ونحن نستعرض معه شريط ذكرياته راح يتوقف بالثناء والشكر عند ذكر كل شخصية قدمت له يد المساعدة في كل مرحلة من مراحل مسيرته الاجتماعية والمهنية، وفياً هو لأصدقائه وزملائه ولصحبة الأيام الجميلة، هكذا أوحت مفرداته في حديثه، وصوره النادرة التي يحتفظ بها في اليوم يجمع ذكرياته برفقاء المسيرة، عصامي منذ صغره، اعتمد على نفسه في اختياراته الدراسية فتنقل بين الثانوية ومعهد عجمان الديني ليختار في النهاية التفرغ للعمل والتفاني فيه، حصد الكثير من الجوائز ونال شهادات التكريم ليفرد لها مساحة مخصصة في بيته، صالح سلطان ـ إعلامي ومخرج تلفزيوني بدأ مسيرته المهنية في تلفزيون الكويت من دبي في بداية السبعينات، وربما كان الوحيد من بين العاملين في هذا الحقل الذي استمر حتى يومنا هذا يؤدي بهمة ونشاط، ولأنه ممارس للرياضة منذ طفولته، وخصوصاً في مجال كرة القدم، فقد تخصص وشق طريقه في البرامج الرياضية إخراجاً وإعداداً وتقديماً في بعض الأحيان، ومنذ عام 1978 استقر به المقام في تلفزيون أبوظبي ومازال يواصل تألقه في قناة أبوظبي الرياضية، مع صالح سلطان نقلب الأوراق لنتعرف على جوانب مضيئة من مسيرته الحياتية والمهنية.
في إمارة عجمان وبالقرب من شاطئ الخليج ولد صالح سلطان، وكانت فترة الستينات تلقي بظلالها المعيشية البسيطة، ومن أجل لقمة العيش سافر والده إلى البحرين ليعمل هناك في صناعة شباك الصيد، فمعظم العائلات كان رجالها يعملون في البحر إما في صيد الأسماك أو في رحلات الغوص، يقول صالح: كان العمل في البحر مصدر رزق كثير من الأسر في ذلك الوقت، ومازال أخوتي وأبناء عمومتي يملكون قوارب الصيد حتى الآن ولم يتخلوا عن مهنة آبائهم وأجدادهم، والبحر بالنسبة لنا كان وما زال صانع الفرحة والبهجة، ففي اليوم الذي يصطحبنا فيه الكبار إلى الصيد كنا كأطفال نشعر بسعادة غامرة. وبالنسبة لي تحديداً كنت محظوظاً بالسفر إلى والدي أيام العطل الصيفية لأقضي معه الإجازة في البحرين، واقتربت من والدي ومن عمله وعرفت معنى التضحية والاغتراب من أجل تأمين حياة معيشية لأسرتنا، وتعلمت أيضاً كيف أتحمل المسؤولية واعتمد على نفسي في تسيير أمور الأسرة في غياب والدي، لكن الأهم هو أنني تعلمت الاختيارات الصحيحة والسير في الطريق المستقيم دون توجيهات من أحد، صحيح أنني لعبت ومارست طقوس طفولتي كأي طفل آخر، لكنني لم أثر أية مشاكل لأهلي سواء مع أولاد الجيران أو في المدرسة، والحق أن جيلنا كان أقل شقاوة وأكثر التزاماً واحتراماً للكبار، خصوصاً وأن الحياة لم تكن مفتوحة كما هو حاصل الآن، فألعابنا كانت محصورة في الألعاب الشعبية التي كنا نمارسها في أوقات قصيرة جداً ومرهونة بمغيب الشمس، وفي فترة لاحقة رحنا نمارس كرة القدم التي سيطرت على عقولنا وشغلت المساحة الأكبر من أوقات لعبنا.
أهلاوي لاعباً ومشجعاً... في مدرسة الراشدية بعجمان أنهيت مرحلتي الابتدائية والمتوسط، كنا مقبلين على الدراسة والتعلم كجيل متطلع إلى حياة أفضل، كنا نعرف مصلحتنا ونجتهد في المذاكرة دون مراقبة من الأهل، وكان الأساتذة يبذلون جهداً خارقاً معنا وهم يؤدون رسالتهم التعليمية بإحساسهم بمدى المسؤولية الملقاة على عاتقهم، وفي تلك الأثناء كانت كرة القدم هي المتنفس الترويحي الوحيد الذي يشغل أوقات فراغنا، كنت لاعباً في خط الوسط المهاجم، وكنت حريفاً تتسابق الفرق على اختياري، إلى أن انضممت إلى نادي الشعلة وكان يترأسه الشيخ عبدالله راشد النعيمي، وكان هناك ناد آخر في عجمان واسمه «الناصر» ويترأسه الشيخ ناصر بن راشد النعيمي، وكانت أندية عجمان في ذلك الوقت معروفة بابنيتها وملاعبها ولم تكن مجرد ساحات تمارس فيها الفرق اللعبة، أما المنافسات فقد كانت محصورة في الدورات الرمضانية وبعض المباريات التنافسية بين الفرق، وعندما انتقلت إلى مدينة الشارقة حيث عائلة والدتي، انضممت إلى نادي الخليج وكان مقره في المبنى الذي تشغله مديرة شرطة الشارقة الآن، وكان في الشارقة ناد آخر اسمه العروبة وهذان الناديان اندمجا فيما بعد ليشكلا نادي الشارقة المعروف الآن، لكن مسيرتي كلاعب كرة قدم انتهت في النادي الأهلي بدبي عندما التحقت للعمل في تلفزيون الكويت من دبي، وأصبحت أهلاوياً لاعباً ومشجعاً فيما بعد ومازلت حتى الآن.
محطتي الماسية التالية للمتوسط كانت في ثانوية دبي وبصحبة أصدقاء وزملاء أصبح لكل واحد منهم الآن وضعه الاجتماعي والمهني الراقي، وأذكر منهم عبدالله بوشهاب وسعيد ماجد وعبدالله عبيد وعبدالرحمن العمر وراشد سلطان والدكتور سليمان الجاسم، ومثلت الدراسة في ثانوية دبي أفقاً جديداً بالنسبة لي حيث التقيت بزملاء وأصدقاء جدد، وبقيت فيها لمدة عامين فقط ولم أكمل السنة الدراسية الثالثة، فقد انتقلت لمعهد عجمان الديني، وربما كان هذا الانتقال لأن المعهد كان يعطي راتباً للطلبة إضافة للدراسة، وربما كان بتأثير من الأصدقاء الذين فضلوا إكمال تعليمهم في المعهد الديني، المهم إنني وجدت نفسي مع المرحوم سعيد الجراح الذي انتقل معي من ثانوية دبي في تنافس شديد بحكم أننا أكثر تحصيلاً من طلبة المعهد الذين مازالوا يدرسون في مرحلة المتوسط، وكان وقتها فضيلة الشيخ محمد المهدي ناظر المعهد الذي تعلمت منه الكثير، وتأثرت بشخصيته إلى حد كبير، وأذكر أنه اختارني لإلقاء قصيدة للدكتور يوسف القرضاوي بعنوان «مسلمون.. مسلمون» أثناء زيارة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان للمعهد، واستمريت في دراستي إلى أن حدثت نقلة نوعية في حياتي وتركت الدراسة لأبدأ مرحلة جديدة من حياتي المهنية.
مخرج تلفزيوني
كان صديقي عبدالرحمن العمر قد سبقني بترك دراسته في ثانوية دبي والتحق بالعمل في تلفزيون الكويت من دبي، وذات مرحة أخبرني بان التلفزيون بحاجة إلى موظفين وبإمكاني التقدم للعمل، كنت شغوفاً بالتلفزيون وقتها وأتابع القنوات بانبهار، أما أن أعمل في التلفزيون فقد كان هذا حلماً ولم يخطر لي على بال قبل ذلك.
تقدمت بطلب عند الأستاذ محمد الخزرجي.. والد الدكتور خالد وكيل وزارة العمل الحالي، وكان وقتها يشغل منصب مدير عام شؤون الموظفين في مكتب الكويت، وكل طلبات التوظيف في المستشفيات والمدارس التابعة للكويت كانت تمر من مكتبه، وبالطبع كان التلفزيون تابعاً لمكتب الكويت.
وكان الخزرجي رجلاً فاضلاً يشجع الكوادر المواطنة ويمنحها الفرص للانخراط في الوظائف، وبعد انتهاء المقابلة أرسلني إلى التلفزيون وكان ذلك بتاريخ 1/ 4 /1971، والتحقت للعمل بقسم الأخبار لمدة شهرين، كنت أحضر الأشرطة والطرود من المطار، وأتابع العمل في الاستديو، إلى أن قابلني مدير التلفزيون في تلك الفترة جاسم الشهاب.
وأخبرني بأن هناك بعثة تضم مجموعة من الشباب ستتجه إلى الكويت للانخراط في دورة تدريبية هناك، فسجلت اسمى في البعثة، وهناك اخترت التدرب على وظيفة المونتاج للأفلام والأخبار القصيرة أو المونتاج الالكتروني «التنفيذ»، وبعد انتهاء الدورة عدت لممارسة العمل بثقة وحب شديدين.
لكنني بعد فترة تم تكليفي بإخراج البرنامج الرياضي الوحيد في التلفزيون، وجاء التكليف من عبدالله درويش هذا الإنسان الرائع الذي أكن له كل مودة واحترام، وفي نفس الوقت كان للأستاذ محمد ناصر السويدي وقوفه إلى جانبي كمخرج مواطن له وزنه في تلك الفترة، المهم انني قمت بإخراج البرنامج الذي كان يعده الأستاذ جمعة غريب ويقدمه علي بالرهيف.
وكان هذا البرنامج فاتحة خير علي وبداية لمشوار طويل مستمر حتى الآن في مجال البرامج الرياضية، ونجاحي في البرنامج جاء لكوني رياضياً مارست اللعبة وأعرف الكثير من خفاياها، لكنني أيضاً أخرجت برامج أخرى مثل برنامج الشعراء، وهو عن الشعر الشعبي.
في تلفزيون الكويت من دبي تعلمت الكثير، خصوصاً في فترة جاسم الشهاب الذي أحسن تأهيل وتوظيف الكوادر المواطنة، كذلك عملت مع حمد المومن في فترة توليه إدارة التلفزيون، وعاصرت مرحلة المرحوم حبيب الرضا الذي عرف عنه حبه للموظفين وحسن معاملتهم، كذلك عملت مع مجموعة مواطنة في مجالات الإخراج والإعداد، واتسمت تلك الفترة بروح الإخاء بيننا كفريق واحد يعمل بروح المجموعة.
وكان مبنى التلفزيون بالنسبة لنا بيتنا الأول والثاني والأخير، نقضي فيه معظم أوقاتنا دون أن نشعر بالملل أو التعب، واستمريت في عملي في التلفزيون الأبيض والأسود بعد أن تسلمت وزارة الإعلام التلفزيون من مكتب الكويت، وأصبح اسمه بعد ذلك تلفزيون الإمارات العربية المتحدة من دبي، إلى أن جاء عام 1978 وانتقلت للعمل في تلفزيون أبوظبي.
فرحة التأهل لكأس العالم
بعد انتقالي إلى تلفزيون أبوظبي بعام ذهبت للمشاركة في دورة بتلفزيون الـ بي بي سي في مجال الإخراج التلفزيوني، وكانت الدورة عبارة عن دراسة لفنون الإخراج العلمية والتقنية، وأفادتني كثيراً في مجال عملي، وعدت بعدها واستلمت مهمة مراقب البرامج الرياضية من عام 1979 وحتى إنشاء قناة أبوظبي الرياضية، ومع أبوظبي الرياضية عملت كمخرج ومعد ومذيع في بعض الفترات التي كانت تحتاج لكوادر في الإعداد والإذاعة، وطوال فترة عملي في المجال التلفزيوني غطيت أحداثاً رياضية كثيرة، ولم أغب عن دورات كأس الخليج أبداً.
كذلك غطيت كأس آسيا وبعض نهائيات كأس العالم، خصوصاً نهائيات روما 1990 والتي كان منتخبنا الوطني مشاركاً فيها، كنت قبلها قد غطيت التصفيات المؤهلة لكأس العالم والتي أقيمت في سنغافورة، وعشت وقتها فرحة التأهل مع البعثة الرياضية.
وهذا الحدث على وجه الخصوص يمثل لوحة رائعة في مسيرتي المهنية، كما أنني سافرت إلى أكثر من ثلثي بلدان العالم في تغطيات لأحداث وفعاليات رياضية، وأثناء هذه المسيرة الطويلة عاصرت ثلاثة أجيال لمنتخبنا الوطني، ابتداء من جيل أحمد عيسى ومروراً بجيل عدنان الطلياني، والآن مع الجيل الحالي، وما خرجت به من عملي طوال هذه السنين هو أن العمل الإعلامي مجال واسع بفضاءات فسيحة، ويحتاج إلى صبر وطاقة وحب واحترام للعمل.
أما حياتي الأسرية فقد تزوجت زواجاً تقليدياً في عام 1976، وزوجتي كانت ومازالت وستبقى الزوجة والأم والأخت الرحومة، وقد بارك الله زواجنا ووهبنا ستة أولاد وخمس بنات، أكبر أبنائي مانع ويعمل مديراً لإدارة التسويق في هيئة بريد الإمارات، أما أصغر أبنائي فهما حصة وزايد، والطريف أن ليس من بينهم من تأثر بعملي واختار الإعلام، وأنا بدوري لا أضغط عليهم في اختياراتهم الدراسية، ومع ذلك فهم ينتقدون أحياناً كيفية إخراجي لبعض المباريات.
مخرج متميز
يقول علي عبيد: عرفت صالح سلطان منذ أن التحقت بالعمل في تلفزيون الأبيض والأسود عام 1974 وكان قد سبقني في العمل بتلفزيون الكويت من دبي، ووجدته إنساناً محباً لعمله ونشيطاً ومسخراً ما تعلمه في فترة عمله وتجربته التي سبقتنا في خدمة زملائه والعاملين من حوله، وصالح سلطان حدد أهدافه منذ البداية وأبدع في مجال يحبه وهو البرامج الرياضية.
كما أنه يعد من أوائل الذين أخرجوا نقل المباريات، ومحبة صالح لعمله كانت تنبع من كونه لا يتعامل مع العمل كوظيفة، وإنما كهواية ومجال للإبداع، وهو بالفعل إنسان مبدع حتى في حياته العادية، وله نظرته الفنية لما حوله، وامتدت علاقتي بصالح بعدما انتقلنا سوياً إلى تلفزيون أبوظبي، واثناء توليتي إدارة التلفزيون أسندت إليه رئاسة قسم البرامج الرياضية واعتمدنا عليه تماماً في هذا المجال.
وما يحسب لصالح أنه من القلائل الذين استمروا في عملهم حتى الآن ولم ينتقل إلى عمل آخر، وان كانت كلمة حق فهي أن جيل صالح سلطان هو الذي أسس للعمل الإعلامي في شتى التخصصات ولولا هذا الجيل لما استطعنا دخول عالم الفضاء المفتوح وعصر القنوات المتخصصة وخصوصاً في الرياضة.
ويقول علي حميد: تجمعني بصالح سلطان علاقة قديمة تعود إلى منتصف السبعينات وهي علاقة أكبر من أن تكون صداقة أو زمالة، فنحن أخوة بل وأكثر وصحبته تضفي على الأجواء نوعاً من المرح ولذلك كنت أحرص على أن أكون معه في غرفة واحدة أثناء تغطياتنا للأحداث الرياضية الخارجية.
وأحياناً يكون لكل واحد منا غرفته الخاصة إلا أننا نصر على العيش في غرفة واحدة، فهو إنسان على خلق كريم وبشوش يحب القفشات وجلسات السمر، وعلى المستوى المهني فهو يعد من الكوادر التي تركت بصمة في مجال الإعلام الرياضي، وهو امتداد لجيل من الإعلاميين المخلصين لعملهم، وأذكر أنه استضافتي في برنامج من إخراجه عام 1976 وكان صديقنا محمد نجيب مذيعاً، وتتالت بعد ذلك لقاءاتنا ومازلنا على تواصل مستمر حتى الآن.
ويقول محمد نجيب: تربطني بصالح علاقة جميلة تعود إلى أيام تلفزيون الأبيض والأسود، وكان أول ظهور لي كمذيع على يده، ثم قدمت معه عدة برامج متنوعة إلى أن انتقلنا إلى تلفزيون أبوظبي، ووقتها أسس صالح القسم الرياضي هناك وكان من أوائل الذين قاموا بنقل وإخراج مباريات كرة القدم، وصالح مبدع في عمله ومخلص له.
ومع مرور كل هذه السنين وخبرته الطويلة في مجال الإخراج إلا أنه يسعد كثيراً عندما تطري على عمل قام به، كما أنه يتقبل الرأي الآخر ويأخذ بالنصيحة إن كانت في محلها، وهو على المستوى الإنساني دائم السؤال عن أصدقائه في المناسبات، وابتسامته لا تفارق شفتيه، فهو يتمتع بخفة الظل ويحب القفشات وتبادل النكات، عموماً أتمنى لصالح الصحة ودوام التألق والتوفيق في عمله.
عزالدين الأسواني



