الدقة والنظام والالتزام بالمواعيد مميزات تتصف بها شخصية ضيفنا في نافذة هذا الأسبوع، وبحكم عمله في مجال السياحة والفندقة منذ أكثر من خمسة وثلاثين عاماً فهو يمثل مرجعية في الإدارة الفندقية والمعلومات السياحية، منذ بدأ ممارسة هذا العمل في المهن الدنيا كعامل في المطبخ ابان دراسته في بريطانيا، ثم أحب المهنة وتدرج فيها إلى أن تخرج طباخاً.
وفي الوقت نفسه تخصص في دراسة السياحة والفندقة إلى أن تخرج من جامعة «اليفك» ثم حصل على الزمالة البريطانية للفنادق، وهو الآن عضو في جمعية الذواقة المحلية والعالمية، وعضو في لجنة دبي لفعاليات الصيف، وعضو اللجنة الدائمة للتسويق، وعضو في لجنة احتفالات العيد الوطني لدولة الإمارات. وكل هذه العضويات بالتنسيق مع دائرة دبي للسياحة والتسويق عابدين نصر الله مدير عام فندق ومنتجع باب الشمس، شخصية ثرية بأفكارها ومعلوماتها وذكرياتها أيضا، جاب معظم بلدان العالم ليطلع على آخر ما توصلت إليه السياحة من تقدم سواء في آلية التسيوق أو في المرافق، كما أن زياراته المتعددة للمدن والبلدان تأتي في اطار حملة ترويجية يسوق فيها للسياحة في دبي بشكل عام، ولفندق باب الشمس على وجه الخصوص. ذكرياته في بريطانيا كثيرة ومتنوعة، فهي أول دولة يسافر إليها بغرض الدراسة، كان ذلك في عام 1969، وعن ذكرياته فيها يقول:
كنت أدرس الهندسة في القاهرة، وفكرت في إنهاء دراستي الجامعية في إحدى جامعات بريطانيا فسافرت إلى هناك، لم أجد الكليات التي يمكن أن أكمل فيها دراسة الهندسة، فتوجهت إلى دراسة الفندقة والسياحة، وكنت قد وجدت عملاً في احد الفنادق كعامل في المطبخ، وهذا ما جعلني أحب هذا المجال وأنوي دراسته. كان مطلوبا مني أن أعمل وأدرس في نفس الوقت لكي أنفق على نفسي، بدأت بغسيل الأطباق وتنظيف الخضراوات وتقطيعها، ولتعلقي بالعمل استطعت أن اندرج في عملية الطهي كمساعد إلى أن أصبحت طباخا ماهراً أجيد إعداد جميع الأكلات، وبعد التخرج آثرت التفرغ للعمل الإداري والسياحي وبدأت في شق طريقي وعملت في الفنادق البريطانية. وهكذا بقيت في بريطانيا لمدة أثني عشر عاماً متواصلة حصلت خلالها على الجنسية البريطانية، وعلى ضوء هذه التجربة استطيع الحكم على المجتمع البريطاني الذي اعتبره من أرقى الشعوب، فهم أصحاب حضارة وتاريخ وثقافة ضاربة في عمق الزمن، والبريطاني جبل على احترام النظام والالتزام بالمواعيد وسرعة انجاز ما يوكل إليه في الموعد المحدد، فلا تسويف ولا كسل في الأداء.
ويستطيع الفصل بين العمل وأوقات الترفيه، ويعيش كل حالة بكل صدق وإخلاص، والبريطاني خفيف الظل وصاحب قفشات ويحب المرح، عكس ما يتصوره البعض، فالذي يصفه بالتجهم والعبوس مؤكداً قد رآه وهو يؤدي عمله، أما في أوقات الترفيه فالبريطاني يعرف كيف يضفي على صحبته أجواء من السعادة والمرح. وشوارع بريطانيا محكومة بالانضباط في كل شيء، ابتداء من النظافة ومروراً بالالتزام بقواعد السير والمرور وانتهاء بالتناسق بين مبانيها ذات الطابع المعماري القديم، فلكل منطقة في مدنها خصوصية ومميزات وطابع يلتزم به الجميع، سواء من حيث طراز البناء أو لونه أو ارتفاعه.وهكذا يجد السائح نفسه أمام تشكيلة متنوعة من الطرز المعمارية المختلفة ويبقى البريطاني مشهوداً له بحسن ضيافة الغرباء واستقبالهم ببشاشة واحترام، يقدم يد العون لمن يحتاجها، فهم في نهاية المطاف يطبقون نظام حكومتهم في قطاع السياحة، ويحترمون تأشيرات السياحة التي تصدرها، بغض النظر عن جنسية السائح.
وليس لديهم عنصرية تجاه أي شعب من شعوب العالم، والجميل في بريطانيا.. حكومة وشعباً.. انهم يحافظون على تراثهم وثقافتهم ويباهون بها أمام العالم، فهم علاوة على اعتزازهم بالطراز المعماري القديم متمثلاً في الأبنية والقصور العتيقة، تجدهم يوثقون لكل شيء عندهم ويقيمون له المتاحف، فهناك متحف الشمع.
ويضم مجسمات لشخصيات سياسية وثقافية وفكرية وفنية، وأيضا هناك متحف التاريخ الذي يضم بين جنباته تاريخ وحضارة بريطانيا بالكلمة والصورة، ويوجد بها متحف التحف الذي يبهر السائح بالمقتنيات التي يحويها وقياساً على ذلك كله تستشف كيف يفكر البريطانيون في بلدهم وفي آلية تعاملهم مع الآخر. وكيف يحتفون أيضاً بثقافاتهم ويقدمونها للسائح.
لقد تعلمت من البريطانيين الكثير، ومعهم لا يشعر الإنسان بالغربة على الإطلاق، وأرى أن بإمكاننا الاستفادة من حضارة الآخرين قديمها وحديثها، وأن نأخذ الأشياء المفيدة ونترك ما لا يتناسب مع عاداتنا وتقاليدنا، فأي ضرر في صدقهم وانتمائهم للعمل وإنجازه في وقته دون أن يكون علينا رقيباً؟؟
أشياء أخرى كثيرة عند البريطانيين إن طبقناها عندنا فسوف نتقدم خطوات وخطوات إلى الأمام، وعموماً أنا أحرص على زيارة بريطانيا أكثر من أربع مرات في السنة الواحدة، فأولادي مقيمون هناك وحاملون للجنسية البريطانية، وأفضل قضاء إجازتي بين ربوع الريف الإنجليزي بخضرته وطبيعته الخلابة.
وبعيداً عن تجربتي في بريطانيا فقد سافرت إلى معظم بلدان العالم بحكم عملي في مجال الترويج السياحي ووجدت تشابهاً كبيراً بين كثير من الدول من حيث الاهتمام بمجال السياحة وتقديم أفضل الخدمات، ولأن زياراتي العملية والمهنية البحتة لا تتيح لي الخوض في تفاصيل معيشة الشعوب والاقتراب منها.
إلا أنني خرجت بانطباعين في غاية الأهمية، أولهما أننا في العالم العربي مازلنا نراوح في أماكننا ولا نعطي السياحة الاهتمام الكافي وفق المعايير الجديدة، على الرغم من امتلاكنا لأرضية خصبة تتركز في الطقس الجميل والآثار الحضارية والتاريخية الكثيرة، وليس مجاملة إذا استثنيت دبي من هذا الانطباع كونها تخطو خطوات كبيرة في اتجاه التسويق السياحي.
أما الانطباع الثاني فقد كونته عن اليابان وشعبها، فهي معروفة للجميع بمنتجاتها الالكترونية المختلفة وسيطرتها على السوق العالمي، غير أن الشعب الياباني يعرف تماماً كيف يحتفي بضيوفه، فهم في غاية الأدب ويتحلون بأخلاق رفيعة سواء في طريقة الاستقبال أو في الحديث وحتى في تناول وجباتهم لهم طريقتهم الخاصة، ولديهم التزام وصرامة في أداء عملهم.
والالتزام بالمواعيد يأتي في قائمة أولوياتهم، أذكر أنني كنت ضيفاً على مؤتمر صحافي حدد له في الساعة الثانية، ودخلنا القاعة في تمام الساعة الواحدة وخمس وخمسين دقيقة، خمس دقائق من الترحيب ثم بدأ المؤتمر، وفي تمام الساعة الثانية وخمس وخمسين دقيقة انتهى، لتبقى خمس دقائق فقط للشكر والتوديع، هذا مثال ينطبق على مواعيد الوجبات وتناول الشاي.
ويوم العمل يبدأ عندهم من الساعة التاسعة وحتى السادسة مساءً، وإذا كان أحدهم مدعواً لحفل أو سهرة فهو يخرج من عمله رأساً إلى الحفل، ثم يعود إلى بيته ولا يخرج بعد ذلك، حتى حفلاتهم محكومة بالوقت، وما من ضيف يتلكأ بعد الموعد المحدد، هذا الالتزام بالمواعيد جعلني في حالة انبهار باليابانيين، وعرفت عن قرب كيف أصبح بمقدورهم أن يقدموا للعالم أحدث التقنيات.
أما الأمر الآخر فقد شد انتباهي أنني لم أر صناديق قمامة لا في الشوارع ولا المطاعم ولا الفنادق، ورغم ذلك فكل الأمكنة نظيفة للغاية، ومن المؤكد أن صناديق القمامة عندهم تأخذ أشكالاً عصرية وأنيقة وغير مرئية عن من جهل أماكنها وطريقة تصميمها، هكذا رأيت النموذج الياباني الذي يحافظ أيضاً على نهجه وخصوصيته المعيشية ولم يتأثر بغير الياباني إلا بما يخدم مسيرته الانتاجية.
وتظل لعابدين نصرالله فلسفته السياحية الخاصة يضع فيها خلاصة تجربته فيقول:
إذا أردت الذهاب إلى أي بلد عليك ان تعرف كل شيء عنه، ابتداء بالعملة والزي والطقس والآثار التي يحويها وانتهاء بعنصر الأمن، وعلى هذا الأساس أنا لا أنتظر السائح الذي يأتي إلي بطريق الصدفة، بل أذهب إليه في بلده واعرفه بمدينة دبي وطقسها وبيئتها الصحراوية الجميلة وأحيانا تجدني ارتدي الزي الوطني الإماراتي حتى أضع السائح في حالة تواصل مع ما أقوله، ثم أقدم لهم التمر والهدايا التذكارية التي تجسد تراث الإمارات.
ولدينا في فندق باب الشمس مثالاً واقعيا لبيئة وتراث الإمارات من حيث التصميم وموقعه وسط الصحراء، وكان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، هو من اختار الموقع برؤيته الفلسفية ومعرفته بما يمكن ان يقدم هذا الموقع من خدمة في ترويج وتسويق السياحة الإماراتية بشكل عام ولدبي بشكل خاص، وانطلاقا من هذا التوجه سافرت إلى بلدان كثيرة والتقيت بمديري شركات سياحية وصحافيين لترويج السياحة إلى دبي.
ولفندق باب الشمس على وجه التحديد، ولم يقتصر الأمر على الترويج فقط، بل كان الهدف أيضا الاطلاع على أحدث ما توصلت إليه فنون الفندقة والسياحة وكيفية تقديم الخدمات وإعداد البرامج الترفيهية المناسبة، والفندقي الناجح هو الذي يسعى وراء الجديد ولا يقف عند حدود ما يقدمه معتقدا انه يقدم الأفضل وعلى هذا الأساس أنا أتابع ما يحدث في الفنادق والمنتجعات داخل الدولة أيضا، واستفيد من كل تجربة جديدة وأضفي عليها اللمسات لتبدو أكثر جمالاً.
عزالدين الأسواني



