يدعو على الدوام إلى حب الحياة من خلال المحاضرات التي يلقيها في مختلف المحافل سواء الأكاديمية أو الطبية، والإصابة جعلته في تحفز دائم لتحقيق الأهداف التي طالما حلم بها. أنه سندباد أو ابن بطوطة الامارات الذي كان احد المتحدثين من ذوي الاحتياجات الخاصة في مؤتمرهم الطبي.
لاستعراض تاريخ إصابتهم، وتجاربهم مع الإصابة التي ألزمتهم الكرسي المتحرك طوال حياتهم، وإن كان البعض يبدي ألمه وحزنه من هذا الوضع الذي أراده الله، إلا أن الرحالة مسلم سالم القبيسي كان له رأي مغاير .. حيث يرى أن الكرسي هو الذي دفعه إلى النجاح وحب الحياة والإصرار على تحقيق الذات والاعتماد على النفس في الكثير من نواحي حياته.
عندما كان القبيسي يتحدث عن تجربته، وقف الحضور يصفقون له بحرارة وخاصة عندما أكد أنه لم يكن يوما آسفا على ما حصل له لأن الإنسان إذا ما أخذ منه أي شيء عوضه الله في نواح أخرى، وهي كثيرة وأهمها إصراره على النجاح، والإيمان بالله، والقناعة بأن الكرسي لا يمكن أن يحد من إمكانياته طالما أن لديه العقل الذي يفكر به والقلب العامر بالإيمان وحب الله والوطن.
أخذ ابن الإمارات الرحالة مسلم سالم القبيسي يروي قصة إصابته واغترابه عن وطنه لـ (البيان) قائلاً: أصبت في العمود الفقري وعمري ست سنوات، عندما دهسني سائق وأنا أعبر الطريق، وفر هارباً وظل مجهولاً حتى اليوم، الإصابة جعلتني جليس الكرسي المتحرك، أتنقل به من بلد إلى آخر، ولطول الفترة التي عشتها خارج الوطن بهدف العلاج أو التعليم اسماني العديد من الإعلاميين بسندباد الإمارات وابن بطوطة الامارات.
وأضاف مسلم القبيسي: لم أفكر كثيرا ولم أشغل نفسي أو أضيع وقتي لمعرفة من تسبب في الحادث الذي وقع في أبوظبي، تركت الأمر لله وحده، وانشغلت بكيف أعيش حياتي وأنا على كرسي متحرك يلازمني منذ صغري، من سيهتم بي بعد وفاة أبي وأمي، فنحن نؤمن بقضاء الله وقدره وأن الحياة فانية، لذلك كان لابد من الاستعداد لليوم الذي سأواجه فيه الحياة بمفردي.
ويروي مسلم قصته مع الإصابة وكيف حقق ذاته على الرغم من المعوقات الكثيرة التي واجهته، وهو ما يجعله يتمنى دائماً أن يرى كل ذوي الاحتياجات الخاصة يتمتعون بفكر مختلف عن السائد حالياً والذي يجعلهم متقوقعين ومصابين بالإحباط واليأس، لأمر لا ذنب لهم فيه وإنما لقضاء الله وقدره، الذي لابد وأن نرضى به بإيمان خالص، لان الحياة مستمرة إلى أن يشاء الله.
وقع الحادث العام 1979 ونقل إلى المستشفى المركزي، بعد أن فر المتسبب. يقول مسلم: أصبت بضغط على النخاع الشوكي، وكانت الإمكانات الطبية بسيطة في ذلك الوقت ما يعني تعدي المضاعفات من إصابة بشلل نصفي إلى فقدان الحركة، أرسلت إلى مصر لإجراء جراحة لإزالة الضغط عن النخاع الشكوي في مستشفى العجوزة واستغرق العلاج ستة شهور.
وبعد العودة وضعت في مستشفى الجزيرة قرابة العام بسبب مضاعفات صحية منعتني من العودة إلى منزلي، إلى جانب ضعف الوعي الصحي لدى الأسرة وعجزهم عن تقديم الرعاية المناسبة. بقيت بالمستشفى حتى استقرت حالتي وطلبت من عائلتي ضرورة اصطحابي إلى المنزل،
ولكن بعد فترة قصيرة أخذت حالتي الصحية تسوء وتم نقلي إلى مستشفى توام لوجود اختصاصي في إصابات العمود الفقري، لكنه بعد ثلاثة أشهر أقترح نقلي إلى القاهرة لإكمال العلاج. ويستطرد: أرسلت مرة أخرى لتلقي العلاج في مصر على نفقة الدولة، وبعد عام من علاجي توطدت علاقتي بالفريق الطبي في المستشفى،
وكانت مصادفة اكتشاف مدير المستشفى أنني أتحدث الانجليزية بطلاقة والتي اكتسبتها من اقامتي الطويلة بالمستشفيات، وساعدني في ذلك صغر سني حيث القابلية للتعلم سريعة، فأرسل للمكتب الطبي بالقاهرة يقترح عليهم إرسالي إلى المدرسة لتحصيل العلم طالما أن العلاج قد يمتد إلى فترة طويلة.
ويضيف: التحقت بالصف الأول وكنت بعد نهاية الدراسة أعود إلى المستشفى الذي كان بمثابة بيتي وعائلتي. بقيت هناك قرابة خمس سنوات حصلت خلالها على شهادة الصف الخامس الابتدائي، وخلال إقامتي في مصر كنت اشعر بشوق جارف لبلادي وعائلتي، وخاصة أخي، المرحوم خالد القبيسي، الذي كنت أكن له حبا جارفا،
وقد توفاه الله في حادث سير أليم وقع لأسرتي وأنا في القاهرة ولم أعلم بالخبر، الذي صعقني، إلا بعد العودة للإمارات. ويتذكر مسلم: خلال سنوات مصر، كنت عندما أضع رأسي على وسادتي استعرض شريط الذكريات، الذي كان طويلاً على الرغم من أنه لا يتجاوز أفراد أسرتي، وهو ما كان يدفعني للعودة في أقرب فرصة ممكنه، وكنت أطلب من أمي دائماً أن تعيدني لبلادي، حتى صدقت الوعد بإصرارها على عودتي إلى منزل الأسرة.
بالطبع كان الله في عون والدي ووالدتي حينها، بعد أن خصص لهما القدر جملة من الألم تفوق قدرة البشر. ظلا صابرين راضخين لإرادة المولى وكانا مثلاً يقتدى به في الصبر على إرادة الله سبحانه وتعالى حتى رضينا بما كتب الله لنا وحمدناه وشكرناه وسنظل حتى يتوفانا.
ويقول مسلم: بعد عودتي اضطرت الأسرة لإرسالي إلى مستشفى توام لوجود اختصاصيين، وكان ضرورياً السكن في العين لأكون قريباً من المستشفى، وخاصة لوجود الرعاية المنزلية التي يوفرها المستشفى آنذاك لأهالي مدينة العين،
وبقيت في العين عامين وحيدا، أعاني من الوحدة التي لازمتني سنوات طويلة حتى أصبحت تربطني بها علاقة وثيقة، لا سيما وأن إخواني يدرسون في أبوظبي، وبعد تحسن حالتي الصحية، عدت إلى أبوظبي في العام 1989 أي بعد عشر سنوات غربة وألم ووحدة وشوق وحنين.
ويستطرد: رغم صغر سني كنت أنضج فكريا، أفكر في وضعي الصحي، وأنظر إلى الكرسي الذي سيكون رفيق عمري، استرجع الذكريات، وأتساءل ماذا لو توفيت أمي ووالدي، بالطبع لن يتمكن اخوتي من رعايتي، لا سيما وسيكون لكل واحد منهم أسرة واهتمامات تشغله،
فهذه سنة الحياة شئنا أم أبينا، وهو ما حدث، إذ تزوجوا وأصبح لكل منهم حياته الخاصة، أسرة وبيت وأطفال يستحوذون على اهتماماتهم، أما والدي أطال الله في عمرهما فأصبحا بحاجة إلى الرعاية لكبر سنهما، من هذا المصير بدأت الانطلاقة، أكون أو لا أكون.
فكرت في مصيري وتحديت المستقبل الغامض، متسلحاً بقوة الإيمان التي اكتسبتها من الأحداث التي مرت بحياتي وقوله سبحانه وتعالى (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) ومن هنا بدأت مرحلة الاعتماد على الذات.
يقول مسلم القبيسي: عندما بلغت 16 سنة تقدمت بطلب للعلاج إلى ديوان صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان حفظه الله، وتمت الموافقة وأرسلت إلى بريطانيا، وكانت الرحلة فرصة لتقوية لغتي الانجليزية وتحسين حالتي الصحية بشكل جذري.
كانت بريطانيا بوابة الانطلاقة نحو المستقبل، وبعد ستة أشهر عدت إلى الوطن وتقدمت لامتحان تحديد مستوى بمنطقة أبوظبي التعليمية، وحصلت على شهادة الإعدادية، والتحقت بمدرسة الإمام البخاري الثانوية بمنطقة بني ياس، واستطعت بحمد الله بالإصرار والرغبة الصادقة الوصول إلى مستوى علمي متقدم والحصول على شهادة الثانوية، التي كانت طريقي للحصول على منحة للدراسة بالخارج.
ويضيف: بعد موافقة جهاز أبوظبي للاستثمار على إرسالي إلى بريطانيا لمواصلة تعليمي، التحقت بكلية هيرويد البريطانية، والحمد لله حالفني التوفيق، ولن أنسى ما حييت المواقف العظيمة من منتسبي المكتب التعليمي في بريطانيا، وما قدموه لي من دعم كبير.
كنت عضواً في إتحاد طلبة الامارات في المملكة المتحدة والجمهورية الايرلندية، وكان دوري يقتصر على الأنشطة الطلابية، وتنظيم الحفلات والتجمعات خلال شهر رمضان المبارك والأعياد الإسلامية والوطنية،
وتم ترشيحي لتولي منصب نائب رئيس الاتحاد، وبفضل الله استطعت التوفيق بين دراستي وأنشطتي، وحظيت بتقدير وحب عيسى القرق سفير دولة الامارات في بريطانيا، والطلاب والعاملين في سفارتنا، وذلك حتى العام 2004 عندما حصلت على شهادتي إدارة الأعمال وتكنولوجيا المعلومات.
وفي العام 2004، عدت إلى الإمارات، وداومت في عدة مؤسسات حكومية، بالإضافة إلى إلقاء المحاضرات التي أركز خلالها على تجربتي مع الإصابة، للتأكيد على أن الحياة لا تتوقف إذا أصيب الإنسان بحادث سير
أو غيره من الحوادث التي تجبره على ملازمة الكرسي، فأنا أعيش حالياً حياة مثالية، أتنقل بين ربوع بلادي وأشارك في الفعاليات المهتمة بذوي الاحتياجات الخاصة لعلي أكون مفيدا في هذا الجانب، وأبعث الأمل في نفوس الآخرين
سليم المستكا



