منذ صغره عشق البحر، حيث ترعرع ونشأ بالقرب من شاطئه ليتحول فيما بعد إلى لعبته المفضلة، التي تعلم منها الصبر والحكمة واتساع الأفق، ومع تخطيه لسنوات العمر المبكرة تحول عن البحر ليذهب بعيدا نحو موهبة أخرى تمثلت في كرة القدم، عرفه الجميع في هذا المجال وتمكن من الارتقاء بسرعة ليصل إلى منصب مدير المنتخب الوطني، إنه سعيد حارب الذي ما لبث أن عاد إلى البحر مرة أخرى، وتمكن من توظيف مهارته الرياضية واستغلالها في عرض البحر، ليشغل حاليا منصب مدير جمعية المحترفين للزوارق السريعة.

«بدأت حياتي في البحر، حيث ولدت بالقرب منه في منطقة الشندغة التي طالما مثلت رمزا من رموز دبي القديمة والحديثة، وتربيت وسط عائلة اعتادت ركوب البحر، حيث كانت تمتلك أسطولا من المراكب البحرية التي كانت تستخدم للغوص والتجارة، ولذلك فارتباطي وإخوتي في البحر وثيق جدا، لدرجة انه تحول إلى وسيلة من وسائل اللهو واللعب والتنقل، وذلك بحكم المكان والمعايشة اليومية مع البحر»... «مع بداية الدراسة توجهت بالتوجه إلى لعب كرة القدم، وبدأتها بحارس مرمى في نادي «الهلال البحري» الذي كان يتبع لمنطقتنا، ومن ثم انضممت إلى منتخب المدارس، وسافرت إلى العاصمة اللبنانية بيروت في إطار المشاركة بدوري المدارس ضمن الدورة العربية لمنتخبات المدارس، وفي العام التالي سافرت إلى الإسكندرية للمشاركة في ذات الدورة، وكان ذلك في منتصف السبعينيات، وبعد ذلك تنقلت بين الأندية الرياضية الموجودة في دبي، لينتهي المطاف بي في نادي الوصل، حيث شغلت فيه منصب «كابتن الفريق» ومهاجمه، ولكن سرعان ما تحولت من لعب كرة القدم، إلى الجانب الإداري في النادي، حيث كنت ضمن فريق تطوير النادي، وفي نهاية السبعينيات توجهت إلى البرازيل برفقة عدد من الزملاء في النادي بهدف البحث عن مدرب للفريق، وبالفعل وفقنا في ذلك وتعاقدنا مع المدرب «نيلسون مونس».

«طوال الفترة التي قضيتها في الملاعب لم يفارقني هاجس العودة إلى البحر، إلى جذوري الحقيقية، ولا أنكر أنني طوال الفترة الماضية أفكر بطريقة ما تساعدني على المحافظة على علاقتي في البحر وعلى تراثنا البحري، ولذلك قررت العودة إليه بعد اعتزالي الحياة الكروية، وسرعان ما دخلت أروقة الاتحاد الدولي الذي كان يتخذ من «مونت كارلو مقراً ممثلا عن نادي دبي البحري، لأكون بذلك أول عربي يقتحم أسوار الاتحاد الدولي، وهذا زاد من ارتباطي في البحر، واستطعت من خلال نادي دبي الدولي للرياضات البحرية أن أثبت نفسي في مجال تنظيم البطولات والسباقات البحرية، وأن اكتسب خبرة عالية مكنتني من تنظيم هذه البطولات في العديد من الدول الأوروبية التي حققت من خلالها تقدماً ملحوظاً على المستوى الدولي أيضاً».

ضباب ودلافين... كل دولة تختلف عن الأخرى في كل شيء، وبالذات في الحركة الملاحية المليئة بالكثير من التعقيدات التي لا أشعر بوجودها هنا في دبي، ويضيف: «أعلم جيدا أن تنظيم مثل هذه البطولات على المستوى الدولي ليس بالأمر السهل. حيث تحكمه العديد من الظروف والقوانين، ولعل أبرزها هي الظروف المناخية والبيئية، إلى جانب أن التنظيم هناك يأخذ صفة تجارية وبالتالي فهذا يتطلب المصارعة على تأمين المكان والتوقيت المناسب لتنظيم البطولة بحكم وجود جداول إبحار ووصول للسفن»، «على سبيل المثال، تواجهني مشكلة الضباب الكثيف في مدينة «بليموث» الإنجليزية، وهي إحدى المدن المشهورة في الضباب. حيث يمكن أن تتعرض له في أي وقت دون سابق إنذار، وهذا بالتأكيد يتطلب خبرة عالية للتخلص من خطرة. بالمقابل، نجد أن هناك مشكلات أخرى تعترض عملي مثل أسماك الدولفين التي تكثر في منطقة «كورس»، وبالتالي فبمجرد وصولها يجب أن تتوقف عن إجراء أي نشاط بحري وذلك حتى لا تسبب أي إزعاج لها، إلى جانب ذلك هناك الكثير من القوانين التي تفرضها جماعة السلام الأخضر «غرين بيس» التي تعمل على حماية البيئة».

«أود التوضيح بأن سفري غالباً ما يكون مرتبطا بالعمل، ولكن أحاول دائماً استغلال أي فرصة لزيارة المدينة أو الدولة التي أزورها بهدف التعرف عليها وإقامة علاقات اجتماعية فيها إن أمكن، بحيث يزيد ذلك من نطاق معرفتي بها وبمجتمعها وبعاداتها وتقاليدها، لأن في السفر سبع فوائد كما قالوا قديماً»، «أحب كثيرا زيارة المدن الساحلية.

وهي مختلفة في مواقعها ومميزاته، فعلى سبيل المثال، أجد في إيطاليا جميع متطلبات السياحة البحرية المختلفة، من حيث النقل البحري الكبير، والنقل السياحي، وقوارب التجذيف، والممرات المائية التي تحكمها العديد من الضوابط سواء في العبور أو السرعة أو التجاوز... الخ.

وهنا أذكر مدينة «فينيسيا» أو البندقية التي أحب زيارتها بشكل دائم، حيث يوجد فيها كل شيء مختلف، منذ الانتقال من المطار القريب من البحر وحتى لحظة الوصول إلى الفندق، ولاحظت من خلال زياراتي المتعددة أن الحركة المرورية البحرية تحكمها قوانين صارمة وفيها التزام قوي بالقواعد المرورية التي تحدد السرعات وتنظم عمليات التجاوز بين القوارب».

«بحكم وجودي في إدارة فندق «لو ميرديان الميناء السياحي»، أحب دائما زيارة الجزر والمدن والفنادق المطلة على الشواطئ، مثل «سيسلي»، «سنتروبين»، وجزيرة «سردينيا» التي أحبها وأفضلها كثيرا إلى جانب مدينة «فينيسيا»، حيث أحاول أن أزورها بشكل دائم بهدف الاطلاع على جديدها والتعرف على ماهية الخدمات التي تقدمها الفنادق التي تقع على الشواطئ، خاصة وإنها تعد منتجعا سياحيا كبيرا، وقد وجدت فيها الكثير من الأشياء التي يمكن للسائح الاستفادة منها».

البناء العائلي الإيطالي متماسك

وبالحديث عن ايطاليا، سألناه عن طبيعة الأشياء التي تميز مدنها وتجعلها قريبة من القلب، فأجاب: «كثيرة هي الأشياء التي تميز المدن الإيطالية، فمثلا مدينة «فلورنسا» تتميز بمتاحفها ومعالمها الأخرى، حيث تجد فيها عمالقة الفن الإيطالي ولهم متاحفهم الخاصة، وفعلاً عندما تزور أي متحف منها تشعر بعظمة هؤلاء الفنانين وبقيمة وعمق الفن الموجود في اللوحات المعروضة.

وحتى عندما تزور الكنائس تشعر أيضاً بعظمة البناء التي تعكس عمق الفن المعماري وجماله، وعموما تعجبني المدن الإيطالية بسبب احتوائها على كل شيء من حيث فن الرسم والفن المعماري وأخر تصاميم الموضة وأطباق الطعام الشهية، ولهذا اعتبرها دائما وجهتي المفضلة لأنها تجمع بين أشياء كثيرة».

«لقد ساعدتني زياراتي العديدة لايطاليا على الاحتكاك والتعامل بشكل مباشر مع الشعب هناك، وقد وجدته طيبا وفيه بعض الخصال التي يلتقي فيها مع الشعب العربي، ولعل أبرزها هي الانتماء العائلي وترابطها، وهو عكس الشعوب الأوروبية الأخرى.

حيث تشعر بتباعد اسري واضح، أما في ايطاليا فما زال الأبناء يحرصون حتى لحظتنا هذه على الاهتمام بالوالدين وزيارتهم بشكل مستمر، بالإضافة إلى ذلك، عندما تتعامل مع الشعب الإيطالي تشعر «بحرارة الدم» أو «النرفزة» السريعة وهذه موجودة عند العرب عموما».

«إسبانيا من الدول الجميلة جدا في نظري، وقد زرت العديد من مدنها ومن أبرزها جزر الكناري، ملقا، لوبورتيفو، فالنسيا، وبرشلونة، إضافة إلى العاصمة مدريد التي زرتها لأكثر من مرة بحكم عملي السابق في نادي الوصل، حيث كنا نقيم في مدينة قريبة جدا من المطار وبعد ذلك ننطلق إلى العاصمة مدريد، وهي واحدة من المدن الكبيرة في العالم، التي لا تكاد تهدأ أبداً.

كما زرت مدينة «مربيا» التي يقصدها الكثير من السياح العرب، ووجدتها جميلة جداً وتقدم العديد من الخدمات التي يحتاجها السائح، وشعرت بأنها قريبة جدا من المدن العربية، واعتقد أن ذلك مرده العلاقة التاريخية التي ربطت العرب بإسبانيا.

التواجد العربي في أسبانيا

«للحقيقة أن هذا الشعور لم يساورني في مدينة مربيا فقط، إنما في معظم المدن الأسبانية الأخرى مثل غرناطة وقرطبة، وهناك تلاحظ أثار الوجود العربي في إسبانيا من خلال الأسماء العربية الخالصة التي تحملها شوارع ومناطق إسبانيا المختلفة، على الرغم من بعد المسافة الفاصلة بين تلك الحقبة وأيامنا هذه، وأكثر ما أعجبني في إسبانيا تلك المناطق التي يطلق عليها اسم «الضيعة».

كما تسمى في لبنان وسوريا، وهي مناطق جميلة جدا وخضراء تعطيك فرصة الهروب من ضغط المدينة وسرعة الحياة فيها، وهي صورة طبق الأصل عن «ضيع الشام» من حيث الصفاء والجلسات الخارجية والتآلف الأسري، ولذلك تجدني احرص على زيارتها إذا توفرت لي الفرصة.

وتمكنت من إقامة علاقات اجتماعية فيها، خاصة وان الشعب الاسباني لا يختلف كثيرا عن الشعب العربي في تقاليده وعاداته وحتى تفكيره، وبالتأكيد أن هذا طبيعي ويعود إلى طبيعة العلاقة التاريخية التي ربطت العرب باسبانيا.

«عندما تزور الشواطئ البرازيلية تشعر بأنها منجم غني بالخدمات السياحية البحرية، ومكان واسع يمنح الشباب فرصة ممارسة هوايتهم في لعبة كرة القدم، وقد تمكنت ساحاته الرملية من تخريج رواد كرة القدم البرازيلية، وأرى أن تميز البرازيل في شواطئها أعطاها تميزا كبيرا في كرة القدم، ولذلك دائما أفكر بطريقة تمكننا من استغلال شواطئنا ليس فقط في مجال السياحة وإنما في المجال الرياضي أيضاً».

وعرج سعيد بنا أيضاً على اليونان التي زارها مرارت عديدة، وأعجب كثيرا في أثارها وجمال طبيعتها وشواطئها، ويذكر لنا انه استفاد كثيرا من زيارته لجزيرة «ميكانوس» على صعيد الخدمات السياحية التي تقدمها لزوارها، وعن هذه الجزيرة يقول سعيد: «تتميز هذه الجزيرة في أكلاتها البحرية.

وقد أعجبتني الطريقة التي يقدمون فيها أكلاتهم البحرية، واستطعت أن انقلها إلى دبي وتطبيقها في فندق «لو ميرديان الميناء السياحي»، حيث قمنا بإنشاء مطعم عائم «البوم»، وقدمناه بطريقة جميلة تعكس التراث الإماراتي القديم»، وأضاف: «اعتقد أن هذه واحدة من فوائد السفر.

حيث يمكنك من التعرف على المجتمعات الأخرى، وبالنسبة لي استفدت منه كثيرا حيث مكنني من الإطلاع على الخدمات السياحية التي تقدمها عديد الفنادق العالمية، واعتبر اهتمامي بالسياحة وما تحتاجه من خدمات جانب أخر من حياتي الخاصة ابتعد فيه عن المجال الرياضي».

«عندما نتحدث عن الصين واستراليا، فإننا نتحدث عن دول كبيرة وعظيمة وذات تاريخ عريق، ومن ابرز المعالم التي زرتها في الصين كان سورها العظيم الذي شدتني ضخامته وطريقة بنائه وطوله، ومن جانب أخر، وجدت أن الشعب الصيني شعب كادح يعمل ليلاً ونهاراً.

وتشعر بأنه ماكينة بشرية لا تتوقف عن العمل أبدا، وعلى الرغم من صعوبة التواصل مع أبناء هذا الشعب إلا أنني شعرت بطيبته، خاصة في المناطق الريفية أو الزراعية التي تعكس قوة التحدي الموجودة لدى الشعب الصيني، ويمكننا أن نلمس هذه القوة عبر غزوهم للعالم من خلال منتجاتهم».

ويتمنى سعيد الذي زار العديد من الدول العربية وأعجب فيها وأحبها كثيرا لا سيما لبنان وسوريا، أن يتمكن من زيارة المزيد من الدول، خاصة دول شرق أسيا التي تتمتع بجمالها الطبيعي، وكذلك يتمنى زيارة اليابان وكوريا وسنغافورة التي حولت جزءا كبيرا من البحر إلى يابسة بفضل إرادة شعبها.

غسان خروب