عندما حصل على درجات مرتفعة في الثانوية العامة والتي كان واحدا من متفوقيها، رفض منحة تؤهله لدراسة هندسة البترول في بريطانيا، وفضل عليها دراسة الطب في العراق، وكيف لا يختار تلك الكلية؟ خاصة وأن مهنة الطب تكمن في اللاوعي لديه حتى قبل أن يلتحق بالمدرسة الابتدائية.

فمنذ أن بدأت مداركه تعي الحياة كانت والدته تناديه ب(الدكتور)، ولوالدته يعود الفضل الأكبر في دفعه لتحصيل العلم والتفوق فيه منذ الصغر، وبسببها أيضا اختار التخصص في جراحة العظام. ومن أجل عيون الطب، وعلى مدى 36 عاما قضى الدكتور جواد حمود تويج استشاري طب وجراحة العظام في مستشفى دار الشفاء في أبوظبي عمره كطبيب وجراح وأستاذ لطلبة كلية الطب، ومشرفا على رسالاتهم العليا، وعاش عمره متنقلا بين الأبحاث والمؤتمرات العالمية يبحث عن أحدث ما توصل إليه العلم وأفضل الطرق التي تقود الأطباء إلى أمل يعيد البسمة لأصحاب الحالات الحرجة من مرضى العظام، فسعادته لا تعادلها فرحة وهو يرى هؤلاء المرضى استطاعوا ممارسة حياتهم بشكل طبيعي بعد أن أعيتهم وسائل العلاج ويئسوا من الشفاء، بدأ حياته كجراح بعملية لنعجة، وانتهى بأصعب العمليات البشرية للعظام، وحاليا يعد كتابا يمثل موسوعة علمية باللغة العربية يتناول تطور جراحة العظام عبر الأزمان والعصور.

ويعود الدكتور جواد حمود لأيام الطفولة وتحديدا عام 1954م قائلا: التحقت بالمدرسة في سن خمس سنوات، أي أصغر كثيرا من أقراني في ذاك الوقت، ذهبت إلى المدرسة وتعمدت والدتي أن أرتدي غترة وعقالا ذهبيا أتى به جدي هدية وهو عائد من الحج، وتعمدت والدتي أن أرتدي ذلك اللباس حتى أبدو كبيرا عن سني، فربما يقبلوني في الصف الأول الابتدائي، وشعرت وقتها بسعادة غامرة لأنني سأدرس في المدرسة وأواصل تعليمي إلى الجامعة كما كانت تردد أمي دائما على مسامعي، ولكن وعندما رآني مدير مدرسة النعمان الابتدائية في النجف ضحك، فلم تنطلي عليه لعبة أمي وعرف بنظرته الثاقبة أنني أصغر كثيرا عن باقي الأطفال، وقال لأهلي ساخرا لماذا لم تحضروا المهد معه، وعندما استمعت إلى كلامه بكيت بشدة، لأنني رغبت في دخول المدرسة التي حببتني فيها والدتي بشكل يفوق الوصف ومهدتني لدخولها منذ أن بدأت أعي معنى المدرسة.

تفوق طالب مستمع

تأثر مدير المدرسة من شدة بكائي ورفضي العودة ثانية إلى منزلي، ونزولا عند رغبتي قبلني بالصف الأول على أن أكون طالبا مستمعا، ووضعوني في مكان قصي في الصف وكأنني منبوذ بجوار الشباك، أتذكر أن المدرسة كانت مكتظة بالتلاميذ ولا يوجد بالصف أماكن خالية.

إلا أنني كنت جادا وذاكرت واجتهدت في دروسي إلى أن نجحت بتفوق وحصلت على المركز الأول مكرر، وحاز ابن مدير المدرسة على المركز الأول، عندها فقط وافق المدير على قبولي كطالب منتظم، وواصلت تعليمي الابتدائي وتخرجت من الصف الخامس ثم توالت مراحل التعليم الإعدادية والثانوية بتفوق، حتى التحقت بكلية الطب.

والحقيقة أن والدتي كانت وراء تفوقي الدائم لأنها كانت تحب العلم، كان من ضمن أمنياتها أن تكمل دراستها إلا أنها لم تستطع بسبب عدم الاهتمام بتعليم البنات وقتها، فوضعت كل طموحها في أبنائها، وكنت الابن البكر فاهتمت بي ووفرت لي المناخ المناسب للدراسة والتفوق، أتذكر في طفولتي كلما سرنا في شارع بعينه معروف عندنا بكثرة عيادات الأطباء، كانت تردد دائما أتمني أن أراك طبيبا كهؤلاء، وكنت أسير ممسكا بيدها وهي تحدثني عن حلمها بأن أصبح طبيبا مشهورا ولي عيادة في نفس الشارع.

وعندما حصلت على الثانوية العامة، نلت درجات علمية كبيرة أهلتني لدراسة هندسة النفط في بريطانيا إلا أنني فضلت دراسة الطب عن حب واقتناع، وعندما وزعوا علينا استمارة رغبات الالتحاق بالجامعة كان أمامي أربعة اختيارات يجب أن أملأها، فكتبت في الأربعة (كلية الطب)، نعم صممت فعلا على قراري بعد أن اقتنعت أن لدراسة الطب ثلاثة محاور ايجابية أولا فيها خدمة كبيرة للناس وللمرضى، وثانيا إرضاء لله سبحانه وتعالى، ثم إرضاء والداي اللذين رأيا أنه باستطاعتي تحمل تلك المسؤولية.

الأم مدرسة حقيقية

ويتابع الدكتور جواد حديثه قائلا: وحتى بعد دخولي كلية الطب ظلت والدتي تتابعني بشكل كبير، تزرع بداخلي الحماس وتشد من أزري، وبداخلها اقتناع تام بأنني طبيب موهوب وجراح متميز، حتى أنه حدث ذات يوم أن أصيبت إحدى أغنامنا في المنزل بانسداد في المصران، كاد يودي بحياتها.

فقالت لي والدتي لابد من أجراء جراحة لها لأزاله الجزء المسدود من الأمعاء، وبالفعل قمت بأجراء تلك العملية لتلك الغنمة التي كانت والدتي تحبها كثيرا لأنها شقراء جميلة، وفي ذلك الوقت تيقنت أن والدتي هي الأخرى ربما تمنت أن تكون يوما طبيبة لذلك ودون أن تدري حببتني في مهنة الطب.

والحمد لله أنني دخلت هذا المجال لأنه حقا يناسبني تماما وجدت فيه نفسي وحققت فيه الكثير من الانجازات، لم أفكر يوما في المال، أو أن تكون مهنة الطب سببا في التكسب والثراء السريع، وكان يكفيني أن أعيش بطريقة ملائمة معتدلة، وأشعر بسعادة تفوق الوصف عندما أستطيع بأمر الله سبحانه وتعالى أن أساهم في إنقاذ حياة مريض أو شفائه من المرض، خاصة هؤلاء الأطفال الذين يهمني في المقام الأول مساعدتهم ليستطيعوا مواجهة الحياة والمستقبل بسلام بعد إصابتهم بحوادث أو عيوب خلقية وغيرها قد تؤثر عليهم وتسبب لهم إعاقة أو تشوهات.

والحقيقة أن هدفي الأساسي هو مساعدة المريض على الشفاء من المرض، فالطب في المقام الأول هبة من الله سبحانه وتعالى.

ويتحدث الدكتور جواد حمود عن السبب الذي جعله يتخصص في جراحة العظام قائلا :أثناء دراستي في كلية الطب، وجدت تشجيعا من أحد أساتذتي الذي مازال على قيد الحياة، وهو أستاذ كبير في مهنة الطب، شجعني على التخصص في الجراحة بشكل عام لأنه وجد أنني أمتلك من المهارات ما يؤهلني لذلك، ثم وجدت تحفيزا من والدتي للتخصص في جراحة العظام، حيث كانت تعاني من بعض الآلام في المفاصل وكانت دائما تردد بأنني الطبيب الذي سيعالجها.

علاقة الجراحة بالفن

وأضاف: كذلك جاء حبي لجراحة العظام لما تحتويه من فن ودقة، خاصة وأنا أنتمي لعائلة جميع أفرادها يحبون الرسم والنحت والأعمال اليدوية، ولأنني أجيد الرسم قررت أن أكون جراحا للتجميل أو العظام لأن بها نسبة كبيرة من الفن خاصة جراحة المفاصل، ولكن بفضل والدتي تخصصت في جراحة العظام.

واصلت دراساتي العليا في انجلترا، وبدأت حياتي منذ أكثر من 36 سنة أجريت فيها آلاف العمليات الجراحية، وعملت في مهنة التدريس في كلية الطب، إلى أن وصلت إلى عمادة كلية الطب، وساهمت بعدد من البحوث المنشورة حول خلع المفصل الوركي، والتهاب العظام الحاد عند الأطفال، وأورام العظام الخبيثة، والالتهابات المبكرة بعد العمليات الجراحية، ومعالجه الكسور في أسفل عظام الفخذ عند البالغين، وحول إزاله الزليل جراحيا في معالجة روماتيزم المفاصل الرثوي لمفصل الركبة، وحول تأثيرات الشعيع بالليزارات والطاقة على التئام الكسور، وحول التحليل السريري والجرثومي لالتهاب العظام، والتهاب العظام لدى مرضى السكر، وحول تركيز الخارصين والنحاس والحديد والسلينيوم في مصل المرضي المصابين بنخر العظام، وبحث حول فاعلية 17 بيتا استرادبول في المرضى المصابين بنخر العظام.

ويعود الدكتور جواد بذاكرته لأول عملية أجراها في حياته وكانت لفتاة صغيرة تعاني من التهاب الزائدة الدودية، كان لا يزال طبيبا صغيرا في مستشفى اليرموك التعليمي، وحاول قدر استطاعته أن يكون الفتح صغيرا، إلا أنه وقبل الانتهاء من خياطة الجرح لاحظ بعض نزيف، وهذا أقلقه كثيرا على حياة المريضة التي جلس بجوارها طوال الليل يقيس لها الضغط والحرارة، ورغم أنه وجد حالتها مستقرة إلا أنه لم يتركها، وفي الصباح عندما أتى أستاذ الجراحة وسأله عن سبب تواجده بجوار المريضة فقص له ما حدث، فضحك أستاذه وقال لأنها أول جراحه لك في حياتك، وأخبره أنه أجرى الكثير من الجراحات ورأى أصعب مما رآه كثيرا، ومع الوقت يعتاد الطبيب.

وأوضح الدكتور جواد أنه يعد حاليا كتابا باللغة العربية عن جراحه العظام والكسور عبر الأزمان والعصور، وقد قسمه إلى مراحل من أيام الفراعنة والعصور السومرية والبابلية والعباسية وغيرها من العصور، مستفيدا من امتلاكه الكثير من المصادر والأبحاث والكتب والصور التي تساعد في هذا المجال خاصة وهذا الكتاب سيكون مثل الأطلس.

ويتحدث الدكتور جواد عن أصعب الحالات التي مرت به قائلا أنا ودون غرور من الأطباء الذين قاموا بأصعب العمليات في جراحة العظام، وأمتلك وثائق طبية لكل جراحة أجريتها، وقد عزمت على أن أجمعها في كتاب، حتى أنني وأثناء تدريسي في كلية الطب في البصرة، وأثناء الحرب الإيرانية العراقية، خفت على الوثائق والاشعات أكثر من خوفي على نفسي، حتى أنني أرسلتها في القطار الذي يقوم من البصرة إلى بغداد حتى تكون في مكان آمن باعتبارها إجازات حقيقية في عالم جراحة العظام، نعم لقد عالجت حالات كثيرة حرجة وصعبة، وكنت أهدف إلى خدمة المريض وإرضاء الله سبحانه وتعالى أولا، وتحقيق انجازات طبية تضاف إلى تاريخي المهني.

مدرس منذ الطفولة

وأشار الدكتور جواد إلى أنه بجانب دوره كمدرس في كلية الطب حتى وصل إلى عمادة الكلية، درس أيضا 25 دورة طبية، كما أنه كان مسؤولا عن دراسة الهيئة العراقية للاختصاصات الطبية في مركز كلية الطب المستنصرية، وأشرف على تدريب طلبة الدراسات العليا للهيئة العراقية للاختصاصات الطبية ـ جراحة العظام والكسور إلى جانب الأشراف على الرسائل المقدمة من الطلبة، وكذلك الأشراف على رسائل الماجستير والدكتوراه لبعض الطلبة في الطب البيطري ـ جامعة بغداد وكلية الطب في المستنصرية، والأشراف وتدريب طلبة المجلس العربي للاختصاصات الطبية.

ويضيف د. جواد أن يحب التدريس كثيرا ويعود ذلك إلى أيام طفولته عندما كان يسير على قدميه يوميا لمدة ساعتين تقريبا ليذهب إلى مكتبة المدينة، ويقرأ الكثير من الكتب والقصص، ثم يعود إلى بلدته الصغيرة فيجد أطفال القرية في انتظاره ليقص لهم عن الكتب التي قرأها، وكانوا يجلسون أمامه كالتلاميذ يصغون إليه باهتمام، وانتبه وقتها إلى استخدام أسلوب الدراما والتشويق، بل ولا يخلو الأمر من بعض المبالغات، وهم يستمعون بشوق وشغف للمعرفة.

ومنذ ذلك الوقت اكتشف في نفسه حبه للتدريس، حتى أنه عندما عاش في انجلترا فترة من عمره درس أيضا لطلبة كلية الطب في مستشفى كمبريدج وهي من أرقى كليات الطب.

ويشير الدكتور جواد بأنه لولا الحروب ما تطورت جراحة العظام، وقد تطورت كثيرا عن ذي قبل، وكان بداية التطور الحقيقي ما تم الاتفاق عليه عام 1950م بين السويسريين والألمان في معالجة الكسور، وهو اتفاق موثق اتخذوا فيه نظاما جديدا لجراحه وتثبيت العظام، وبعدها تأسست جمعية الكسور العالمية السويسرية، ثم بدأوا يطورون أنتاج المواد الخاصة بتثبيت كل حالة كسر بمساعدة المعامل المتطورة لوضع الحلول المناسبة لحالات الكسور، ومن هنا بدأت القفزة العظيمة في هذا المجال.

وأشار هنا إلى أن تطور جراحة العظام هو السبب الرئيسي في تطور الجراحات الأخرى في عالم الطب، حيث كان جراحو العظام أول من استخدم المناظير في الجراحة.

إيمان قنديل