لم تكن مصممة الأزياء الإماراتية المعروفة زارينا يوسف، تدرك يوماً ما أن حياتها ستنقلب رأساً على عقب بعد زواجها من محمد مراد.

وأنها ستصبح من أولئك الذين يشار اليهم بالبنان في عالم الازياء، وهي التي كانت تعتبر نفسها عادية جداً في اختيارها لملابسها قبل الزواج. وقد استطاعت زارينا منذ افتتاحها لبوتيكها «فساتين» في العام 1995 بدبي، أن تحصد النجاح تلو الآخر بصورة تبعث على الإدهاش، فقد أضفت بأفكارها الإبداعية لمسات من الأناقة والجمال والتميز، على الجلابيب العربية ذات التصاميم المبهرة والأنيقة وفساتين السهرة الغربية المدهشة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وتجملت بأزيائها النخبة من نساء المنطقة من الأثرياء وعارضات الأزياء الشهيرات. لم تحترف زارينا التصميم عبر الدراسة، انما ولجته عبر بوابة الهواية والممارسة العملية، ولذلك فهي لا تتعامل مع الأوراق أثناء التصميم، بل تطلق العنان لخيالها الخصب ليجول في الفضاء، ليحضر افكاراً رائعة تأسر كل من يراها بعد التنفيذ.

بداية الحكاية... في أروقه بوتيكها الذي تزين بالأضواء الخافته والهدوء الذي لف جدرانه التي اتخذت من السلاسل الفضية الخفيفة ستاراً لها، تكشف لنا زارينا عن أوراق تجربتها الغنية في هذا العالم المتحرك، وهي التي خاضت في حياتها تجربة فن الماكياج والتجميل وإدارة حفلات الزفاف، فتقول: في بداية حياتي لم يكن لدي ميول نحو التصميم، فقد كنت إنسانة عادية جداً في اختياري لملابسي، وعادة كنت افضل لبس البلاطين والبلايز، وهذا ما جعلني أبدو عادية حتى في نظر المحيطين بي. وأذكر ان والدتي كانت تهوى حياكة الملابس، حيث كانت تفصل لنا في بعض الأحيان ملابسنا، وكثيرا ما كانت تساعدنا في اختيار الملابس. بعد زواجي من «محمد مراد» بدأت حياتي تتغير شيئاً فشيئاً، حيث بدأت أشعر بميول كبير نحو تصميم الأزياء والماكياج وتصميم الديكور، وقد لاحظ زوجي وصديقاتي شغفي بالتصميم، فمن جهة اختلفت طريقة اختياري للملابس، ومن جهة اخرى كنت مهتمه بتغيير ديكور بيتي بين الفينة والأخرى، وهو ما جعل صديقاتي يعتمدن على ذوقي واختياراتي أحيانا كثيرة عند قيامهن بشراء الملابس أو قطع الأثاث ولاحظت تقبلهن لاقتراحاتي بصدر رحب، كل هذا أشعر زوجي بوجود موهبة تصميم مكبوته بداخلي، وبدأ يشجعني على فتح الأبواب أمامها وإخراجها من داخلي لتصبح واقعاً ملموساً.

تقبل الجميع لأفكاري في ذلك الوقت شجعني على اتخاذ قرار فتح بوتيك خاص لي، وبالفعل عرضت الفكرة على زوجي وتقبلها بكل صدر رحب، وطلب مني القيام بدراسة كاملة حول المشروع، أختار فيها ماركة عالمية أريد ادخالها إلى أسواق الدولة، ومن خلال الدراسة اكتشفت أن السوق المحلي يحتوي على العديد من الماركات العالمية، بالمقابل لم يكن هناك وجود لأية ماركة هندية، وقد أعجبتني التصاميم والألوان التي يقدمونها وشعرت بأنها قريبة جداً من الطبيعة الشرقية وتناسب المرأة الخليجية، وعندما عرضت الفكرة على زوجي رفضها في بداية الأمر، إلا أنه عاد وطلب مني القيام بدراسة جدوى اختار فيها إحدى الماركات الهندية، وبالفعل قمت بإنجازها ومن ثم تنفيذها على ارض الواقع، وقمت بافتتاح بوتيك خاص يضم بين جدرانه مجموعة من المصممين الهنود فقط، وبدأت بالعمل معهم، ولشدة شغفي في تصميم الأزياء كنت أتدخل في كل قطعة، بحيث تبدو في شكلها النهائي كما أريد، ولذلك فقد أصبحت بمثابة الموجه لهم في التصميم بحيث تتناسب والفتاة الخليجية.

إلا أنني اكتشفت بعد مرور عدة سنوات من العمل مع المصممين الهنود أنني اساهم بشكل ملحوظ وبصورة غير مباشرة في التصاميم، وأنني أقوم بإحداث تغييرات كثيرة في كل قطعة سواء من حيث الفكرة أو التصميم ذاته، وفي النهاية لا يحمل هذا التصميم أو تلك الفكرة توقيعي، وبالتالي أصبحت أعطي المصمم الهندي أفكارا دون شعور مني، وهو الأمر الذي تنبه إليه زوجي الذي قال لي في إحدى الأيام: إنت تتدخلين في جميع التصاميم التي تأتيك من الهند، وكل قطعة تحمل لمساتك أنت، ولكنها لا تحمل اسمك أو توقيعك عليها.

فلماذا لا تقومين أنت بتصميم الأزياء؟، وفكرت كثيرا في هذا الأمر، وبالفعل اقتنعت بالفكرة وبدأت على الفور بالعمل عليها، وافتتحت بوتيكي الخاص فساتين في العام 1995، وظهرت على المسرح لأول مرة في مهرجان دبي للتسوق في سنته الأولى عام 1996.

لقد استفدت كثيرا من تجربتي مع المصممين الهنود، وتعلمت منهم أشياء كثيرة لم أكن لادركها وحدي سواء من حيث خلطة الألوان أو أشكال التطريز أو حتى أشكال التصميم نفسها، وأعتقد ان زياراتي المتكررة للهند عمقت من تجربتي في هذا المجال، فقد لفتت الحضارة الهندية بكل ما فيها من طبيعة والوان ومجوهرات وغير ذلك، وهذا لعب دورا مهما في إخراج ماركة زارينا بشكل جديد وغريب.

والمتابع لأزياء زارينا، يدرك أنها مستوحاة في أغلبها من الموروث الثقافي للحضارات القديمة خاصة الحضارة الهندية، ويتجلى ذلك في الألوان النابضة بالحياة والتصاميم المتنوعة وفوق كل ذلك الأناقة التي لا حدود لها في الأقمشة والزخرفة.

تغيير جذري

لقد غيرت تجربتي في تصميم الازياء والتي تمتد لنحو 15 عاما تقريبا، جوانب كثيرة في حياتي، لدرجة انني اشعر أحيانا إنها تغيرت أو تحولت كليا بعد تعمقي فيها، فقديما كنت امرأة عصبية جدا ويمكن لأي أمر مهما صغر ان يستفزني، خاصة عندما كنت أجد تصاميمي مقلدة في السوق.

وكنت اسعى بشتى الطرق للمحافظة على اسمي وحمايته، ولكن الان وبعد مرور 15 عاما على عملي في هذا المجال أصبحت هادئة وقوية جدا، وأعتقد ان مرد ذلك هو تركيزي اللامحدود في تصميم الأزياء وابتعادي عن المجالات الأخرى ذات الصلة بالتصميم، فقد قررت اعتزال الماكياج نهائيا وحاليا أفكر بشكل جدي اعتزال إدارة الحفلات لكي افرغ نفسي لتصميم الأزياء، وذلك حتى لا اسمح لأي شيء لأن يشتت تفكيري.

بعد كل هذه السنوات، بدأت أشعر أن زارينا في كل عام تزداد قوة وشهرة، ولم يعد أمر التقليد يقلقني كما في السابق، بل على العكس فقد أصبح هذا مصدر فخر لي، وقد لا تصدق أن هذا الامر بات يشعرني براحة غريبة لا يمكن لي وصفها، إلى جانب انه يشكل دليلا على اتساع شهرتي في عالم التصميم.

لا أستخدم الأوراق

عادة انا لا استخدم الأوراق اثناء عملي في التصميم، واعتبر نفسي غير مؤهلة لهذا الأمر، وذلك لأنني اتخذت التصميم كهواية عملية منذ البداية وليس كعلم أو دراسة، وعندما أبدأ بالعمل أفضل أن أتعامل مع القطعة أو القماش بشكل مباشر، وعادة ابدأ التصميم من التطريز وذلك عكس بقية المصممين، وبعد الانتهاء منه ابدأ بالبحث عن فكرة التصميم والألوان المناسبة لها.

أضف إلى ذلك أنه على الرغم من شغفي بالتصميم الا أنني لم أحاول دراسته أو الانضمام إلى اي كورسات تعليمية، ولا أنكر أن زوجي شجعني كثيراً على خوض هذه التجربة، ولكن بسبب أعباء البيت والأولاد وانشغالي بالماكياج وإدارة الحفلات لم أكن امتلك الوقت الكافي لذلك، ولكن بالمقابل أعمل بشكل دائم على تنمية قدراتي عبر الاستفادة من أخطائي أنا، ولذلك فأنا اعتبر نفسي مدرسة وناقدة في الوقت ذاته.

أما بالنسبة لإلهامي، فاستمده من كل شيء في الوجود بغض النظر عن ماهيته، فعيني تذهب إلى كل شيء تراه جميلا، ولذلك اشعر بأن زارينا بلا حدود، فهي لا تتوقف عن شيء ولا يلفتها الا الجمال، وتراني أحيانا استمد إلهامي من الوجوه البشرية خاصة وإنني أتقن فن الماكياج، وبالتالي لدي القدرة على رسم الوجه بصورة تظهر روعته وجماله.

وأحياناً أخرى أستوحيها من الأشكال المعمارية، أو من الطبيعة، وقد تجذبني قطعة مجوهرات بسيطة وتصبح مصدر إلهامي لتصميم مجموعة أزياء كاملة. واعتقد أن الإلهام المفتوح قد ساهم في تقوية تصاميمي ويظهر ذلك بصورة جلية في طبيعة أشكال التطريز التي أقدمها، والتي من الصعب على اي شخص اجادتها بل تبديلها من موسم إلى آخره.

مصدر إلهام لابنتي

ومن الطبيعي أن يتأثر كل من يحيط بزارينا بما تقدمه من تصاميم أو أفكار، فهل ذلك ينطبق على بناتها اللواتي لم يتجاوزن سن ال20 بعد. تقول زارينا: «لدي ابنتان الاولى بعمر 19 عاما والثانية بعمر 14 عاما، ولا انكر انهن قد تأثرن بموهبتي، خاصة ابنتي الكبرى التي تدرس التصميم حاليا.

حيث تحولت إلى مصدر الهام لها، ولكن رغم ذلك فدائما ادعوهن إلى أن يعشن عمرهن الحقيقي والا يذهبن بعيدا نحو المستقبل، حتى لا يتأثرن بمنتجاته، ولا أنكر أنني اطمح لأن تكون واحدة من بناتي مصمصة أزياء في المستقبل ولكن اذا كان لديها الميول والرغبة في ذلك.

وقد يعتقد البعض ان التصميم عملية سهلة ولكنها في حقيقة الأمر من أصعب المجالات التي يمكن العمل فيها وذلك لما يتطلبه من تركيز وجهد نفسي وجسدي، وأتمنى ان يكون لدى بناتي القدرة على التحمل.

مقلة في سفري

قلة سفري، لم تمنعني من الولوج إلى الانترنت والتعرف على ما يقدم من تصاميم وموضة جديدة في هذا العالم ومتابعة الجديد فيه سواء من حيث الألوان او طرق القصات، خاصة وأن السنوات الأخيرة شهدت تغيرا كبيرا في طبيعة القصات المقدمة فمن القديم إلى العصري وحاليا المستقبلي الذي يتوغل إلى حدود بعيدة في المستقبل.

ورغم اننا قد نواجه مشكلة في استخدام النوع الأخير ـ المستقبلي ـ في الخليج لعدم ملاءمته لطبيعة الجو المجتمعي الذي نعيش فيه، الا ان ذلك يفرض علينا ان نتابعه، وبتقديري ان المصمم البارع هو الذي يستفيد من التوجهات العالمية ويوظفها في تصاميمه، وبالتالي إدخاله إلى المجتمع بصورة تليق به وبعاداته وتقاليده.

وبتقديري، ان الفرق ما بين المصممين الغربيين والشرقيين يكمن في طبيعة لون وشكل التصميم المقدم للمرأة. وبالنسبة لي أرى أن الألوان الفاقعة مثل البرتقالي ودرجاته والأزرق هي التي تحكم الموضة في العام 2008.

ولكن هذا لا يعني تغييب الألوان القوية مثل الأسود والرصاصي والذهبي، والتركواز وغيرها. وعموما أنا أؤمن بأن البساطة هي جوهر الجمال، وأعتقد أن السر في نجاح أزيائي هو الأناقة المستمدة من الخطوط الواضحة والبسيطة مع التصميم الراقي.

هواية صيد السمك

الى جانب تصميم الازياء أحرص على ممارسة هوايتي المفضلة في صيد السمك، خاصة عندما أشعر بعدم قدرتي على التركيز في العمل، وذلك لأن صيد السمك يعلم الصبر، علما بأنني أخاف جدا من السباحة في البحر الا إنني أتوغل فيه بقاربي ليلا، وأبقى فيه حتى بزوغ الفجر، وافضل دائما الذهاب ليلا لأن الهدوء الذي يكتنف البحر يريحني جدا، والى جانب ذلك أمارس الرياضة بكل أنواعها، فأنا أفضل الحركة كثيرا.

ويذكر أن آخر تشكيلة كشفت عنها زارينا، كانت في شهر أكتوبر الماضي، حيث استطاعت خلال أمسية رائعة أقيمت في مركز دبي التجاري العالمي أن تأسر قلوب عشاق عصور أمراء الهند وحكامها وطبقة النبلاء آنذاك، وفاضت بها أزياء الماركة أناقة وجاذبية وتألقاً، حيث ظهرت عارضات أزياء زارينا وقد ارتدين أجمل الملابس والأزياء الراقية في أجواء زخرت بالبهجة والإثارة.

إنسانة قوية ومهذبة

تقول مريم الجلاف: وجدت من خلال تعاملي مع زارينا على مدار السنوات الماضية، انها انسانة صادقة ومهذبة وخلوقة وصديقة مخلصة، وهو ما جعلها بالنسبة لي محل ثقة واهتمام دائما. فهي من النوع الذي يهتم كثيرا بعمله واسرته وباصدقائه، ولا تحاول ابدا ان تضايق احدا، حتى في اصعب الحالات التي قد تمر بها.

ولا يتوقف تعاملها الطيب على المستوى الشخصي فقط، انما على العملي ايضا فهي تهتم كثيرا بعملها وبجودته، ولا تفكر ابدا في القيمة المادية التي ستجنيها من وراء انجاز العمل انما جل تفكيرها ينصب على مدى جودته وردة الفعل الذي يحدثها.

ولذلك تراها بعد انجازها للعمل فرحة جدا، ولا تظهر التأثيرات السلبية التي يخلفها ضغط العمل عليها، وهي صبورة بشكل غير طبيعي، وتعامل كل من يحيط بها باحترام حتى العمال الذين يعملون لديها تحترمهم وتستمع اليهم والى مشاكلهم، وتتفهم طبيعة عملهم وما قد يقعون به من أخطاء.

وقد لاحظت خلال السنوات الماضية انها تمتلك قلبا حساسا وشفافا جداً، وانها تسعى دوما إلى تحقيق النجاح، وتحاول تحقيقه من خلال فريق عملها.

أما طيف المري، فقالت: قد يكون من الصعب علي ان اظهر فضائل زارينا وما تتمتع به من صفات جميلة، واعتبر شهادتي فيها مجروحة، وعموما فهي إنسانة صريحة تتصرف على طبيعتها، بالإضافة إلى انها تتمتع بحضور مميز وقوي في الجانب العملي. وبالنسبة لي فقد تأثرت كثيرا بتصاميمها، وبالفعل احببت الازياء الهندية من خلال افكارها ورؤيتها، وعموما فأنا من محبي تصاميمها وهي عندي في المرتبة الأولى.

ولا يتوقف الامر على الجانب العملي فقط، وانما ايضا على مستوى التعامل الشخصي، فنحن عادة ما نطلبها في جلساتنا واجتماعاتنا لأننا ندرك مدى اهميتها في الجلسة خاصة وانها قادرة على توفير جو من الفرح، ولم يحدث في مرة أن مل أحد من حديثها أو جلستها.

غسان خروب