فيلم «عنتر وعبلة» الذي اتفق عليه جميع من قابلتهم في ذلك الوقت، وهذا يدل إنه على الرغم من شح المصادر أن السينما كانت حاضرة في الإمارات.
في العام 1997 انتقلت إلى العمل في المجمع الثقافي بأبوظبي بناء على طلب محمد احمد السويدي، صاحب دار آفاق، والأمين العام للمجمع في ذلك الوقت، ومن هنا بدأت علاقة جديدة مع الصورة البصرية، حيث ترأست قسم الإنتاج في المجمع، وكنا نقوم بإنتاج جميع النشاطات الثقافية التي تعقد في المجمع تمهيدا لتوزيعها في الأسواق.
وبلا شك أن عملي المكثف على هذه النشاطات جعلني أتعامل مع الصورة بشكل يومي، وفتح المجال أمامي للتعامل مع أسماء فنية كبيرة في الوطن العربي مثل الفنان نصير شمه، والفنان مرسيل خليفة، وهبة القواس وحافظ عبد الرحمن وغيرهم، حيث كنت أقوم بإخراج أعمالهم الفنية وحفلاتهم.
كما عملت أيضا مع عازف البيانو المعروف العراقي سلطان الخطيب، في إخراج فيلم وثائقي بعنوان «الأفقية والزخرفة في عصر الباروك»، وكان يقارن ما بين الموسيقى وفن العمارة في حقب مختلفة من التاريخ. وفي العام 1999 تعاونت مع الشاعرة والمخرجة الإماراتية «نجوم الغانم» في إخراج فيلم بعنوان «ما بين ضفتين»، حيث كانت تنهي دراستها في ذلك الوقت.
انطلاق الحركة السينمائية
وفي العام التالي، شعرت بأن الصورة البصرية أصبحت حاضرة بشكل قوي في الإمارات، وأصبح لها وزن وأهمية بالغة، نظراً لانتشار المحطات التلفزيونية والإعلانات والصحافة والكليات التي تدرس مداخل إلى الفيلم، والتطور التكنولوجي الكبير في عالم التصوير.
وشعرت بأنه يجب أن يكون للإمارات دور في السينما، وبالفعل حاولت بقدر المستطاع جمع التاريخ أو الإرث البصري للإمارات، وقد وصلت إلى 58 فيلما سينمائيا، وبناء على ذلك عملنا «تظاهرة أفلام من الإمارات» التي عرضت على مدار ثلاثة أيام جميع هذه التجارب.
في الوقت ذاته، حاولنا الاستفادة من التجربة السابقة لمسابقة الأفلام التي كان المجمع الثقافي قد عقدها في منتصف التسعينات، لتشجيع الشباب على العمل السينمائي، ومن هنا جاءت فكرة «أفلام من الإمارات» التي ظهرت للعيان في العام 2001.
وأذكر إن اهتمامنا لم يكن منصبا على الكم بقدر المشاركة، وكنا نتطلع إلى 10 أفلام فقظظظط كحد أقصى، إلا أننا تفاجأنا بأن العدد وصل إلى 90 فيلما في الدورة الأولى، وهو ما أشار إلى وجود مواهب سينمائية إماراتية تحتاج إلى من يتبناها، واستمرت المسابقة وقد استطاعت أن تستقطب مشاريع الطلبة والتلفزيونات والشركات .. الخ.
وأذكر في الدورة السادسة أن متوسط المشاركات وصل إلى 160 فيلما، وكانت على مستوى متطور جدا مقارنه مع بداية المسابقة، واستطاعت أن تشارك في مهرجانات عربية وعالمية وأن تحصد العديد من الجوائز، وبلا شك أن هذا خلق حركة سينمائية جيدة في الإمارات، واستطاعت أن تصبح رافدا أساسيا في المهرجانات السينمائية الأخرى عربيا ودولياً.
لقد كان لهذه المسابقة تأثير قوي على الحركة السينمائية الخليجية عموما، وأذكر في الدورة الخامسة والسادسة أن عدد الأفلام السعودية المشاركة وصلت إلى 18 فيلما، والعمانية 11 فيلما، والكويتية 13 فيلما، وهذا يشير إلى إنها كانت محفزة للخليج كله.
بالمقابل استطاع مهرجان دبي السينمائي أن ينقل هذه التجربة من المحلية إلى العالمية، بحكم موقعه وما يلاقيه من تغطية إعلامية واهتمام عالمي، وقد ساهم في نقل الأفلام إلى مستويات أخرى أعلى، ومنذ دورته الأولى كان المهرجان معنيا بإبراز صانعي الأفلام في الإمارات، ولذلك تم إنشاء قسم ثابت للأفلام الإماراتية.
معلومات
ـ تعود بدايات السينما في الإمارات إلى خمسينات القرن الماضي.
ـ شركات البترول هي أول من أدخل السينما إلى الإمارات.
ـ يعتبر فيلم «عابر سبيل» لعلي العبدول من أوائل التجارب السينمائية الطويلة في الإمارات.
ـ تعتبر سينما الوطنية الأولى في دبي، وقد أنشأها تاجر كويتي يدعى «محمد مرشد»
ـ أول فيلم عربي عرض في الإمارات هو «عنتر وعبلة».
ـ يصل عدد شاشات دور العرض في الإمارات إلى أكثر من 174 شاشة، ومن المتوقع أن يرتفع في المستقبل.
ـ انطلقت الدورة الأولى لمسابقة «أفلام من الإمارات» عام 2001، وشارك فيها نحو 90 فيلما قصيرا من الامارات فقط.
ـ انطلق مهرجان دبي السينمائي لأول مرة عام 2004، تحت شعار «ملتقى الثقافات والإبداعات».
ـ بلغ عدد الأفلام المشاركة في مهرجان دبي السينمائي في العام 2004 نحو 74 فيلما وارتفعت إلى 98 فيلما عام 2005، والى 114 فيلما عام 2006، ووصلت في الدورة الأخيرة إلى أكثر من 300 فيلم.
ـ يمنح مهرجان دبي السينمائي مع انتهاء كل دورة جائزة المهر الذهبي للأفلام المشاركة في المهرجان.
غسان خروب



