عندما وصف صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، في مقاله المنشور في صحيفة «وول ستريت جورنال» يوم السبت المنصرم تحت عنوان «طموحاتنا للشرق الأوسط»، مدينة دبي بأنها «ضخمة لا مثيل لها خرجت في قلب الصحراء العربية»، فقد أصاب عين الصواب بتعبيره، إذ إن مدينة دبي «ضخمة» باقتصادها القوي، ورؤيتها النافذة، وشبكة من العلاقات والصلات مع حضارات وثقافات مختلفة.
دبي ليست مدينة ضخمة بالمعنى الحرفي للكلمة، بل هي ضخمة بقدرتها على إحداث التغيير الإيجابي على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، وبقدرتها المتفردة ـ كما يحلو للبعض الوصف ـ لإنجاح أية تجربة تخوضها، وبكونها أنموذجا فريدا من نوعه، لم يقم على استنساخ تجارب أخرى ناجحة، قد لا تخدمها بالضرورة، كون الظروف المحيطة مختلفة، بل قام على تسخير الظروف المحيطة لصالحه، وتكوين نموذج جديد متفرد يوصلها إلى مبتغاها وبفترة قياسية.
دبي المدينة القائمة على الحنكة والذكاء، أدركت منذ عهد الشيخ راشد رحمه الله أن الاقتصاد القوي هو السبيل للاستقرار الاجتماعي، فسخرت ما تملك من إمكانات لخدمة ذلك الهدف، واستطاعت بعد نجاحها وتكوين اقتصاد ثابت الأصل أن تمد يدها وتخدم اقتصادات أخرى إيمانا منها بقدرة المساعدات على قدر من الاستقرار الاجتماعي لمجتمعات قد تعصف الأفكار المتطرفة بشبابها.
تسعى دبي بالإضافة إلى «التعلم من أخطائها» إلى نشر صورة مغايرة عن العرب لدى الغرب، عن طريق كونها «أداة وعامل تغيير» للفكر الغربي النمطي عن العرب. فما حدث لموانئ دبي في الولايات المتحدة العام الماضى لا شك أنه ـ وبالرغم من عدم اكتمال الصفقة على النحو الذي تمنته دبي ـ أدى إلى ما هو أهم من ذلك، كإثارة تساؤلات لدى رجل الشارع الغربي أدت إلى الاستقصاء والبحث عن أجوبة غيرت تفكيره النمطي، وأكسبته حقائق كان يجهلها وكانت مغيبة عنه عن حقيقتنا كعرب.
تتمنى دبي اليوم أن تستطيع تصدير رؤيتها إلى منطقة الشرق الأوسط للتوظيف الإيجابي لعقول الشباب على النحو الذي تم توظيفها في دبي، سعيا نحو التطور الاقتصادي وتشغيلا للعقول الشابة في أمور إيجابية تعود بالنفع عليها وعلى الأمة.
وإيمانا منها بأن التعليم وفرص العمل ركيزتان لعالم أكثر أمنا، تسعى دبي إلى توفير تلك الركيزتين ضمن حدودها بل وخارج حدودها.
فحملة دبي العطاء كانت موجهة لدعم التعليم في العالم، أما فرص العمل فبالإضافة إلى كونها توفرها في عقر الدار، فاستثماراتها في مختلف بقاع العالم ضمنت فرص عمل للكثير من شباب العالم الذي ربما تسلل اليأس إلى قلبه واتخذ في لحظات الغضب قرارات للانخراط في جماعات متطرفة منشؤها الإحساس بالانتقام من الواقع.
دبي تريد، ونحن نريد. أما ما تريد دبي فقد ذكرصاحب السمو الشيخ محمد ذلك في نهاية مقاله. أما ما نريد نحن، فهو أن تستمر دبي على النهج الذي رسمته، وأن لا تقنط من محاولات البعض لكسر ثقتها بنفسها، وأن تتجاهل السلبيات التي تروج عنها فهي لن تصيب إلا مروجيها في النهاية كونها تدل على هويتهم، وأن تستخدم الإيجابيات لإعطاء الدفعة القوية لمحركها الذي نود له الاستمرار بقوة أكبر كل يوم جديد. ومعك يا دبي نحرث البحر.
