قبل أن نشرع في الحديث معه عن تجربته في عالم السفر والسياحة وضع أمامي مجموعة كثيرة من ألبومات الصور لرحلاته الداخلية التي ينظمها في العطلات الأسبوعية مع مجموعة من الأصدقاء، توقفنا كثيراً أمام هذه الألبومات من حيث دلالات التوثيق بالكاميرا للأمكنة وللحظات المرح، ولننطلق منها إلى فلسفته الخاصة لسياحته الخارجية، فعند رجل الأعمال أحمد ناصر لوتاه رؤية نستشف منها ولعه بالطبيعة في المقام الأول، وبالإرث الحضاري للبشرية بشكل عام، وللحضارة الإسلامية على وجه الخصوص، لكن الأهم هو حرصه على التجول بسيارة يقودها بنفسه في كل البلدان التي يذهب إليها.

يفتتح أحمد ناصر الحديث بنقطة هامة عن معرفة الإنسان بتضاريس وسياحة بلده أولا فيقول: أحببت الخروج في رحلات برية منذ الصغر، إذ كان الوالد مهتما بها وعودنا عليها، والآن لم تتبق منطقة سياحية في الإمارات إلا وزرتها، خصوصا المناطق الجبلية والأودية والعيون في الإمارات الشمالية، وإلى الآن أنا حريص على هذا التقليد الأسبوعي الذي لم يتوقف، أحببت الطبيعة بجنون، وإذا مر أسبوع بدون خروج أشعر بالضيق، أما السياحة الخارجية فقد بدأتها أيضاً في وقت مبكر مع الأسرة، وأول رحلة مع مجموعة من الأصدقاء كانت إلى سنغافورة، لا أعرف السبب الذي جعلني أختارها في وقت كان الشباب يتجه دائما إلى بانكوك في فترة الثمانينات، وقد كان اختياري موفقا إلى حد جعلني أزورها كثيرا بعد ذلك، وقضيت فيها شهر العسل بعد الزواج، سنغافورة بلد آمن وجميل، فيه من المناظر الطبيعية ما يخلب الألباب، والشعب السنغافوري طيب ويعرف كيف يحتفي بضيوفه، ويضع في اعتباره راحتك حتى تعود مرة أخرى، وتلك هي توجهات الحكومة هناك، فهي تقدم الخدمات الكاملة للزوار، كذلك شهرتها بأسواقها التجارية المنظمة، ونظافة شوارعها، وفي تلك الفترة كانت الأسعار معقولة وسببا جوهريا لجذب السياح، تماما هو الحال بالنسبة لماليزيا التي زرتها من سنغافورة في إحدى رحلاتي، وماليزيا مشهورة بطبيعتها الساحرة، خصوصا جزيرة »بينيك« التي زرتها واستمتعت بأجوائها الممتعة، والجميل فيها أيضاً فواكهها الطازجة والمتنوعة، وفي ماليزيا كما هو الحال في سنغافورة احترام للسائح ولا يوجد شيء اسمه استغلال للغرباء، فسواسية المعاملة مع المواطن هناك هي التي تحكم سائق التاكسي والنادل في المطاعم والفنادق ولا ذكر »للبقشيش« في قاموسهم.

حضارة الأندلس ... عند محطة اسبانيا يتوقف طويلا أحمد ناصر مبديا حسرة على حضارة المسلمين في الأندلس، يقول: زرت اسبانيا أربع مرات، وفي كل مرة أقف أمام معلم من معالم الحضارة الإسلامية، إحساس بالفخر ينتابني عند معرفة معلومة جديدة تبين عظمة الأولين وتفوقهم في مجال الهندسة المعمارية والزخارف التي لا مثيل لها، وفي نفس الوقت أشعر بالحسرة على حال المسلمين الآن، في كل القصور التي زرتها وجدت عبارة »ولا غالب إلا الله« منقوشة على الجدران جلية وكأنها كتبت الآن، مساجد وقصور فريدة في تصميماتها، وكعادتي رحت ألتقط الصور لهذه المعالم وأحتفظ بمجموعة قيمة أعود إليها كلما شدني الحنين لهذا التراث الأصيل، في القصر الأحمر توقفت منبهراً بما رأيت وسمعت، ففي ساحة القصر المسماة بساحة الأسود شاهدت النوافير التي يخرج منها الماء بالتناوب دون مضخات كهربائية، كذلك الحال بالنسبة للأسود الاثنى عشر التي يتدفق الماء من أفواهها كل ساعة، وعرفت من الدليل أن النوافير تعمل على خلفية فكرة الساعة المائية، وعندما توقف خروج الماء من أحد الأسود عصى على الخبراء والتقنيين الحداثيين أن يصلحوا الخلل أو حتى يعرفوه، ولهذا أوقفوا جميع النوافير عن العمل حتى لا يظهر الخلل، والعجيب أن أحدا حتى الآن لا يعرف من أين يأتي الماء للساحة.

وفي قصر »موندا« رأيت العجب بدءا من مكان القصر الذي شيد على قمة جبل تطل على المدينة، وكان مقرا لأحد الملوك يري منه كل شيء سواء داخل القصر أو خارجه، أما الدهشة فهي في كيفية وصول الماء إلى نوافير القصر وكيف تم بناؤه في الأصل، أسئلة كثيرة تراود الزائرين ولا توجد أجوبة شافية تفك أسرار هذه الهندسة المعمارية وكنه أولئك المهندسين الأفذاذ. الأسبان يقدرون قيمة هذه الآثار بما تدره عليهم من دخل سياحي في اعتمادهم الأول على السياحة كدخل قومي، والحق أنهم يحافظون عليها بل وحولوا بعضها إلى فنادق من الدرجة الأولى، وفي أسبانيا لا يشعر المرء بالغربة، فالوجوه هناك عربية أو تكاد تكون، حتى الأطعمة فيها الكثير من الوجبات العربية، وإذا دققنا في اللغة سنجد أيضا الكثير من المفردات العربية التي تم تحويرها قليلا، والشعب الأسباني متعاون مع الغرباء وسلوكه منظم في الشارع ويهتم بالنظافة.

الطبيعة في المغرب

المغرب من البلدان الجميلة التي زرتها وأحسست فيها براحة، فهي ساحرة بكل المقاييس باحتوائها تضاريس مختلفة كلها مكسوة بالخضرة، وأنا بطبعي أميل إلى الطبيعة ولا تستهويني العواصم بكتلها الأسمنتية، في المغرب توجد الجبال والوديان والسهول.

وهكذا أجد أمامي كل الاختيارات، وفي مراكش توجد اعلى قمة جبلية في الوطن العربي وهي قمة »طوبقال« في جبال أطلس، وقد صعدتها واستمتعت برؤية الثلوج المتجمعة على قمتها، وأعتقد أن تعبيد الطرق يستحوذ على اهتمام المسؤولين هناك وقد قطعوا شوطا كبيرا في هذا المجال.

أما الشعب المغربي فهو طيب ويكرم ضيوفه رغم بساطة الظروف المعيشية، وما يعجبني في المغرب أيضا هو ساحة مسجد الفنا، وهي ساحة كبيرة تجمع المهرجين وعازفي الموسيقى الشعبية ويوجد فيها أكبر مطعم شعبي في العالم وتقدم فيه كل المأكولات المغربية.

وفي مصر التي زرتها كثيرا استمتع بالتجول في الأماكن الشعبية مثل خان الخليلي، وأذكر أنني اختلفت مع أصدقائي في اختيار مكان نذهب إليه بعد أن اقترحوا المسرح والسينما وغيرهما لكنني لم اقتنع، ذهبت بمفردي أتجول إلى أن وجدت نفسي مستمتعاً بلوحة جميلة شكلها سوق شعبي فرحت أراقب البائعين وهم ينادون على بضائعهم بأصوات جميلة وعبارات أجمل أثارت في نفسي الضحك، أما المناطق السياحية والأثرية في مصر فقد زرتها كلها، وهي بحق ممتعة لولا مضايقة البعض للسياح بعرض خدماتهم بإلحاح شديد.

متعة الريف الفرنسي

زرت معظم بلدان أوروبا، وأتوقف عند سويسرا لأنها نقطة انطلاقي إلى بقية الدول لوقوعها في المنتصف، ولكونها تتمتع بطبيعة جميلة وآسرة خصوصا في منطقة الجبال القريبة من الريف الفرنسي، بالطبع أجد هناك ضالتي وأمارس هواية تسلق الجبال وأستمتع برؤية البحيرات، في الصيف الناس يسبحون ويصطادون الأسماك، وفي الشتاء تتحول البحيرات إلى مسطح جليدي.

هكذا وجدت سويسرا مغرية في الصيف والشتاء، ومنظمة وشوارعها نظيفة على مدار الساعة، كما شدني فيها منظر الأجراس المعلقة على رقاب البقر، وكلما تحرك القطيع جلجلت الأجراس محدثة أصواتا تشبه ترانيم الأدعية، وفي سويسرا أستأجر سيارة كعادتي في كل بلد أذهب إلية حتى أشعر بالحرية وأستطيع زيارة كل الأماكن، ومنها أنطلق إلى بقية الدول الأوروبية.

أذكر أنني والعائلة تناولنا الغداء وتشاورنا على المكان الذي سنذهب إليه، فقلت لهم سنذهب إلى إيطاليا، وبالفعل تجولنا في شوارع روما ثم عدنا إلى سويسرا في نفس اليوم، أما فرنسا فيعجبني فيها الريف، هناك تشعر بمتعة تفوق شوارع باريس والشانزلزيه وبرج إيفل وغير ذلك مما يبهر السائحين في فرنسا، وزرت أيضا بريطانيا وهي البلد الوحيد الذي لم يجذبني فيه شيئا يذكر، فكل مارأيته كان عاديا بالنسبة لي ولم يولد عندي الدهشة.

من سويسرا زرت ألمانيا وهولندا والنمسا، وأحرص على هذه الجولة الأوروبية كل ثلاث سنوات.

في سفراتي أحرص على وجود الكاميرا معي، وعندما أسافر مع العائلة نأخذ معنا الأسماك المجففة وأواني الطهي والحلويات للأولاد لأنهم يطلبونها باستمرار، أشتري الهدايا التذكارية من البلدان التي أزورها، كما أتسوق إن وجدت شيئا يستحق الشراء، أسبانيا لها خصوصيتها عندي وجزر الكناري لم أزرها وأود الذهاب إليها وهي بالتأكيد وجهتي التالية.

قصر الحمراء

سمي بهذا الاسم لأنه بني على أرض حمراء وتم تشييده عام 1234 على قمة تل فوق نهر »دارو«، واستخدم في البداية كحصن للأغراض الدفاعية ثم استخدم كمصيف للملوك والأمراء، ويحتوي القصر على حدائق ساحرة ونوافير مياه وبالطبع ساحة الأسود الشهيرة.

عز الدين الأسواني