عرفت الكاتب الإماراتي صالح كرامة منذ أكثر من ثماني سنوات تقريباً، وذلك عندما دعاني لمشاهدة مسرحية الأطفال التي قدمها على خشبة المجمع الثقافي بعنوان (وين البحر) وهي من تأليفه وإخراجه، وتتحدث عن معاناة الطفل الفلسطيني تحت الحصار. ذهبت وفي ذهني تساؤل، ماذا سيقدم في هذا الجو الكئيب السائد ليسبر أعماق الواقع؟.

ولكن أثناء العرض وجدتني مشدودة إلى المتابعة حتى النهاية، وحينها أحسست أن هذا الفنان يحمل مشروعاً حياتياً خلاقاً في طياته حلمه ومأزقه الوجودي، وتقابلت معه ثانية صدفة بعد مرور سنوات طويلة فوجدتها فرصة للوقوف على حلمه الذي لا ينتهي، وجدته أنساناً يبني مشروعه في صمت وبمخيلة طفل مشاغب مازال ينبش في المجهول.

وكانت آخر انجازاته فوز فيلمه (عربة الروح ) للمخرج الانجليزي كونوراد كلارك بالجائزة الذهبية في الدورة 55 لمهرجان سان سبيستيان الأسباني الدولي 2007 وقيمتها 110 آلاف دولار أميركي. هذا هو صالح كرامة الذي فرض اسمه في المحافل الفنية العالمية بعد سنوات طويلة من الإبداع للمسرح والسينما والقصة.

بدأ كرامة حياته العملية كمراسل حربي وصحافي ومصور في مجله درع الوطن. شارك في العديد من الدورات في مجال السينما في بريطانيا، وفي الاعلام في جريدة الأهرام المصرية، وله العديد من المؤلفات في المسرح والقصة القصيرة، وإن كنت سأخص حديثي عن فيلمه الفائز بجائزة عالمية، وما يشكله له المكان ككاتب، وكيف أثرت عليه نشأته في حي الباور هاوس الشعبي في أبوظبي، واذا كان من أن أنصار الذاكرة الكتابية، والمسارات التي تقود كتابته.

المشاركة في سان سبيستيان كانت الأولى من نوعها لكاتب إماراتي في مهرجان عالمي، وتم ترشيح الفيلم بين 16 فيلما آخر. قصة الفيلم كانت تلامس الواقع الإنساني بعيداً عن الحدود الجغرافية والزمنية. فقد اشتغل على النص بحلم الابتعاد والخروج من قوقعة المألوف والسائد، وهو ما يعني اقترابه خطوات من مشروعه الأدبي الذي يطمح إليه منذ سنوات. بالابتعاد بنصوصه عن جغرافيا التقييد التي تلزمه بارتداء شكل يرى أن الأدب والثقافة بمعناهما الإنساني الوجودي أبعد ما تكون عنه.

وقصة فيلم «عربة الروح» الذي تم تصويره في شانغهاي بالصين وأنتجته وندي كوان، وأخرجه المخرج الانجليزي الشاب كونوراد كلارك تقوم على فلسفة شفافة تبحث عن إجابات مبهمة وتناضل من أجل أن يعتريها الوقت، وهي قصة قد تحدث في كل مكان وزمان وبين عالم مصلوب، وتتلخص في أن شابا أرسل في مهمة إيصال جثة رجل بعربته ولا يعرف له عنواناً محدداً، فيعبر الوهاد ويقطع الغابات لتوصيل جثة الرجل الميت.

وخوفا من تعفن الجثة مع هطول الأمطار يطرق البيوت لعله يجد من يتعرف على وجه الرجل الميت، ويمر على زفاف فينتظر حتى ينتهي ويكشف عن الجثة لأصحاب العرس، لكنه ليس بابنهم، ويستمر الشاب طيلة الفيلم يبحث عن أهل الميت ولا يجدهم، بعد أن يكون قد مر على كثير من البشر والقرى وتحاور مع كل من قابله في وأنماط بشرية عدة، وسط مواقف تراجيدية تلامس حالات إنسانية غاية في الحساسية.

الذاكرة الأولى

ويتطرق كرامة عن رؤيته لماهية المكان فيقول: المكان عنصر مهم في الحياة للكاتب وهو الذاكرة الأولى التي تسقط مباشرة في جبهته، والشمس الأولى التي تصبح معه، وأي شيء يتشكل لديه هو مكان الحياة التي عاشها، وفي ذلك يكون كل شيء متساوياً في مرحلة التكوين ومرحلة الاستضافة الأولى، فالحي الشعبي الذي نشأت فيه في أبوظبي وهو الباور هاوس حمل هذا التشكل، وحمل معه كل الرحلة، حيث وعيت على كافه الأنماط من البشر.

وكانت تأخذني أمي عبر الأزقة الضيقة وسط الناس الطيبين. هناك كل شيء شعبي وقديم، والمدينة خلفك، لم أكن أتخيل يوماً أن تأتي جرافة لتقتلع بيتنا القديم وترميني في مكان مفلل وأنيق. كل شيء فيه منسق ومرتب، لم أتخيل أن أفتقد للأبد الأشياء التي أعتدت عليها، عبق الجدران الطينية وصوت الطيور المعششة فوق شجرة السدرة بجوار بيتنا ورائحة الصباح الساخن، وشجرة اللوز المحنية فوق الجدار.

في نشأتي بالباور هاوس الذي كان يتوسط مدينة أبوظبي كانت لدي أحلام كثيرة تذهب وتأتي معي يومياً من وإلى البيت، الذي يجاور مسرح الاتحاد المعروف بمسرح الجزيرة حاليا، وكان النادي الذي نرتاده يحتوينا كأطفال يلهون ويلعبون بداخله. أول معرفتي بالمسرح كانت عندما شاهدت رجلاً ضخماً يحمل ملفاً يدخل في إحدى الغرف بالنادي التي كتب على بابها المسرح.

دفعني الفضول لمراقبة هؤلاء الرجال مرتادي هذا المكتب الصغير وما يفعلون، تعرفت وقتها على مجموعة من الفنانين المحليين الذين يقومون بتدريبات على مسرحية محلية في ملعب الرياضة بعد انتهاء اللاعبين من التدريب، وبدأت أجري مقارنة فعلية في منطق الأشياء من اللعب إلى التدريب الفني، ووجدت أن هؤلاء الفنانين يتحدثون طبقاً لما في حوزتهم من دفاتر تحتوي النص المسرحي.

ومنذ ذلك الوقت أصبت بداء المسرح ولم أكن أحسب يوما أنني سأكون واحداً منهم وأصبح الهم اليومي هو أن أكون منطلقا كمسبار فضاء، عندها أصبح المكان يشكل رحلة في غاية الحساسية، لأنك جزء من القطعة المنزلية، والذاكرة المكانية شكلت مقداراً مؤثراً جداً إلى عنصر فعال حتى عندما تنقلك أنت الكائن المسكين من طفل يلهو بدراجة هوائية إلى عنصر فعال تكتب وتتكلم عن كثب، هنا ينبع التشكيل إلى منطق الحياة غير المستساغة.

بدايات التشكيل

والسؤال الذي يطرح نفسه في ذاكرتك أين يكمن المكان نفسه؟، فالمكان هنا هو الذي ينقلك من مكانك الحقيقي إلى حيز الوجود العام، وفي اعتقادي أن الحي الشعبي الباور هاوس قد شكل لدي الكثير، فهو البدايات التي أعتز بها.

وجاءت الساعة التي يعرض فيها هؤلاء مسرحيتهم، ويدخل إلى المكان جميع سكان الحي من أطفال وشباب ورجال ونساء، كان بالفعل الحاضنة الأساسية في الفعل المسرحي والذاكرة الإنسانية. شاهدت لأول مرة عفوية الممثلين والفنانة رزيقة الطارش وهي تقدم دورها علي خشبه المسرح، وتابعت النقاش الذي يدور بين الممثلين والجهور بعد انتهاء العرض، وكان تفاعلاً حضارياً جميلاً.

دعيني أعود إلى قضية المكان، وكيف يؤثر في التشكيل البصري والنفسي من خلال البيت الشعبي الذي تشكل به مسرح الاتحاد، وتكمن مقوماته في أن ينقلك المكان إلى أن تتبنى المسرح وتصبح مهموماً به، حتى جاءت فكرة المباغتة في أن تكون ضمن هؤلاء المسرحيين.

بدأت بائعاً في شباك التذاكر، وفعلت ما طلبه جميع الممثلين مني، ساعدتهم في حمل الإضاءة، ومن خلال هذه الأشياء البسيطة شكلت في الفضاء الكثير من الحلم، واعتقادي أن هؤلاء الناس كانوا مهمومين ومهووسين بتبني فكرة المسرح.

ولكن وللأسف بعد أن ظهرت الإذاعة والتلفزيون هجر الممثلين المسرح إليهما، وعندها أصيب المسرح بالموت المؤقت، ألفعل المسرحي لا يقبل المراهنة أو المبايعة، فهو فعل فني يقبل المجازفة فقط، فكان هذا المكان له سحر خاص في تنمية قدرات الذاكرة التخيلية ومن هذه المسافات ألتقط هذا السحر وأوظفه في الكثير من أعمالي.

مسارات الكتابة

وعن سؤال يوضح فيه نفسه أجاب أن الكاتب يظل وليد الفكرة ومأسور بها حتى الرمق، وعندما يصادف هذا الهدف يجثم على ركبتيه لما يحققه هذا الفعل الكمي والعلني، لقد تحولت الكثير من الأفعال الحياتية إلى مستمرة وعندها يقف الكاتب أو المبدع أمامها بتأن، ويبدأ في الانتقاء الفعلي التام، وقد توصلنا في هذا الوقت إلى أنصار أن تكتب حسب ما يمليه علينا زمننا، ولكن أن تغدو الكتابة كعنصر يومي يحتمل المداومة فهذا ما قصدته عندما كان هناك شيء عيني يقرب المسافة.

فعندما يصادفك مثلاً حدثاً ما عليك إلا أن تسجله كما رأيته وتضع فيه ما تريد وتسبقه مغامرة اعتيادية، ولكن عندما يزداد هذا الفعل تأججا يدخل في فعل الكتابة، وهذا هو المراد تحقيقه، وعندما تستضم بمقولة ان الكتابة تأتي مع النسيان، فأنا مع تلك المقولة.

أما عن المسارات التي تقوده إلى الكتابة فيؤكد أن هناك كثيراً من الفعل الدرامي في الحياة منها أن تكون ملك نفسك في مقاسات الوقت وأن تطرح عدة قضايا، وأنا أركز في الكتابة على ابراز الفعل الإنساني بما يملأه علي الزمان والمكان، وأحاول اختصار الاثنين في آن واحد، وبالتالي يسبق الفعل الكتابي والإبداعي هدف أو فلسفة قد يتبناها لسنوات، وأعود لتأكيد أنني من أنصار الإنسان ككائن معقد يعيش في كنف الحياة، يكره وينتصر على حزنه بحماس تام ويقوده هذا الحماس إلى أن يكون مدمراً بأفعال أخرى موازية لها في كثير من الأحيان.

نعم فأنا من أنصار الإنسان لكني لا أنفي الفعل المصاحب له وقد يتساوى في الكثير من المؤثرات الطبيعية معه في اقامة التواصل وغيره، وعلينا التعامل مع الأدوات المحيطة بنا من طرق ومسارات، ونصبها في قالب عام، ومن حق الإنسان أن يسخرها متى شاء ومتى اقترب موعد استخدامها، وأيضا يساهم عبر الفعل اليومي في تحطيمها وهذا يكمن في قتل البشر.

إنجازات كرامة

والكاتب الفنان صالح كرامة من مؤسسي مسرح الاتحاد بأبوظبي عام 1977 ويعد معاصراً لتجربتي صقر الرشود وإبراهيم جرل مع المسرح المحلي. تخرج من جامعة الإمارات بكالوريوس إعلام 1987، فاز بمسابقة القصة القصيرة لجامعة الإمارات عام 1982، عمل فترة طويلة بالصحافة، أصدرت له الدائرة الثقافية أربع مسرحيات احداها بعنوان (سراب) والأخرى بعنوان (عيناها) وثالثة بعنوان (حرقص) والأخيرة بعنوان (السدادة) عام 2006.

كتب واخرج عدة مسرحيات أهمها مسرحية (لافات الفوت) عام 1984 وقد تم تقديمها على خشبة مسرح الاتحاد بنفس التاريخ. قام ببطولة مسرحية (غرباء في الوطن) من اخراج عبدالله الأستاذ وهي مأخوذة عن مسرحية (غرباء لا يشربون القهوة) لمحمود دياب. عمل ممثلا مع الدكتور جواج الاسدي في مسرحية (مندلي).

قام بإعداد وإخراج مسرحية (في المقهى) عن مسرحية الساعات العصيبة للكاتب السويدي لاجير كسيفت وقد تم تقديم المسرحية في مهرجان أيام الشارقة المسرحي عام 1998. كتب مع الدكتور جواد الاسدي مسرحية (البانيو) واخرجها الدكتور جواد الاسدي وتم تقديمها في أيام الشارقة المسرحي عام 2000. كتب مع البرفسيور عوني كرومي وبالتعاون مع أعضاء الفرقة المسرحية مسرحية (القائل نعم والقائل لا) المأخوذة عن مسرحية (بريخت) واخرجها البرفسيور عوني كرومي.

عمل مخرجاً مساعداً لعوني كرومي في نفس المسرحية وقد تم تقديمها في مهرجان أيام الشارقة المسرحي عام 1999. في ألمانيا (برلين ) أخرج مسرحية له اسمها (المصباح) عام 2000 عن طريق مسرح برلين تاترو وقد وجهت له الدعوة لحضور الافتتاح. أخرج له في لبنان مسرحيته (عشاق القمر) من قبل المخرجة اللبنانية (بولين حداد). وفي بغداد اخرج له مسرحيته (سراب ) من قبل المخرج كاظم نصار.

قام بتأليف وإخراج مسرحية (عيناها) ومثلت الدولة في مهرجان عمان المسرحي عام 2001 بالأردن. قام بتأليف مسرحية (حرقص) وهي مأخوذة عن رواية ( الشيطان ولانسه بريم) للكاتب البرازيلي (باولو كويلهو) وتم تقديم المسرحية في مهرجان أيام الشارقة المسرحي عام 2003. قام بإخراج مسرحية (وين البحر) عام 2003 وهي تتحدث عن أحلام الطفل الفلسطيني تحت الحصار وهي مسرحية للأطفال.

كتب وأخرج المسرحية المحلية (فوق النخل) عام2006. قدمت له فرقة رؤية المصرية مسرحية (عيناها) عام 2006 ويستعد للمشاركة بهذا العمل في المهرجان التجريبي بالقاهرة. ينحو في الإخراج نحو التجريب والارتجالات المدروسة للمثلين.

له تحت الطبع مسرحية مدركة، ياليل، وفش الهوى، له رواية تحت الطبع بعنوان (لم يتم شي) ورواية (اني وحيده) . كتب عددا من السيناريوهات اهمها فيلم ( قشر البرتقال) ويتحدث عن ليلة واحدة عن دخول القوات الصهيونية مخيم جنين، فيلم (جلسة عائلية). درس الإخراج السينمائي بأكاديمية نيويورك لصناعة الأفلام، واخرج عددا من الأفلام السينمائية القصيرة .

فاز بجائزة لجنة التحكيم للأفلام من الإمارات عام 2004 عن فيلم روائي طويل بعنوان (ما تبقى)، واختير من الأفلام الدولية لمهرجان الإسماعيلية الدولي بين أربعمئة فيلم تقدمت لإدارة المهرجان، واعتبر الفيلم العربي الوحيد الذي يحمل الموصفات السينمائية ويحق لها دخول المسابقة أمام الأفلام الأخرى من أنحاء العالم.

كتب القصة القصيرة وله مجموعة قصصية بعنوان (سهرة مع الأرق) من إصدارات اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، وهناك مجموعة قصصية أخرى قيد الطبع. قام المخرج البريطاني (كورناد كلارك) بإخراج فيلم بعنوان (عربة الروح) مأخوذ عن قصة قصيرة لصالح كرامة وتم تصوير الفيلم بالصين عام 2006، واشترك في مهرجان (سبيستيان) بأسبانيا ومهرجان (مراكش) بالمغرب. قام بتأليف وإخراج الفيلم السينمائي (أحلام حنة). أخرج له المخرج حسن الصواف مسرحية (سراب) ضمن مهرجان ساقية الصاوي عام 2007.

إيمان قنديل