ستون عاما في ركوب البحر طبعت تضاريسها على وجهه الباسم تاركة أمواجاً من الذكريات تجري على لسانه وكأنه يروي حكايات من ألف ليلة وليلة، على خور دبي وأمام سفينة البوم «ممتاز» التي أشرف على صناعتها كغيرها في الهند جلس مستنداً إلى تاريخ معبق برائحة الماضي البعيد، تاركا عينيه تلامسان صفحة الماء بنظرات كلها حنين وولاء لرفيق مسيرته ومصدر رزقه.. ألا وهو البحر، خليفة بن محمد الفقاعي، صاحب التجربة الفريدة والثرية في عالم الأسفار والترحال وقاهر البحار والمحيطات، يفرد صفحات من كتاب ذكرياته مع صناعة السفن والتجارة والإبحار بين دول المنطقة والهند وبلدان افريقيا، متوقفا أمام أهم الأحداث والمفارقات التي صادفته.
في منطقة الراس بدبي كان مولده، لكن والدته ارتأت شراء مزرعة في رأس الخيمة فانتقل صغيرا مع الأسرة للعيش هناك، يقول: كنت رضيعا عندما انتقلت الأسرة الى رأس الخيمة، لكنني عرفت من شقيقي الأكبر أنهم قطعوا الطريق مشيا على الأقدام، وهناك تفتحت عيناي على الدنيا، أرسلتني والدتي عند مطوعة اسمها مريم لكي أحفظ القرآن، لكنني لم افلح في ذلك ولم أواظب على حضور الدروس، كان البحث عن عمل لتأمين المعيشة هو ما يشغل بال الجميع، ركبت البحر لأول مرة وعمري لم يتجاوز الثامنة، وسافرت على السفن التجارية وسفن الشحن أصب القهوة وأقوم بالأعمال الخفيفة، بعد ذلك عملت عند الشيخ محمد بن سالم القاسمي في جمع ايجارات المحلات التجارية في الأسواق مقابل خمس روبيات في الشهر، بعدها أرسلني إلى الهند مع عيسى قرقوز لنشتري ملابس وأشياء آخرى ثم نبيعها في رأس الخيمة، وكان ابحارنا من الشارقة إلى بومباي كأول مرة بمثابة فتح صفحة قوية مع عالم البحار، وكانت الرحلة التالية إلى عدن وقمت بها لوحدي، فقد أرسلني الشيخ محمد لشراء سلاح مستعمل ليبيعه لمن يطلبه، فقد كان اقتناء السلاح في ذلك الوقت مسموحا به، وعندما وصلت إلى عدن قابلت دلالا صوماليا كان وسيطا في عملية الشراءوبعد إتمام الصفقة شحنتها على سفينة سبقتني الى البلاد وخيرا فعلت، إذ قام الوسيط بإخبار الإنجليز فألقوا القبض علي وحققوا معي، فأخبرتهم بأنني هنا للتجارة وسفينتي مازالت راسية وليس فيها سلاح، وانتهى التحقيق بالإفراج عني بعد أن تدخل بائع حلوى عماني اسمه علي العودني، كنت قد قضيت في السجن 12 يوما، وعرفت بعدها أن من يخبر عن تجارة سلاح يأخذ مكافأة من الإنجليز، وهكذا أراد الدلال أن يستفيد مني ومنهم.
الاختبار الصعب... في عام 1951 وعن طريق دلال هندي وهو صديق لي، عرض علي إيصال شحنة تمور تزن مئة طن من مسقط إلى نكوما في المحيط الهادي، كانت الرحلة محفوفة بالمخاطر كون سفينة شراعية تبحر عبر طريق رأس الرجاء الصالح، لكنني تحديت نفسي ووافقت خصوصا وان المقابل المادي كان كبيرا ووصل إلى سبعة آلاف روبية، كما أنني وافقت لحاجتي للمال، وفي نظري أن مهنة البحار من أقسى المهن لكن رزقها حلال وخال تماما من الشبهات، المهم أنني نجحت في ايصال الشحنة ثم اتجهت إلى بومباسي بشحنة سكر. ومن الأسفار التي اذكر تفاصيلها جيداً أنني توجهت بشحنة تمور من العراق إلى زنجبار، وكان معي في هذه السفرة راشد بن جروان وهو من نواخذة الشارقة المعروفين رحمه الله، وصلنا إلى زنجبار وعرض علينا شحنة أخشاب في طريقها للهند، كان علينا أن نمر من منطقة وعرة تسمى سيبورانكا، وكانت السلطات الإنجليزية لا تسمح لأي سفينة بدخول هذه المنطقة إلا بعد مثول نواخذتها للاختبار أمام ضابط انجليزي، سألنا عن الأدوات التي نستخدمها في الإبحار فأجبته بأننا لا نستخدم أي شيء من الأدوات الملاحية فتعجب منا، ووجه لنا القول عبر مترجم بأننا نحن العرب ندخل البحر وكأنه بيتنا، ثم أعطانا رخصة بالإبحار.
ومن الرحلات التي حدثت فيها مفارقات أنني كنت في رحلة إلى الصومال، ووصلتها بعد مشقة سفر وكنت في غاية الإعياء، وعند وصولي وجدت بعض الأهالي متجمهرين على الشاطئ منتظرين رجالهم الذين خرجوا إلى البحر ولم يعودوا منذ أيام، وكان بينهم الرئيس سياد بري، وطلبوا مني البحث عن المفقودين، وخرجت في رحلة بحث استمرت يومين إلى أن وجدتهم وقد انكسر مقود سفينتهم، كان من بينهم اثنان قد ماتا، أخذت الجميع الى الشاطئ فاستقبلني بري وعرض علي مكافأة مالية فرفضتها قائلا له إن أخلاق البحار تمنعني من أن آخذ مقابلا لعمل إنساني قمت به تجاه بحار آخر، فما كان منه إلا أن اخذ رشاشا من أحد جنوده وأعطاه لي فقبلت الهدية، وهذا الرشاش مازلت محتفظا به حتى الآن، كذلك أحتفظ ببندقية آلية أهداها لي الشيخ ناصر من مشايخ عدن مقابل إنقاذي لسفينته ورجاله من الغرق، فقد أراد مكافأتي بالمال ورفضت، فعدت بالبندقية وأربع ذبائح كهدية
صناعة السفن
في الهند أنشأت مصنعا لصناعة السفن، واختياري للهند مقرا للمصنع لرخص العمالة وتوفر الأخشاب، ولأنني أيضا مقيم في الهند منذ أكثر من أربعين عاما ولدي بيتي هناك، كنت أصنع السفن وأبيعها في الإمارات، ولأنني عندما أرى إحداها تعود بي الذكريات إلى الأيام الخوالي، ومن بين هذه السفن «البوم ممتاز» التي أهديتها لمطعم البوم.
كذلك بنيت في الهند العديد من المساجد لوجه الله، أما مسيرتي وذكرياتي مع البحر فهي كثيرة ولا تحصى، لكن يبقى أن أذكر بأنني تعلمت ركوب البحر على يد عمالقة أذكر منهم النوخذه إبراهيم سامان الذي علمني فنون الإبحار وكثيرون أيضا تعلموا على يديه، كذلك تعلمت من النوخذه ابراهيم بوموسى وكنت صغيرا أصب له القهوة، وعندما يبسط الخرائط أجلس جانبه وأراقب ما يفعل.
أما البحر في حد ذاته فقد علمني الصبر والقدرة على التحمل لفترات طويلة دون تناول الطعام، أحيانا كنا نعيش على التمر والماء لأيام طويلة، كذلك تعلمت كيف أواجه اللحظات الصعبة الطارئة، ومن الرحلات الكثيرة تعرفت إلى شعوب مختلفة واطلعت على عادات وتقاليد منها ما يتشابه مع تفكيرنا ومنها ما هو مختلف، وتعلمت لغات مثل الأوردو والفارسية والهندية، لكن في المقابل فإن البحر ليس له أمان، وركوبه مرهق ويعرض الإنسان للأهوال.
لقد مرت علي لحظات كنت فيها قريبا من الموت لولا عناية الله في كل مرة، غير أن الحاجة هي التي دفعتني للقبول بالأمر الواقع والمتاح، ومع ذلك فإنني مازلت حتى الآن احن لتلك الأيام، وفي مرات كثيرة أتناول الطعام مع البحارة على ظهر السفن.
ابني علي هو الوحيد الذي عمل معي لفترة في البحر، وأذكر أننا تعرضنا للغرق أمام سواحل عمان وغرقت السفينة بنما أنقذنا النوخذه أحمد خالد وشقيقه عبد الرحيم بسفينتهما وهم من نواخذة رأس الخيمة، أما بقية الأولاد فقد اتجهوا للتعليم، وأنا والحمد لله تم تكريمي من جهات عديدة بالدولة ورجالها المخلصين وفي مقدمتهم صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي.
عدد ملاك السفن والنواخذة ومعظمهم لم يكن يعرف القراءة والكتابة
دبي
32 مالكا ونوخذة نذكر منهم محمد مطر بن لاحج وأخوه سعيد، وسيف أحمد بن خريطان وأخوه مطر، وأحمد بن عبيد بن صقر وولداه راشد وعلي، ودرويش بن سيف ، وخليفة محمد بن حارب وعيسى أحمد بن حارب، وعلي محمد الخلافي وثاني بن غليطة ومحمد بن فهد ومحمد مهاجر ومحمد خالد وعبيد بن جمعة بن سلوم وأولاده وسعيد محمد الختال وابنه محمد، وسعيد من النواخذة المعروفين ويملك مصنعا لصناعة السفن في بر دبي.
أبوظبي
اثنان فقط هم سعيد العتيبة وعمير بن عبدالله.
الشارقة
8، نذكر منهم عمران بن تريم وراشد بن سعيد الجروان وأخوه محمد
خورفكان
16، منهم حجي محمود صالح وابنه محمد وكان يملك أكبر بوم في الخليج يسمى «الراشدان».
رأس الخيمة
43 مالكا ونوخذه نذكر منهم سلطان الشرهان وابنه عبدالله، وإبراهيم بن سالم الكيت وعبدالله بن سالم رابوي وكان لديهم بوم اسمه «النامسة».
أم القيوين
اثنان وهم الشيخ خلف بن سلطان المعلا وسيف بن صفان.
المعيريض
47 مالكا ونوخذة نذكر منهم إبراهيم محمد السامان وظاعن بن عبدالله وكان يملك جالبوت اسمه «الصابونة».
الرمس
4، وهم محمد بن علي البرق وأخوه خلفان، وصالح وعبد الرحمن من عائلة بن عباس وهم من شيوخ الرمس.
أما الآن فلم يبق إلا نواخذه وملاكا قلة مازالوا يعملون في البحر وينحصرون في دبي أمثال سعيد الختال وأبنائه وعلي محمد الخلافي وثاني بن غليطة ومحمد بن فهد ومحمد مهاجر وعبيد بن سلوم وأولاده.
عز الدين الأسواني



