رغم التغييرات التي شهدتها دبي على مر السنوات الماضية، إلا أنه ما زال يحتفظ في ذاكرته بشكل سوق الذهب القديم، حيث تعلم أصول التجارة، فما زالت طرقات تلك المنطقة تحمل له في طياتها ذكريات جميلة، ورغم السنوات إلا أن ذاكرته ما زالت تزخر بعديد الأسماء التي كانت نجوماً وما زالت في تجارة الذهب، إنه توحيد عبدالله المدير التنفيذي لمجموعة داماس، المدير التنفيذي لمجموعة الذهب والمجوهرات في دبي، الذي نال العام الماضي لقب «رجل أعمال العام» خلال حفل توزيع جوائز «أريبيان بزنس» الذي أقيم في قصر الإمارات بأبوظبي.
توحيد عبدالله صاحب شخصية لا يمكن وصفها بكلمات صغيرة لأنها تخجل أمام يده البيضاء التي امتدت لتطال الجميع، ورغم كل ما فيه من نجاح إلا أن التواضع كان سمته الغالبة، فهو يعتبر العاملين معه شركاءه في النجاح والتقدم، وانه استطاع تحقيق كل هذا بفضل تعاونهم والحب الذي جمعه مع أخويه توفيق وتمجيد. ويكشف هذا الحوار عن عمق تجربته في هذا القطاع، حيث يبدأ حديثه بالقول: «ارتبطت صناعة المجوهرات منذ القدم بالصائغ نفسه، فهو يبيع ما تنتج يداه من تصاميم مختلفة، وكان الصائغ يرفع رأسماله ويدعم تجارته هذه من خلال الأرباح التي يجنيها، ولذلك تعتبر صناعة المجوهرات مهنة عريقة، وتتطلب قدراً عالياً من الأمانة والصدق والتواضع والقناعة والصبر، والنفس الطويل لأنها كانت تعتمد في البيع على المواسم».
بداية الحكاية... يعود توحيد بشريط ذكرياته إلى عقد الستينات وما قبلها ليروي لنا قصته مع المعدن الأصفر، فيقول: بدأت العمل مع والدي في عقد السبعينات أثناء دراستي في ثانوية دبي، وبعد تخرجي منها تفرغت تماماً للعمل معه، فقد كنت أعشق هذه المهنة كثيراً بشقها التجاري، بينما كان أخي الأكبر توفيق يعشق صناعتها، وأخي الأصغر تمجيد يعشق تصميمها، فنحن جميعاً ننتمي إلى عائلة بسيطة ومحافظة، امتهنت صناعة المجوهرات منذ القدم، فجدي كان صائغاً وورث المهنة عن أهله الذين كانوا يعملون في الفضيات، وأبي ورثها عنه وسافر إلى دبي في العام 1942 وفتح محلاً تجارياً له في سوق الذهب، وهو يعتبر حالياً المحل الرئيسي لنا، وقد حمل اسم «محمد طاهر وأولاده» التي تعود بتاريخها إلى العام 1907. في تلك الفترة كانت صناعة الذهب محلية ولم يكن هناك استيراد من الخارج، وكانت معظم أفكار التصاميم مستوحاة من عمان والهند.
لم يكن عدد محلات المجوهرات في سوق الذهب خلال عقد الستينات يتجاوز 25 محلاً، وفي الشارقة نحو 15 محلاً تقع معظمها في سوق العرصة القريب من شارع الميناء حالياً، وفي أبوظبي سبع محلات تقع في السوق المركزي القديم، وفي العين محل واحد، ورأس الخيمة اثنان، لم يكن يوجد في عجمان والفجيرة وأم القيوين محلات للمجوهرات، وكانوا يقصدون سوق دبي للشراء، ولم يكن التيار الكهربائي يصل بشكل مستمر إلى هذه المنطقة، كما لم تكن المحلات مكيفة كما هو الحال اليوم، وأذكر أن والدي أدخل المكيف إلى المحل الرئيسي في العام 1966، بالمقابل لم يكن عدد تجار الذهب العرب في الفترة ذاتها كبيراً فإلى جانب أبي، كان هناك تاجر بحريني، والحاج غلوم الصايغ، وبدر حسين، والحاج حسن الفردان، أما الآخرون فكان جلهم من الجالية الهندية.
انتعاش تجارة الذهب
افتتاح مطار دبي في العام 1960 زاد من نشاط تجارة الذهب، حيث فتح المجال أمام التجار للسفر إلى الهند والبحرين ولبنان والكويت، وهذا شجع على فتح المزيد من محلات الذهب في دبي ليصل عددها إلى أكثر من 50 محلاً، كما ساعد قيام البلدية برصف شارع «سكة الخيل» المؤدي إلى سوق العرصة الذي يضم سوق التوابل، وسوق الذهب، وبندر طالب، على ازدهار تجارة الذهب في هذه المنطقة.
ومع بداية السبعينات أخذ التجار يتجهون إلى الأسواق العالمية وتحديداً إيطاليا، هونغ كونغ، تايلند، الصين، والهند، وهذا جعل من دبي عاصمة للذهب بعد أن كانت الكويت التي ورثتها عن لبنان بسبب اندلاع الحرب الأهلية فيها، وبدأنا باستيراد الذهب من الأسواق العالمية إلى جانب الساعات السويسرية واليابانية.
كما بدأت العديد من الوكالات المعروفة سواء في السيارات أو المجوهرات أو الساعات أو الكهربائيات وغيرها بفتح مقرات لها في دبي، وهذا الخروج ساعدنا بالتحول إلى تجارة الجملة التي لم تكن موجودة بكثرة في دبي، وفي العام 1972 قمنا بفتح مكتب خاص لتجارة الجملة إلى جانب المحل الرئيسي، وقد شكل هذا قفزة مهمة لنا، وساعدنا في فتح فروع جديدة إلى جانب فرع الشارقة الذي تم افتتاحه عام 1967.
ومع حلول عام 1974 افتتحنا أول فرع لنا في دبي وكان بالقرب من المحل الرئيسي في سوق الذهب، وكذلك قمنا بافتتاح فرعنا في أبوظبي بمنطقة السوق المركزي، وكانت مبيعاته تعادل ثلاثة أرباع مبيعات محلاتنا في دبي وذلك نظراً للإقبال العالي عليه.
وأذكر في فترة الستينات أن غرام الذهب كان يساوي خمس روبيات، وكانت تكلفته تتراوح ما بين 50,2 - 3 روبيات، وكان سعر أونصة الذهب ما بين 26 - 72 دولاراً، وارتفع سعرها مع بداية السبعينات ليتراوح ما بين 80 ـ 90 دولاراً، وعندما أعلن الرئيس الأميركي نيكسون عن فك الدولار بالذهب ارتفع سعر الأونصة إلى 120 دولاراً، ووصل إلى 150 دولاراً في العام 1979.
في تلك الفترة كانت مبيعاتنا من الذهب لا تزال تعتمد على المواسم مثل الأعياد وشهر رمضان والحج والصيف والشتاء، وكان ذلك يمثل ما يقارب 25% من مجمل مبيعات العام، وقد شجع قيام الاتحاد، وانتعاش تجارة الذهب في دبي وانفتاحها على العالم على تحويلها إلى يومية، وأذكر أن مبيعاتنا كانت تصل إلى 15 ألفاً يومياً، وأن راتب الموظف في هذه المهنة كان يتراوح ما بين 150 - 002 ريال شهرياً، وكانت دبي في تلك الفترة تتداول بالريال القطري، وأبوظبي بالدينار البحريني.
في فترة الثمانينات شهد قطاع التجارة طفرة كبيرة، وقد ساعد في ذلك ظهور البنايات في كل مكان من دبي، خاصة على شارع الخور الذي لم يكن فيه أكثر من أربع بنايات أشهرها بناية الدرويش والمكتبة العامة، وقد أنشأت في تلك الفترة بناية الشيخة لطيفة، وبناية الشيخ أحمد، وبناية الشيخ راشد، أما بالنسبة لمنطقة سوق الذهب فقد تحولت إلى سوق تجاري كبير واضح المعالم.
وكانت البلدية حريصة على ترميم وتوسيع الشوارع المؤدية إليه لمواكبة التطور، ووصل عدد فروعنا في سوق الذهب إلى عشرة، بعد ذلك بدأنا بالتوسع خارج هذه المنطقة ليصل عدد فروعنا حول العالم إلى 500 فرع أولها كان في قطر.
داماس الشيء الثمين
قد يكون اسم داماس من أكثر الأسماء انتشاراً في هذا القطاع، فما دلاله هذا الاسم، وكيف جاء؟ حول ذلك يقول: «بعد خروجنا إلى الأسواق العالمية بدأنا نلاحظ وجود أسماء تجارية لا علاقة لها باسم عائلة معينة، ولذلك ارتأينا تحويل اسم الشركة العائلي إلى آخر تجاري بحيث يتلاءم والتطور العالمي.
وفي عام 1972 طلبنا من إحدى الشركات الفرنسية اقتراح اسم تجاري يدل في معناه على الذهب والألماس، فكان الاقتراح «داماس»، الذي جمع ما بين الاسم العربي واللاتيني، وهو يعني الشيء الثمين والغالي، إلا أن هذا التغيير لم يقنع الوالد الذي أصر على الاسم القديم، وطلب منا عدم وضعه على واجهة المحل الرئيسي الذي بقي يحمل الاسم القديم «محمد طاهر وأولاده» حتى عام 1985، وقمنا بتغييره بعد أن أقر الوالد بالاسم التجاري «داماس».
دبي عاصمة للذهب
لقد منحتنا حكومة دبي راحة نفسية كبيرة، بإنشائها لمركز دبي للسلع والمعادن في العام 1999، حيث فتحت أمامنا المجال للوصول إلى العالمية، وهو يعد من أهم الخطوات التي اتخذتها الحكومة لتدعيم مركز دبي الإقليمي في المنطقة في صناعة واستيراد وتصدير الذهب، واستطاعت دبي من خلال إنشائها لبورصة الذهب أن تحاكي العالم أجمع، وأن تقود دبي إلى العالمية لتصبح حالياً مقياساً لتجارة المجوهرات العالمية.
من جهة أخرى، سلط توحيد عبدالله الضوء على مجموعة الذهب والمجوهرات التي أسست في العام 1996 بدعم من الدائرة الاقتصادية بدبي، ومباركة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وعدد من الشخصيات وتجار الذهب في دبي، فيقول: «تعتبر هذه المجموعة التي ترأسها أخي توفيق منذ إنشائها في العام 1996 وحتى 2001 واستلمتها من بعده، أكبر مجموعة تجارية غير ربحية على مستوى الإمارات.
حيث تضم في عضويتها نحو 1000 تاجر وشركة، هدفها دعم صناعة المجوهرات في دبي، وتوفير معلومات صحيحة حولها، وإقامة المعارض والمؤتمرات العالمية، وإجراء الدراسات والبحوث، وحل الإشكاليات ما بين الأعضاء إلى جانب التسويق، والتدريب المهني.
وقد وجدنا إقبالاً شديداً عليها لأن السوق قائم على المنافسة، وبالتالي أصبح التاجر مجبراً على تأهيل نفسه وموظفيه ليتمكن من الالتحاق بالركب. كما استطاعت المجموعة خلال السنوات الماضية أن توحد كلمة تجار الذهب، وأن تدعم العديد من المشاريع الكبيرة التي تهدف إلى زيادة نشاط هذا القطاع، حيث تصل ميزانيتها السنوية إلى نحو 25 مليون درهم.
وتمتاز مجموعة داماس بعطائها اللامحدود، وقد أشار توحيد إلى هذا الجانب، حيث قال: «نحرص في داماس على تخصيص 5% من أرباحنا لدعم المشاريع الاجتماعية والخيرية، لأننا نؤمن بأن الاقتصاد يجب أن يوجه لخدمة المجتمع، ولذلك قمنا في عام 2004 بإنشاء إدارة الرعاية الاجتماعية والثقافية لتؤازر المؤسسات الاجتماعية والثقافية والتربوية الموجودة في الإمارات».
غسان خروب



