عاش أيام القحط والحرمان، أيام عزت فيها لقمة العيش، انتشر فيها المرض والجهل والتخلف، ورغم ذلك مازال يذكر تلك السنوات العجاف من عمره بالابتسامة والتحسر على أيام الطفولة والشباب، يلتف حوله الأبناء والأحفاد ليستمعوا إلى قصصه والتي تبدو إلى خيالاتهم كقصص ألف ليلة وليلة.

فالجد سالم بن محمد بن حمد الظاهري الذي يبلغ من العمر 80 سنة وقام بأداء مناسك الحج 22 مرة، يؤكد لنا دائما شعوره بأنه مازال شاب في العشرين من عمره، فهو مازال قوياً ويتمتع بذاكرة قوية، وصحة جيدة، ويحمد الله عز وجل يومياً على أنه انعم على شعب الإمارات بالخير والسعادة،

ويشعر بالفرح كلما شاهد تلك العمارات العملاقة والشوارع الجميلة والأسواق والمستشفيات والمدارس والجامعات، ويطالب أبناءه وأحفاده دائماً أن يتخذوا من القديم عظة، وبأن يحافظوا على تلك النعم الكثيرة التي منحها الله سبحانه وتعالى لهم وأن ينتهزوا الفرصة وينهلوا من العلم مهما كان صعبا، لأن العلم هو الذي يبقى ويرتقي بالبشر.

يعود بنا الجد إلى ذكرياته القديمة التي يذكرها بحنين محبب إلى من يستمع إليه، بل ويجعله شغوفا بكل الأحداث التي يتحدث عنها قائلا ، ولدت في مدينة العين، في حارة المربعة ثم انتقلنا فيما بعد إلى العيش في حارة الصاروج، والحقيقة أنني بلغت من العمر 80 عاماً لكن أشعر بأني في العشرين!!!،

فأنا مازلت شاباً أكثر من شباب هذا العصر الذين لم يشعروا بالتعب والمعاناة كما حدث لنا في الماضي، كل شيء موجود وميسر لهم دون عناء، لذلك نحن أفضل منهم لأننا لم نعش مثلهم ولم نولد في فمنا ملعقة من ذهب .

ويضيف: والدتي هي شيخة بنت خميس الظاهري، وكانت ربة بيت كما سائر النساء وقتها، يعملن في تربية المواشي والأبقار وجلب المياه من الفلاج والآبار والطبخ وأحياناً ترعى الأغنام وتحضر الأكل للأبقار.

أما الوالد فهو أيضاً كسائر الرجال لا توجد له حرفة بعينها، ففي الشتاء يذهب إلى الغوص، وفي الصيف يعمل بالزراعة وكان يحضر الحطب من البر ويقوم بمبادلته بالأرز أو القهوة ويأتي بها إلى البيت.

حياة صعبة

ويواصل الجد كنا نعيش حياة صعبة فعلا، وكان لابد أن نعيشها فلا خيار لنا، تحملنا أشياء كثيرة واعتدنا عليها من كثرة تكرارها، فمثلاً كانت البيوت عبارة عن خيم وعريش من سعف النخيل، وكانت متقاربة لدرجة ان الجار يسمع جاره،

فما كانت هناك خصوصية فالناس تشترك في كل شيء، ورغم أن ذلك يبدو مزعجاً الآن إلا أننا كنا نتعمد ذلك في الماضي، فوجودنا بجانب بعض يجعلنا نشعر بالأمان لعائلة واحدة ومتعاضدة، نشارك بعض أفراحنا وأتراحنا، وإذا حدث مكروه لأحدنا يهب الجميع لنجدته .

وكان الطقس شديد البرودة في الشتاء، وحين تزداد البرودة و يصبح الجو قارسا يقوم الناس بعمل لباس من الشعر او الخيش لتبطين الخيم وسد المنافذ ليمنعوا دخول البرد، كذلك حين يهطل المطر او يبدو غزيرا يتأثر الناس من جراء جريان الأمطار،

فالمياه تشبه السيول الجارفة القوية التي تأخذ ما يأتي في طريقها وتقذف به بعيدا، وكانت الناس تفقد أشياءها الثمينة واحيانا يفقدون أطفالهم، فهناك قصص كثيرة مأساوية!! بسبب الأمطار الشديدة والسيول الجارفة.

ويقول: كنا نحن أهل العين أسعد وأوفر حظا من باقي الإمارات، حيث حبانا الله سبحانه وتعالى بأفلاج وعيون نقية نشرب منها المياه، فكان الناس يشربون الماء من الأفلاج عادة كفلج الصاروج، وتذهب النساء لتحضر الماء على رؤوسهن بواسطة «البيايب» وأحيانا يشترون الماء من «الهاوية» وهو بائع الماء وعادة ما يكون على حماره يتجول بين البيوت .

أما طعامنا فكان جيدا لابأس به وذلك لاننا أخذنا مهنة «القصاصيب»، فكنا نعتمد على اللحوم واحيانا نعمل الأرز ويسمى: «قردة» ويعملن النساء المالح والدهن و«الجامي» والخبز الرقاق المغموس باللبن.

وكان المغفور له الشيخ زايد يطوف على الفريج يتفقد الناس فكان رحمه الله يعجبه طعام الوالدة خبز الرقاق بالدهن واللبن!!، فقد كان متواضعا يحب الناس ويستمع إلى مشاكلهم ويلبي احتياجاتهم ويعرفنا جميعا بالاسم، وقد أحبه الناس بشكل يفوق الوصف.

أما السوق لم يكن بمعنى السوق الذي قد يتبادر إلى الأذهان، وإنما بعض أناس يفترشون الأرض، ثم تطور وأصبح يسمى «الجبرة» وكان يباع فيه القهوة وسمك المالح من «العوال والعومة والجاشع»، والتمر والبهارات والشعير، وحين يهطل المطر كانوا يبيعون الحميض والآرطا ومن ثم تطور وكبر وتنوعت البضاعة المتواجدة فيه وأصبح يباع فيه شتى الخضروات فيما بعد .

وكنا نعمل في السوق نبيع اللحوم وكان لدي محل بجانب أخي عبيد وابن خالتي أبن خضير وكان أكثر البيع بواسطة الدين لان الناس وقتها لم تكن تملك المال، وكانوا يسددون فيما بعد، وكنا نستفيد بكل شيء في متناول «يدنا»، فما يتبقى من اللحوم نبيعه لطيور الشيوخ، اما الجلود فكانت تجفف وتباع للتجار المتخصصين.

البنت لابن عمها

ويواصل الجد سالم حديثه عن الزواج قائلا كان الزواج بين الأهل، ونادراً ما تتزوج الفتاة من عائلة أخرى، فالبنت لابن عمها، ولا يجوز لها أن تتزوج سواه، وهذا يتم دون أخذ رأي الفتى أو الفتاة، فالأهل هم الذين يقررون ذلك،

وكانت الخاطبة تلعب دورا مهما في تزويج الناس وقتها، وهي امرأة تقدم للعريس مواصفات عن البنات، ويستطيع اختيار من تناسبه، وعادة كان المجتمع محدودا والناس على معرفة تامة ببعض!، فلم تكن لدينا مشاكل كثيرة في موضوع كيفية اختيار الزوجة.

وكان الفرح وقتها بسيطاً في كل شيء، وكانت الناس تسعد به، فأحيانا ذبيحة واحدة تكفي للضيوف، فالتبذير لم نعرفه في ذاك الوقت لأن كل شيء له ثمن، كذلك كان عدد الناس قليلا، وليس كوقتنا الحاضر يقومون بدعوة الأهل والأصدقاء والجيران وزملاء العريس والعروس في العمل فيتكلفون مبالغ طائلة.

وكان العريس يلبس «كندورة» بيضاء أما العروس فترتدي ثوبا ممزوجاً بلون «النيل والورس» وشيلة هندية، وبعد ما يخرج العريس كان يعرف بثوبه الملطخ «بالنيل والورس» ومن مظاهر الزواج «الذهبة» وهي عبارة عن كل ما يقدمه العريس للعروس من ملابس وذهب ويتم عرض ذلك ثاني يوم العرس، وتقوم امرأة متخصصة بعرضه وحصره أمام الحضور.

وتذهب العروس إلى بيتها الجديد على ناقة! وفي حفل العرس يقدمون رقصة «العيالة» أو «الدان» وهي عبارة عن رقصة تجمع النساء والرجال معا ابتهاجاً بالفرح. أما المهر فيأخذ العريس سنوات في جمعه من اجل العرس، وعادة ما يعطي مهراً 15 روبية، أما المؤخر فكان نخلاً أو ناقة ويكلف الزواج 40 روبية.

رمضان والأعياد

ويتذكر الجد سالم شهر رمضان المبارك فيقول: لم تكن هناك موائد وكان رمضان بسيطاً وما يتبقى من السحور يترك لإطعام الأطفال. وفي الأعياد كانت مظاهر الفرح تتجلى أكثر وإن كانت بسيطة، إما نرتدي الملابس نفسها واحيانا تصبغ النساء أثوابهن بلون اخر وكن يتزين

ويقدمن لأهل البيت والضيوف القهوة والتمر، وبعد ذلك صرنا نقدم للضيوف « أيضا الثريد»، أما الأولاد فيلعبون ويبتهجون ويرقصون رقصات تراثية ويقومون بواجب الضيافة إذا كان والدهم خارج البيت أو بعيداً عنه.

ويشير الجد سالم إلى أن التعليم لم يكن منتشرا على أيامه، لكن كان الجميع يرسلون أولادهم وبناتهم ليحفظوا القرآن، فقد تعلم عند المطاوعة حفظ القرآن الكريم، وعمل قصابا وهي مهنة الأهل، وعندما لم يكن العمل متوفرا ذهب إلى قطر،

ولما لم يعجبه الحال عاد ثانية إلى العين، إلا أنه يؤكد أن كثيرين ممن سافروا معه عاشوا واستقروا هناك إلى أن توفاهم الله، كذلك هاجر البعض إلى السعودية لكنه مع أهله عاشوا متنقلين بين العين وأبوظبي.

أطباء شعبيون ولكن؟

ويقول الجد سالم لم تكن هناك مستشفيات وكان الناس بعد الله سبحانه وتعالى يعتمدون على المختصين في الطب الشعبي وهؤلاء لم تكن لديهم شهادات، فكان أحدهم مختصاً في الكي والآخر مختصاً في التدليك أو المساج، وهناك من يعالج بالأعشاب وهكذا، أما المزينة فهي المرأة المتخصصة في علاج النساء والأطفال،

أما الأمراض المستعصية فكان من الصعب علاجها على يد هؤلاء البسطاء والذين يعالجون بطريقة بدائية وبسيطة. وينتقل الجد سالم ليقص لنا عن وسائل السفر قديما فيقول لم تكن متاحة كما هي الآن، وكان التنقل صعبا،

كنا نسافر سعياً وراء الرزق، وهذا ما حدث حين ذهبت إلى قطر ولكن عدت سريعا إلى الإمارات، وكان السفر بين أبوظبي والعين يمتد إلى أسبوع على الجمال، وإذا ضاعت ناقة لا نعود حتى نبحث عنها ونحضرها، لأن ذلك يعني أننا سنتيه وسط الصحراء ونفقد طريق العودة أي الهلاك المحتوم.

الا أنه وبعد فترة بدأ التطور يدب في جميع أنحاء الدولة وأصبح السفر متاحاً فسافرت إلى الهند للعلاج ومن ثم إلى الحج ما يقارب 22 مرة عدا ذلك لم يحدث ان سافرت إلى بلدان بعيدة للفسحة والعلاج. ويضيف الجد أتذكر أنه لأول مرة نرى السيارات كان في بداية الأربعينات، وكان الناس تتجمع لرؤيتها فكانت بالنسبة لهم شيئا عجيبا،

وحسب علمي كان الشيخ سلطان بن شخبوط ومن ثم الشيخ زايد بن سلطان والشيخ خالد بن سلطان أول من أحضر السيارات إلى العين، أما الطائرات كانت الناس تندهش لرؤيتها والأطفال تفرح بها وهي محلقة في السماء وكانوا يبكون إذا ما فاتهم رؤية الطائرة وهي تحوم في السماء!!

وقال: لم يكن يوجد أيامنا راديو أو تلفزيون، وكان الناس يسمعون الأخبار من بعضهم البعض ،وكان هناك أناس مختصة تحضر لنا الأخبار بواسطة الرحلات القادمة إلى العين من خلال التبادل التجاري.

وعرفنا جهاز الراديو في بداية الستينات والتلفاز في بداية السبعينات، وعندما كانت النساء تستمع إلى الراديو أو تشاهد التلفزيون يقمن بتغطية وجوههن خجلا وذلك ظنا منهن أن أحدا غريبا يراهن .

ويختتم قائلا: الزمن الماضي كان بسيطا وغير مكلف والناس لا تكترث كثيرا بما عملت أو لم تعمل اكلت او لم تأكل والناس تساعد بعضها وتقف مع بعض أما الآن المال والتجارة غير مفاهيم كثيرة، أثر على الزواج وعلى الحياة الاجتماعية بشكل كبير ومع ذلك الحمد لله على كل شيء

إيمان قنديل